أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011) / سيرة. 3/ استرجاع بدايات 1972 / الفصل الثالث.















المزيد.....

[كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011) / سيرة. 3/ استرجاع بدايات 1972 / الفصل الثالث.


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 16:15
المحور: الادب والفن
    


ذاتَ يوم: 1972/10/17.
أخيرا،
ستة وعشرون وجها صغيرا، عيون مركزة على ثلاثة رجال دخلوا القسم تباعا، وقفوا أمام طاولات خشبية قديمة من خشب متين وهب نفسه لأجساد صغيرة يحملها كما حمل من كان عنده ضيفا من قبل، ربما من سنوات قد تمتد بإخلاص إلى زمن كان فيه المعلم الصغير تلميذا بجسده النحيل ينحشر في صندوق من خشب ليس له نظير في أثاث منزل الرجل البنكي.
كان آخرَ الداخلين، أدهشته حركة الوقوف الجماعي لِسَبْعِ طفلات وتسعة عشر طفلا، أكيد أنهم تلقوا تدريبا على تلك القفزة الجماعية المهووسة بوحدة حركة في نفس الآن، لا سبق ولا تأخر،
حركة عسكرية، انضباط تام، سكون، انتباه، عيون تبصر، ملابس غريبة عجيبة...
لا شك أن وراء الحركة العسكرية معلمٌ جَبَلِيٌّ سينتقل إلى فرعية سيدي مسعود، طويل نحيف، طيب هادئ...
ترتفع الرؤوس الصغيرة في الصناديق الخشبية راميةً الأعناقَ إلى وراء لتقبض على الوجه الجبلي الصارم، زاوية نظر من أسفل إلى أعلى... خضوع تام، الطويل صارم، تَرَكَ الابتسامةَ العريضة التي
رَحَّبَتْ بالسيد المدير وضيفه الشاب على عتبة القسم، ما ولجتْ معه لتلتقطها عيون صغيرة.
لحظة فراغ.
ـــ لاباس أوليداتي؟
(الصمت حكمة، إذا تكلم الكبار، فلينصت الصغار).
ـــ هذا معلمكم الجديد، أما معلمكم السي "أ" فغادي يمشي، المعلم الجديد السي عبد الرحمن راه تَيْقرّي مزيان، كونوا معاه ظريفين. ومجتهدين، وما تديروش لبسالة، اللي دار القباحة خاصو الفلقة،
فهمتوا؟
ـــ نعم أ السي المدير... (صوت واحد، عميق، نبرة مد بين النون والعين ترمز لانضباط).
ــ الله يرضي عليكم.
السي... السي... السي... الفلقة.
ـــ نااااااااااعم.
ـــ جلوس، اجمع ايديك.
أجساد صغيرة تعود بحركتها الميكانيكية إلى مستقراتها، الأيدي تطوق الصدور، الأفواه مغلقة، الأنفاس مكتومة.
ـــ أ السي عبد الرحمن، سيبقى معك السي "أ" طيلة الأسبوع ليرشدك إلى ما يجب عليك معرفته، هو مدربك الآن، رجل طيب، استفد منه.
أول مرحلة تكوين... أسبوع! معلم يأخذ من معلم، أطفال ينتظرون، نظرات لم تعد في حاجة إلى أعناق تشرئب منها رؤوس إلى أعلى، السي عبد الرحمن قصير، النظرات استقرت على الجسم القصير، تتابع حركاته وسكناته... إنه يبتسم، غريب، شعره غزير، كسوته نظيفة لا يظهر عليها أثر تراب يسكن ملابس أطفال، وربما معلماً آخر، ستأخذ حظها من غبار لا شك.
الرياضي عاشق كرة قدم ينسحب، يرحل مع البنكي الذي سيعود في المساء ليأخذ المعلم الصغير إلى الدار البيضاء في انتظار الاستقرار عند الحاج....
يخلو الجو من بعض تكلف، الجبلي مهذب.
ـــ تفضل، اجلس.
ـــ عفوا، تفضل أنت، سأبقى واقفا، متعود على الوقوف.
ـــ لا تمانع، القسم قسمك، والمكتب مكتبك، والكرسي، والسبورة، والطبشور، والممسحة، والطاولات، والتلاميذ، والعصا... مملكتك.
ـــ ما المطلوب مني في عملي من فضلك؟
ـــ بعض الوثائق، وبعض المقررات، وبعض انتباه لطريقة التدريس، الأمور سهلة، هو تحضيري، حروف، وقصار سور، ومحادثة، وأخلاق، ورسم، وأناشيد، وحساب... واستراحة عند منتصف كل
حصة.
لا بد من مذكرة يومية، وشيءٍ من تحاضير، سبورة المعلم يجب أن تعرضَ عليها استعمال الزمن، والتوزيع السنوي للدروس حسب المواد، والتوزيع الشهري، ولائحة العطل، لا تنس أن تملأ دفتر الغياب والحضور، ولا تنس تصحيح الدفاتر، حاول ألا تلطخ يديك وكسوتك الجميلة بالمداد وأنت تعده في القارورة، لديك علبة مسحوق، صب على مسحوق المداد ماء فاترا، لا ساخنا ولا باردا، صُبَّ في كل محبرة بعض السائل، لا تعط القنينة للتلاميذ حتى لا يهرقوا المداد على الطاولات، اطلب منهم تنظيف طاولاتهم كل أسبوع بماء "جافيل" المطهِّر، يحضرونه معهم، لا تتركهم يلعبون، الطبشور في يد، والعصا في اليد الأخرى...
المعلم عبد الرحمن ما عاد يسمع،
ما عاد يفهم،
ما عاد قادرا على تركيز؛
دوامة أوامر صارمة...
(الفلقة... العصا... لا تعط... يحضرونه معهم...).
استراحة.
ــــــــــــــــــــ
فاقد الشيء لا يعطيه، وربما لا يرغب في البحث عنه.
لماذا يبني رأيه على الظن؟
"ربما" هذه ضعيفة هذه تفيد الشك... وهو على يقين.
ذلك الجبلي الطيب المُكَوِّنُ كان صفحةً غامضة، حروفُها المضطربة لا تُقْرَأُ بسهولة... لا تعطي، ولا تأخذ.
الوثائق التربوية، الكتب المدرسية، التحاضير، المداد، العصا، الفلقة، الاستراحة... نعم،
وماذا بَعْدُ؟
كيف سَيُلقي المعلم البيضاوي الشاب دروسا في القراءة، وفي تحفيظ ما تيسر من قصار السور والأناشيد التي نسي كلَّ ما حفظه منها في طفولة كانت محكمة بأناشيد حماسية مرّرتها حركة وطنية من كبار إلى صغار عبر بوابة مدرسة حرة معرّبة كانت في منزل، أو محل صمم أصلا لتجارة أو ركن سيارة...
وما كان قد نسي "قطتي صغيرة".
أخوه الأكبر لم يحفظ من حماسياته الكثيرَ ولا القليل في سكويلة مفرنَسة راطنة بكثير من بقايا لغة استعمار رحلت جيوشه ولم يرحل معها "مسيو جاك" وحبيبته "مدام هيلين" اللذان لا يحفظان من الأناشيد إلا غنائية "لا مارسييز" وأغنية "فْريرُ جاكُ"، و...؟
كيف يدعو الناسَ الصغار في حلقته الواعظة إلى فاضل آداب وأخلاق؟ كيف يحسب معهم حبات فول جاف وخشيبات... ويرسم أرقاما بعد رسم حروف؟
كيف يجري محادثة؟
كيف يرسم سمكة ووردة ومحبرة وريشة ومسطرة وعلما ومعلما بنظارتين ومسطرة طويلة ورابطة عنقK ووزرة قد تلبس فوق كسوة أو جلباب؟...
فاقد طرائق التدريس... "ربما" لا يرغب في...
ومر الأسبوع،
ما تعلم ما جاء به صاحب "المعسول" ولا صاحب "المقدمة" ومن نَحا نحوَهما في تضمين مؤلفات أدبية فقهية تاريخية عمرانية اجتماعية كثيراً من إشارات تربوية تعليمية...
وما تعرف "آلان" ولا "منتسوري" ولا "ديوي" ولا... "كيف تصبح معلما ناجحا في خمسة أيام دون معلم".
كل ما "ورثه" من الجبلي الطويل الطيب هو عصاه الطويلة، ومكتبه المترب، وممسحته القماشية فاقدة اللون الأصلي، وقارورة المداد، وعلبة الحبر الجاف، وقطع صغيرات من طبشور أبيض وأزرق وأحمر تجرح خشبة مشنوقة إلى حائط أمام صناديق خشبية ثقيلة.. كانت سوداء يوماً ما، صارت لوحة فنية تحتفظ ذاكرتها الناصعة بحروف وأرقام وبسملة وتاريخ لم يدخل التاريخ بعد.
وتلك الباقيات من صويرات "تعليمية" مهترئة حائلة اللون تحكي حروفا ضخمة، وموزة، وإوزة، وبوبيا، وزرافة، وقطة تلاعب فأرة... وخواء.
وجاء المساء،
وبعد زيارة لمكتبة "السي لحسن" الجنوبي الأسمر تحت أقواس هادئة بحي عين الشق، استقرت أمام مكاتب عدول تستند إلى مسجد عتيق مهيب فضاء... عاد بحمولة من كتيبات تعليمية كان يرى بعضا منها فوق مكاتب معلميه الكرام في مدرسة حرة بدرب الخير...
ذخيرة المرحوم "أحمد بوكماخ"، المصحف المدرسي، كتاب المحادثة، كتاب الأناشيد، كتاب الأخلاق، كتاب الرسم والخط، كتاب الحساب... للتحضيري.
نصحه "السي لحسن" الخبير بأسرار الكتب والمؤلفات، على قلة منها بالعربية، أن يأخذ له بعض زاد من كتب طرائق تدريس، وكانت من تأليف سادتنا المفتشين المحترمين، يزورون المعلم، ويسألونه عن... "مؤلفات تربوية".
الرحمة للجميع.
وكان الله في عون معلم لم يلج مدرسة معلمات ومعلمين، ولا مركز تكوين إلا بعد سنتين من عمل...
شاب يافع، صار معلما... من البيت إلى القسم.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- رسالة مهجورة على كرسي أعرج أمام مكتب قديم / قصيدة نثر حداثية
- -أيلول... يا زمن قيامة عاطفية- / قراءة دلالية وجمالية في قصي ...
- السردية الرمزية في قصة -موعد مع السقوط- للقاصة المغربية سعيد ...
- عبور من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية مسرودة تجربة حقيقي ...
- كهفٌ... غيمةٌ / قصيدة نثرية
- [ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية / سرد وقائع حق ...
- قراءة نفسية سردية في قصة -جرح قديم-، للقاصة المغربية سعيدة ح ...
- في شعرية القصيدة النثرية / نبضات القلب والكون في قصيدة «رقص ...
- حكاية الميت الأخير يهرب من لحده المنسي في مقبرة العشيرة / قص ...
- إبداع الأديبة المغربية فاطمة عدلي: تنوع عابر لحدود بين أنواع ...
- [ أسحار... وما منها أشعار ] إن هي إلا بعض بوح عليل / قصيدة ن ...
- أخي / قصيدة نثرية
- [ حاصر حصارك ] قصيدة نثر حداثية
- هامسُ وجع / قصيدة نثرية
- مكاشفات / رؤى نقدية
- من أنا... سؤال / قصيدة نثر سردية متسلسلة / 1/ (من أنا... هو ...
- تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر / قصة قصيرة
- «قارعة طريق» / قصيدة نثر حداثية


المزيد.....




- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص( سَأَقولُ لكِ أُحِبُّكِ بِطَرِيقَتِ ...
- كيف لي أنْ أرأبَ الصدْعَ
- نحو استعادة زمن الحياة


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011) / سيرة. 3/ استرجاع بدايات 1972 / الفصل الثالث.