عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 12:01
المحور:
الادب والفن
الحديث عن التجربة الأدبية "العدلية" حديث مشوق... ومورّط.
التشويق وليد تعدد في عطاء، وهو ليس تعددا في خواء.
التوريط ناتج عن شساعة أفق عطاء عند "فاطمة"... أفق يرحل بالمتلقي الراغب في خوض غمار قراءة منصفة تحترم المنجز، في تلويناته النوعية... إبداعا ونقدا، ولا تجامله، ويفرض عليه أن يكون حذرا، غير مندفع بانبهار قد ينتهي به إلى مقاربات مجانية، أومجامِلة.
تأتي التجربة الثقافية عند "فاطمة عدلي" في مقام تداولي عام، وفي سياق مرجعي خاص... فقد عرف الأدب العربي المعاصر تحولات نوعية عميقة، تمثلت أساسا في موجة تكسير الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية، وفي الانفتاح على أشكال تعبيرية شاعرية جمالية جديدة، تتأسس على قاعدة حساسية تهجين وتشاكل وتداخل.... فالنموذج مجروح، والنمذجة فقدت "قدسيتها".
في هذا المقام العام، برزت تجارب إبداعية تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين اللغة والتجربة، بما يجعل من النص / المنجز فضاءً مفتوحا على صور وإمكانات متعددةِ وجوهٍ من القول ومن تأويله.
تجربة الأديبة المغربية فاطمة عدلي لا تؤخذ، في سياقاتها المرجعية الخاصة، على محمل انتظار خوضِها تجريبَ تكسير حدود بين أجناس... إنها تتميز بكونها مغامرةَ تكسير جدران قفص سلطة النوع الواحد / التخصص / التلون بلون واحد من إبداع، وما هذا التخصص - في نظرنا - معيب، فله أهله المدافعون عنه بحجية مقنعة، وهم في رؤاهم يُحتَرَمون، وذلك بمغامرتها في السفر عبر عوالم تحترم المسافات "الجاذبية" بين أنواع تعبير، فلا تسقط في لعبة تشاكلٍ وتداخلٍ وتجاوزِ تمايز... إنها تتحدانا، وتمتعنا، بتعدد صور اشتغال في حقول من أنواع مختلفة... شذريات "هايكو / تانكا / هايبون"... وهي بذلك ترتدي جبة هايكيست...، انتقالا منها بنا إلى حد اشتغال في قصة قصيرة جدا، وقصة قصيرة... وهي بذلك ترتدي جبة ساردة... انتقالا منها بنا إلى حد اشتغال بشعر نثري... وهي بذلك ترتدي جبة شاعرة.
فمن أين لنا فرصة العيش مع وقائع "ليلة القبض على فاطمة"؟
إنها غواية اجتراح مغامرة خوضٍ مسؤولٍ سابح في يَمِّ ديناميةِ كتابةٍ معاصرة، لا ترتهن بجمالية سلطة نوع واحد، ولا تستكين إلى بيت خاص، ولو كان من بلور.
تَقَاطُعُ مشروعِ "فاطمة عدلي" الإبداعيِّ مع أنماط تعبيرية متعددة، تشمل قصيدة النثر، والهايكو، والقصة، والقصة القصيرة جدا، لا يمنعها من خوض مغامرة انخراط في ممارسات نقدية إجرائية، وهو ما يمنح نصوصها سِمَةً مركّبة، تقوم على تجاوز الانتماء الأجناسي الصارم، لصالح كتابة منفتحة على التجريب، دون انضباط لسقف معين من محاولات.
ــــ فإلى أي حد تمثل تجربة "فاطمة عدلي" نموذجَ كتابة عابرة للأنواع في الأدب المغربي المعاصر؟
ــــ وكيف تسهم هذه الكتابة في إعادة تشكيل علاقة الأديبة المتعددة بين شعرية لغة، وهموم ذات، ورؤية للعالم؟
تؤسس "فاطمة عدلي" تجربتها التعبيريةَ على تصور معين للكتابة، باعتبارها فعلا ذاتيا يسعى إلى تنظيم عوالم فوضى داخلية، وإلى إعادة بناء معنى وجودي معين، لمواجهة اختلالات في واقع متعين...
الكتابة، المسجونة في قفص ضيق لا تُقْنِعُ "فاطمةَ" المغامرةَ بهروب إلى فضاءات طبيعة تمتح منها روحَ تعدد ألوان جمال... وما أسفارها الكثيرة إلى طبيعة وعمران بخافية، هي الدليل على روح مسكونة بعشق جمال، ولو مع معاناة... المعاناة شرط وجود... المعاناة ضريبة تميز... المعاناة حلم بقبض على طائر غرّيد لم يقبضْ عليه من قَبِلُ قناصٌ عنيد... و"فاطمة" عنيدة... إنها غاوية ممارسة جمالية مفتوحة على تنوع حقول، ليست ككل ممارسة إبداعية ساكنة قفصا واحدا لا تخرج منه كرها أو طواعية، إذ هي ممارسة / أداة مقاومة قلق، واستعادة توازن نفس.
ويتجلى هذا التصور في تأكيدها على أن الكتابة تمنح شكلا من النظام لفوضى الحياة، وهو ما ينسجم مع تصورات نقدية حديثة ترى في النص الأدبي مجالا لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية، وتحويلها إلى حمولة دلالية / قضوية قابلة للتأويل، ولإعادة النظر في تأويل.
يمثل ديوان «باب تقرعه الريح»، الحامل تجربةَ إبداعٍ في فن "الهايكو" محطةً بارزة في تجربة "فاطمة عدلي"، حيث تنفتح على هذا الفن العابر للقارات، بوصفه شكلا شعريا مختلفا عن كل أشكال التعبير العربية، ولو مع وصول صيغ "شذرية" إبداعية في المحمول الثقافي التقليدي إلى عصرنا من خزانة تراث عربي أصيل خالص، فالهايكو فن يقوم على التكثيف الدلالي، وعلى الاقتصاد اللغوي، وكذا على خلق حالات الدهشة الممكنة والمستحيلة، أو بعيدة المنال، بعيدا عن المتح من مختبر صناعة صور شعرية بيانية، من البلاغة العربية، مسكوكة تأليف.
والأديبة "فاطمة" تستثمر هذا الشكل في التقاط لحظات عابرة من الطبيعة، التي لها حضور مركزي في أصيل الهايكو، ومن الذاكرة، التي لها حضور مركزي في ناجز إبداع كوني عام، وتحويلها إلى ومضات دلالية تعبيرية جمالية خاصة مشحونة بالإيحاء.
ويقوم الهايكو في نصوصها على بناء تأليفي مشهدي مكثف، وعلى اقتصاد لغوي صارم، فضلا عن تفاعل حسي مع عناصر الطبيعة، بانزياح دلالي يفتح النص على التأويل المنفتح على تعدد رؤى وقراءات.
قالت الهايكيست "فاطمة عدلي":
لهفة فحسب
لعلها الريح
تقرع الباب
ـــــــــــــــــــــــــــ
عندما ينتصر الحب
يعانق الحرف
جسد القصيدة
ـــــــــــــــــــــــــــ
يوم الأرض
لم يفارق حزام الأم
مفتاح البيت القديم
ـــــــــــــــــــــــــــ
وفضلا عن هذا، تستدعي المبدعة المرجعية اليابانية لهذا الفن، خاصة مع تجربة الرائد "باشو"، لكنها تعيد توطينه داخل سياقات عربية، مما يمنح نصوصها بعدا كونيا، دون فقدان خصوصيته الثقافية المرجعية.
وعند انتقالنا مع الأديبة "فاطمة عدلي" إلى صرح قصيدة النثر، واشتغالها فيها على شعرية رمز "الرماد"، في ديوانها الأخير «تآويل الرماد»، فإننا سنقف على مغامرة نوعية أخرى، بمستوى مغاير، يبدو أكثر عمقا وتعقيدا، حيث توظف قصيدة النثر بوصفها فضاء شعريا لتفجير اللغة، ولاستكشاف توترات الأحوال الحاملة رؤى وجودية.
إذ يشكل "الرماد" آليةَ اشتغال خاصة، ورمزا مركزيا في هذا العمل الشعري الجديد للأديبة، وهو في الغالب يحيل إلى دلالتين متقابلتين:
ــ دلالة الانطفاء الشاخص، المعبر عن الفناء
ــ ودلالة الاشتعال الكامن، المعبر عن إمكانية الانبعاث
وهذا التوتر الرمزي الشاعري يعكس رؤية الشاعرة الوجودية، التي ترى في "الانهيار" إمكانيةَ إعادة خلق وتجدد، وفي "الفقد" أفقا لإعادة التشكيل وإعادة إنتاج الحياة.
قالت الشاعرة:
(بلون الرماد هذه الحروف
في كل حفر جذوة تأبى الخمود
تتطاير شظاياها فتندلع الكلمات
لهبا وأسارير قصيدة)
أما عن القصة القصيرة جدا، عند الأديبة "فاطمة عدلي"، في علاقتها ببلاغة المفارقة، فإننا نجد المبدعة تتجه إلى محاولة رسم معالم امتداد طبيعي لخصيصة التكثيف، الذي يحكم تجربتها على وجه العموم، حيث تقوم هذه الكتابة على اختزال سردي، ومفارقة دلالية تنزوي خلف اقتصاد في تسريد الحدث وتسريع ديناميته البنائية وفق متتاليات سردية، وفي تركيز توصيف الشخصيات وتأثيثها، بكل انفجار دلالي يخرق أفق انتظار المتلقي في النهاية.
قالت القاصة:
(محاولة للنسيان)
[جمعت كل الذكريات المؤلمة في صندوق حديدي، أحكمت إغلاقه... كانت وجهتها بحر النسيان...
تعثرت بنتوءات الصخر، فانفلت عقال الذاكرة].
وقالت:
(ماذا لو)
[على السرير جسد مسجى بنوع من اللامبالاة... عينان تنظران إلى سقف الغرفة بفتور مريب... وحدهما اليدان تقويان على الحركة، وبقية الجسم أثقل من جبل... انعدمت منه كل أسباب الحياة، نتيجة تخدير جزئي... يترنح أعلى الجسد... يتسارع النبض... لكن لا حراك... إحساس رهيب... ماذا لو بقي الجسد مجمدا، عاجزا عن الحركة... ماذا لو].
وهي بذلك تنخرط في حركية إنتاج أحد أبرز أشكال السرد الحديث، الذي يزاوج بين الشعرية التعبيرية والحكي السارد سريع النبض، ويسمح للمتلقي بلعب دور تأويلي منتج فاعل يعيد تدوير المنجز السردي، وإمكانية إعادة تشكيله.
نصرّح، جازمين، بأن مغامرات "فاطمة" التعبيرية الشعرية الجمالية لا تنتهي عند صروح إبداع... إنها تأخذ الطريق مسافرة إلى قارة نقد.
وهي بهذا تجسد رؤيةً خاصة لنا شخصيا، نقول فيها بضرورة تجاور نقد وإبداع في الذات الأديبة الواحدة... إذ نؤمن بواجب تكامل بين عالمين: "المبدع / الناقد --- والناقد / المبدع"، ولا ننتظر توازنا رياضيا بين كفتي ميزان في نفس الذات...
وفي هذا الإطار، لاحظنا تميزَ تجربة "فاطمة عدلي" بجمعٍ بين كتابة إبداعية وممارسة نقدية، حيث تشتغل على قراءة النصوص من الداخل، ولها وقفات نقدية مع عديد كتب قرأتها، مستثمرة مفاهيم ومداخل مصطلحية حديثة، من مثل "العتبات النصية "، و"التناص"، و"البنية الرمزية للنص"...
ويمنح هذا التداخل مشروعها الإبداعي عمقا إضافيا، إذ تصبح الكتابة - من منظورها، وفي أجرأتها - ممارسةً واعيةً بأدواتها وبآليات اشتغالها، وبمراميها التواصلية التداولية النهائية.
ومنه نخلص إلى أن تجربة "فاطمة عدلي" تمثل نموذجا خاصا للكتابة العابرة بين الأنواع في الأدب المغربي المعاصر، حيث تتأسس على التهجين الأسلوبي، وعلى الانفتاح على مرجعيات كونية، مع حفاظ دال على خصوصية الصوت الشخصي الإبداعي، حيث تتأطر هذه التجربة "العدلية" ضمن إطار المسارات الأدبية الإبداعية والنقدية الجديدة، التي يعيد من خلالها الأدب العربي المعاصر تشكيلَ ذاته، في ظل عالمٍ متغيرِ وقائعَ وتعبيراتٍ عنها، مما يفرض على الأعمال أن تكون أكثر مرونة، وأكثر انفتاحا على الكائن والممكن، في واقع خائب مخيب للانتظارات.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟