عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 22:13
المحور:
الادب والفن
(يحلم بأن يعيش حياتين:
غارقا في تأمل محموم، وغارقا في بحث عن جواب محال لسؤال)
مغامرة / محاولة الانخراط في تجربة البوح بورقة شخصية إبداعية هي بالفعل مغامرة / ورطة... مغامرة / مسؤولية.
أن أنطلق من داخل التأطير الوظيفي في الحقل الثقافي فأنا حتما، وبالضرورة متورط متواضع، ومسؤول عنيد.
"المثقف" عنصر من جملة عناصر كونية، تاريخية، لها حضور في الحاضر المشهود، الممتد إلى ماض معلوم، وإلى مستقبل مجهول.
"المثقف" فاعل، شاء أم أبى، فاعل في ذاته في أبسط الاحتمالات... فاعل في هذا العالم في أقصى الاحتمالات.
"المثقف" ، إما أن يكون، أو لا يكون.
يكون / يوجد... إن هو انخرط في فعل "التعبير" بوعي وإرادة وفق أهداف مرسومة.
لا يكون / لا يوجد... إن هو انساق، دون تحكم في مِقْوَدِه، مع تيار التعبيرات الجارية وراء البحث عن موقع ما... مشبوه بالضرورة، لينخرط في عملية إنتاج التفاهة والضحالة والسفاهة والرداءة.
بناء عليه... أعلن تورطي في قبول التصنيف ضمن أسرة المثقفات والمثقفين، على تواضع صادق مني... فقط لأنني إنسان يُعبّر... يقول... وقد يصرخ... ولا يدعي - صدقا - أنه "مثقف"... فقط يقول: "أنا مسؤول"... ولن أسمح للرداءة باختراق كياني.
الكتابة، ورطتي... مسؤوليتي، وقد جاءت على شيخوخة... ابتدأتْ طفلةً على عتبات سن الخامسة والستين... نعم ما جاءتْ هذه الكتابة / الورطة طفلةً إلا وقد شاخ الجسد ووهن العظم مني.
ذات حوار حصري تفضلت به عليّ الإعلامية الكبيرة، والمثقفة المبدعة الأستاذة زهرة منون ناصر، في رحاب (جريدة ألوان الرقمية، الصادرة من كندا / 22 يونيو 2024)، قلت، بكل صراحة وتواضع:
{ أنا سجين قفص رعشة اللحظة... المصالحة مع اليراع لم تتم إلا وقد سكن الطفلُ المشاغب جبةَ ملاح عجوز }.
حديث الذات عن الذات… سؤال حارق، فهل من جواب؟
هو "الوجع / السؤال"، وما بالإمكان القبض عن ذات متشظية تبحث عن حقيبة تلم فيها متفرق متشظيات… ذات متعطشة للقبض على جواب لسؤال وجودي، حارق، متجذر في عمق تربة البحث عن كينونة الإنسان.
نولد صفحة بيضاء، ويولد معنا "السؤال" عن الذات والأحوال… نتقدم في العمر... قد نسقط في شرك "البحث عن جواب" فنشقى، وقد نعيش إما كائنات عاشبة، أو لاحمة… فيضيع "ثوب الخياط في خيطه".
ذات لحظة تفكير في جواب عن سؤال، أدرك أنه ريشة في مهب رياح، تارة – لحظة شك – تحملها إلى كهف جواب لا يخرج عن حدود هَمِّ القائل "جئت لا أعلم من أين…"، وتارة – لحظة إشراق – تحملها إلى معبد صوفية حلاجية هاربة من سؤال إلى سؤال…
إن كانت هناك بدايات وامتدادات ذات قيمة اعتبارية، ليس من السهل القبض عليها… الذاكرة مشروخة، والسقوط في لعبة "السيرة" هو نوع من السقوط في شرك "الكذبة / السيرة"… لكن، لا مفر من محاولة السقوط في هذا الشرك الاسترجاعي.
بعميق ألم أتذكر أول تجربة لي في الكتابة، كانت تجربة كتابة أول قصة قصيرة، تحديدا في بداية السبعينات من القرن الماضي، وأنا آنذاك معلم مؤقت، قصة رعاها أخي الراحل صديق الطفولة والشباب المرحوم مصطفى المسناوي، تتبع معي مراحل إبداعها بشكل غير جارٍ على مألوف أشكال تعبير قصصي، نشرها لي في جريدة "الاتحاد الوطني"، وضاعت مني كما ضاعت فرصة مواصلة إبداع في دروب حياة تكرست للتعليم ، ومجريات هامش من سقط متاع دنيا ومتعة طائشة.
تقلّدي شرف رسالة التعليم، بمختلف الأسلاك التعليمية الابتدائية والمتوسطة والعليا، مدة تزيد عن نصف قرن ساعدني على الاحتكاك بعوالم الثقافة… ففضل رسالة التعليم عليَّ كبير.
المصالحة مع اليراع لم تتم إلا وقد سكن الطفلُ المشاغب جبةَ ملاح عجوز على خمس وستين عاما بالتمام والكمال،
هجرة حروف لعقود من رحلة تعلم في متاهات حياة سقطت في "يم أزرق" مغرٍ بسباحة لذيذة، لم تكن مقصودة لغاية معانقة إبداع… لكن اليم الأزرق لا يرحم، وها هو الملاح العجوز بعد عشر سنين من سباحة مضنية ما انفك يبحث عن جواب لسؤال… بكل ما يخطر بالبال من أشكال تعبير متواضعة، عسى ألّا تُخَيِّبَ ظَنَّ متلقين كرام...
هي غواية تجريب... نحن عادة لا نختار أساليب التعبير عن ذواتنا في مشاعرها ووجدانياتها وأفكارها وقناعاتها إلا في حالات خاصة لا تعمم… المبدع الحق تبدعه تجربته، ولا يبدعها، هي التي تختار له المناسب من محمولات مضامين، والمناسب من أشكال تعبير، والمناسب من أوقات تفريغ… لا أدعي أنني مبدع في كل الأحوال… درجة الوعي في الكتابة مطلوبة وحاضرة مع الكبار الخالدين، وهي غير لازمة في كل الظروف والمواضعات.
قد "تسقط" علينا شظايا الإبداع في حلة "تفاحة نيوتن"، فنصيح من أعماقنا: "وجدتها… وجدتها" … والحكايتان معلومتان.
لست مبدع تعبيراتي المتواضعة، أنا إنسان بسيط يرشح بما فيه بكل الارتجال، وبكل العفوية… لست من أهل مدرسة "الحوليات" الكرام… الارتجال يسكنني، تحملني الفكرة بشكلها الذي تختاره هي، في وقتها الذي تختاره هي، فأسرع إلى جهازي الالكتروني أغازل مفاتيحه بسرعة جنونية كي أتخلص من الدفقة التعبيرية… (لا أدري كيف هجرت القلم والورق مع أن عشقي لهما لا يزول… مؤكد أنه سقوط غير محمود في مصيدة رقمنة)… أرتاح مع ارتياح لوحة المفاتيح… ولا أراجع ما رشح مني رغما عني إلا لغاية تدقيق لغة… هذا أنا، عفوي لحظي ارتجالي… صرت أرقص على عزف لوحة مفاتيح في جهاز إلكتروني مجنون… فهل هذا التسيب يحسب إبداعا؟
إيماني البسيط بغواية التجريب، الذي لا حدود لدهشته، هو مغامرة بالسباحة في كل قطرة ماء طاهرة، ومنها السباحة في عوالم قصيدة المرحلة / قصيدة الدهشة… قصيدة النثر الحداثية، التي كان لي شرف تأسيس مجموعة شعرية نقدية تحتفي بها، مع مجموعة طيبة من الشعراء والنقاد العرب الكبار الذين أعترف لهم بالفضل الكبير، هي "مجموعة تأصيل قصيدة النثر الحداثية"… أنا مهووس بهذه القصيدة الممكنة المستعصية التي تسكن كياني، ولا تغادره.
الهروب من الشعر، إلى القصة، إلى الشذرة، إلى الخاطرة، إلى الحكاية، إلى القصة… إلى النقد، ليس بيدي… أنا سجين قفص رعشة اللحظة… سجين يحاول الهروب من قبضة أجناس… والنموذج لا قدسية له في نظري البسيط، تعبيراتي محكومة باقتراف جريرة السقوط في أحضان عديد "معشوقات" من أنواع كتابات… عسى أن تسقط منهن "معشوقة" يوما ما بين الأحضان الواهية… لا أدعي لي صفة من صفات "مقدسة"… إن أنا إلا لحظة تعبير، وقد تكون خائنة.
أقول:
الكتابة ورطتي اللذيذة... عبر مساربها تُعاد حياتي في عملية التشكل كل لحظة بوح... أتجدد، أتلون بألوان لم أتلون بها من قبل، أجد نفسي وقد صرت إنسانا آخر لم أكنه من قبل... ولم أخطط لأكونه.
الكتابة / الورطة تنتجني... تلدني... وأنا بريء من فعلها.
ورطتي مسؤولية... بكل صدق، أحاول فهم ذاتي أولا، وبأعلى درجة من محاولات أخريات... أحاول فهم محيطي... فهم عالمي والكون، فقط... ولهذا وذاك لأنني مسؤول. أنا مسؤول عن ذاتي... لا أريد أن أكون صورةَ ذاتٍ سابحة في مستنقعات الرداءة وتكريس واقع خائب.
أنا مسؤول عن دوري بين محيطي، وفي عالمي وهذا الكون.
مبدئيا، الكتابةُ خَلْقٌ... قد تكون من باب الإبداع، إن هي جاءت على غير سابق مثال، وهي في هذا مغامَرة... وإن هي انصهرت في منظومة تعبير مؤسَّسة حاملةٍ معالمَها وتعبيراتِها النوعيةَ فهي بذاك انخراط ومشاركة وإضافة... وما بين الحدين مفاضلة.
خصوصيا، أرى الكتابةَ موقفا من الذات والموضوع... بحثا، وترسيخا لقيم معينة... قيمٍ آمنت بها، ومارستها... ولي فيها كبوات وأخطاء وتعثرات... وربما المناسب منها قليل... هي قيم العدل والحق والخير والجمال والإنسانية والتآخي...
لا أتوانى عن صفع هذا العالم، وصفع وجهي أولا، إن كانا رمزين للتحكم والقهر والظلم والإقصاء والتهميش وسحق كرامة الإنسان وخنقه والتضييق على أنفاسه وسحق كرامته...
الكتابة بالنسبة لي انخراط مسؤول في مواجهة كل أشكال الاستعباد والاستبداد والتمييز والعنف والعنصرية.
الكتابة بالنسبة لي واجهة نضال واجب... نضال ضد كل ما يكبل ذاتي من ذاتي أولا... وضد كل ما يكبل ذاتي بسلطته التحكمية غير المشروعة.
هذا أنا... والكتابة... وفي نفسه شيء من كان، ويكون.
النوع التعبيري الأدبي الإبداعي أو النقدي الذي يستدعيني للتعبير به:
دون لف ولا دوران... أنا كائن مجرِّب، لا أخشى المغامرة في أي شكل تعبيري يجرني إليه جرا... أنا لا أختار تعبيراتي، هي تلونني كما شاءت... وقتما شاءت... وما عليّ إلا الصبر والمطاوعة.
سابقا – في ذات حوار صحفي ثقافي - قلت عن نفسي:
(قد أكون مرة قصيدة، وقد أكون قصة، أو خاطرة، أو سيرة، أو شذرة... أو فكرة ورأيا نقديا... كتاباتي تلدني... لا ألدها.
ومن واجب الاعتراف بالزلات أعترف أنني معبِّر مرتجِل... لا أخطط، لا أفكر، لا أحبّر، ولا أراجع... لا أغيّر... كل ما يفرض عليّ نفسَه أتخلص منه وأهرب مع وقفة آخر حرف منه.
قد يقولون عني إنني شاعر، وقاص، وكاتب سيرة... وناقد... وما أدعي استهداف ذاك السقف، وما دونه... الشهرة لعنة.
ولكن... تأسرني قصيدة النثر الحداثية... هي كياني والوجود... إما هي، وإلا فما عليّ إلا الرحيل... وما أنا ضد قديم...
ولا تفصيل، ربما أنتم أخواتي وإخواني تعرفون الحكاية... حكاية ملاح عجوز يرحل ورؤاه غربَ متوسط... وشرقه في قلب أشيلوسه... ملاح عجوز يسكن جُبَّتَه طفلٌ صغير مشاكس).
الليلة، وكل ليلة،
في زمن لا تعودُ فيه السنوات أرقاما على تقويمٍ معلّق على جدار انتظار وانكسار... تصير صدى لخطوات مرسومات في دروب حياة... تتقدم / تتآكل / تُشْوَى على ظهر صفيح حارق من صقيع ملتهب، وقيظ متجمد، مرهونة إلى زخم من تساؤلات لا تني تتناسل، وفوق أحلام خفيفةٍ ظلّت ترفض الموت مهما تكاثفت فيها، وعليها / عليك، مطبات.
ها أنت الليلة تتأمل ذاتك... تجد أنّ ذاك "الشاعر / الملاح العجوز" الذي تحدثتْ عنه العرّافة، ذات انزياح من فنجان مقلوب وأسطورة، ليس غريبا عنك... لست غريبا عنه، الأمر سيان... ليس بعيدا عن قومه يعاني كما عانى مع خلانه شعراء الحلقة الْحُمْرِ الثائرين المفقودين المنبوذين... هو، هو أنت، بطفلك العنيد الذي لا يزال يشاكس صقيع الليالي، يشعل في الظهيرة جمرةً من دهشة...
كلما حاول التاريخ أن يغلق أبوابه في وجهها ازدادت إشراقا، احتراقا، نورا... وأنوارا.
الليلة،
ها أنت، على وهن من جسد وأعطاب من حروف، تكتب الآن بمهل… بثوانٍ تتكئ واهنةً على دقائق مرتجفة، تتسلل من رحم ساعات مضطربات، تتراكم فوق ظهور شهورٍ قديمات / قادمات قد ذَوَتْ فيها عديد أحلام كانت يومَها حمراء، حرف أنت تنقشه اليوم، هو عينُه كان غصنَ زيتون وحبةَ عنب... حرف ينبت في يد شيخ... وما هو بحكيم، إنْ هو إلا رسالة قديمة سطرت حروفَ سلام لم يكن يوما هدية من أرض يباب... ثمرة صبر عنيد طويل، وعديد ألوان من عذابات، يزول عنها... ولا تزول.
الليلة،
ها أنت وقفت على أبواب قصيدة خامسة بعد سبعين من كراسات ديوان، ليس هو الديوان، تسجّل حكايتك… تسجلك.
في الخامسة والسبعين نفسِها قد يولد شيء آخر... ذلك "الطفل الوليد" الذي يطلّ من بين ستارات انزياحاتك، باحثا عن معراج تساؤلات وسديم إجابات، كأن أسطورات عمرك المتشظي لا تزيده إلا طفولةً ثانية... طفولة عنيدة، أكثر وعيا، أكثر قدرةً على أن تقول "لا" بطمأنينة مَنْ خَبر الدنيا من غير ادعاء حقّ معرفة... عاد منها ثقيل جراح، خفيف حكمة.
الليلة،
وأنت تدرك – كما لم تعرف من قبل – أن القصائد، والحكايات، التي كتبتَها ليست سوى محاولات متشظيات هاربات من حد جواب إلى حد سؤال، متكرّرة إلى حد ملل... سؤال يعاند أن يفهم ذاتا مستشكلة، ومحيطا خائبا لا يستقر على حال... لك منه عشيرة تهاب الشعرَ أن يتنفس، وأوطان تقسو على أبنائها، تحاذر رهبةً منها وخيانةً لمرحلة وتاريخ أن يشب فيها عن الطوق بين ظهرانيها المترهلين طفلٌ عنيد يسكن جبة ملاح عجوز، في قلب جبته، بين
الثنايا والجوانح، خطبةٌ يرتلها ويعيد، وهو على ظهر جملٍ أحمرَ... خطبة مارقة تُهَدِّمُ ما تبنيه أرواحُ الحالمين في ليلة واحدة.
لكن، عسى، بين كل هذا الخراب، يبقى قلبٌ يتنفّس... تلك "الأميرة الصغيرة" التي سكنتكَ، رمزا لبوحك، لحنينك، لحقول الزيتون التي لم تيأس يوما من تنفس فجر بعيد بعيد بعيد... تنتظره، وإن تأخّر فيه عنه العيد الأطلسي العنيد.
ولمن حولك... لمن عرفوك، ولمن لم يعرفوك، لمن لمسوا روحك، ولمن حجبت عيونَهم عن إشراقات روحك سدولٌ وستارات، تقول... من غير أن تقول:
"العمر، مهما ثقل حمله على كتفين، يبقى في جوهره قصيدةً... حكايةً لم تكتمل".
وتزيد في عنادك، تقول:
"إن الشاعر / السؤال المحال، مهما نُبِذَ أو حورب أو ضاق به المكان، أو ضُيِّقَ عليه فضاء من زمان، لا بد له أن يظل صرخةً صافيةً، مدويةً في وجه فناء، ومحاولات إفناء... يظلّ / لا ينكسر، إن هو، جبرا واختيارا، كان في قلبه إشراقة من أنوار، وشعاع من ضياء".
الليلة،
وأنت، وكل عام، تضيف للقصيدة همسة جديدة،
وللذاكرة جمرةً جديدة،
وللوطن حلما لا ينطفئ.
وكل عام وطفلك القديم المشاغب يولد من جديد… ليذكّرك أن الحكمة لا تُلغي الدهشة، وأن الشيخ حين يبتسم، تُشرق في تجاعيد من جبينه قصيدةٌ... تطمح أن تكون كاملة... وما هي الأخيرة... وأنت الشاعر لا يني يقول:
"ذا بينكم شاعر ساهر… معكم… ولكم، وفي القلب شيء من حتى، وكان وما كان".
وهذه... تلك الرؤى:
أخونا الفاضل الأديب المتعدد الخلوق العميق الأستاذ نورالدين حنيف أبو شامة في حق "الرؤى"، قال مشكورا:
(أبدع "الرجل" مجلّة (الرؤى) في تشكُّلها المتعدد والمتنوع... والمتنوع في تشكُّلها المتعدد والمتنوع والصادق، والناكر للأنا.
استقبل في هذه المجلة علامات وفعاليات ثقافية مغربية وعربية وإفريقية، وأقسمَ أن يفتح مصاريعها على الكوني حتّى لا يخنقها حبل المحلية والإقليمية، فأنتجتْ عوضَ التراكمِ الأدبيّ فلسفةً في البذل والعطاء والإشعاع والإشراق.
امتدّتْ المجلّة عبر رؤية صاحبِها القائمة على اختيار الأجود والأجدر والأعمق والأفضل في إبداعات المبدعين في غيرِ تحيّزٍ أو اعتبارٍ ذاتيّ أو شرط مُغْرِض... امتدّتْ حتّى شملتْ، ولمّا شملتْ أقامت الأنشطة الثقافية على قدمٍ وساق، وأشعلتْ فيها نار الإدهاش، في تصوّرٍ يؤمن بفكرة النقاء.
أشهدُ وأنا الّذي رافقتُه في مشوارِهِ الافتراضي والحضوري والميداني أنّه رجلٌ لم تدعمْهُ مؤسسة أو جمعية أو جهة من الجهات أو فرد من الأفراد… كان يمدّ جيبَهُ إلى مقصلة العطاء بغايةٍ واحدةٍ هي أن ينجح الإبداع وتنجح الثقافة، كان كريما لا يعرف للسخاءِ حدّا ولا يكرمُ لغرض الشهرةِ أو حبّ الظهور، وكانتْ يده القوية هي مجلّتُه الأقوى...).
وذاك الإبداع... ذاك النقد:
أعتقد أنني كنت ولا أزال دوما من الداعين إلى ضرورة تسلح المبدع بجهاز نقدي عام، وجهاز نقدي خاص يدور في فلك تخصصه... شعاري الذي أرفعه دوما في كل المقامات هو "المبدع الناقد / الناقد المبدع"… تكامل لازم، ولا يشترط وجوب تخصص المبدع في النقد ليصبح ناقدا، لكن العلم بالشيء خير من الجهل به على حد رأي أهل المنطق.
وعقدتك / المبدأ اللا تحيد عنه بعناد في عالم الطباعة والنشر:
بكل صدق وصراحة، الكائنات الورقية لا تزال في قعر حقيبة، لا تقوى على خروج إلى عالم الواقع… أتهيب نشر ما لم أقتنع بجدواه أنا بعد… أومن بأن شرط الظهور هو القدرة على إنتاج قيمة نوعية مضافة… ما الفائدة من تكرار ومراكمة نفس الأصوات في جوقة عزف "قدسي"… النشر مسؤولية جليلة، ولا داعي لتكريس ممارسة غواية النشر من أجل النشر… أو مسايرة إيقاع ما بحثا عن شهرة ما… أقف احتراما لكل الأقلام التي تبهرني بسحر الجديد الهارب من رتابة صباغة بنفس الألوان… التميز حياة… التشابه موات… الإبداع خرق للمألوف… ولا بقاء إلا للنقاء… وما في الحقيبة بعدُ شيء يستحق الخروج إلى ضياء على صفحات بيضاء… اليم الأزرق متنفس… ولو أن موقفي الصريح لا يرتاح إليه عديد أصدقاء أوفياء… على العموم، ندعها حتى تنضج… وتقع.
ختما، أصرح، أكرر... أقول:
(محيطي الطيب العميق في الفضاء الأزرق يغمرني بفيض مشاعره العميقة إعجابا وتنويها بما يرشح مني... أخجل منه.
شطحاتي التعبيرية الشعرية مع قصيدة النثر الحداثية، ورقصاتي، رقصة الديك المذبوح النقدية في أوراقي المتناثرة، وفي برامجي الثقافية التي أعدها وأديرها في المنابر التفاعلية، حظيت برواج مريح نسبيا، ومنها ما فشل.
احتفالي بقصيدة النثرية الحداثية، وتمسكي بشاعرية سمو التعبير الشعري، وغيرتي على حرمة الضاد ترهقني داخليا أكثر مما تريحني... تعبنا من الرعاف المقيت.
صراعي مع "الرعاف" الذي اكتسح الفضاء الأزرق - انتصارا مني للإبداع الرصين - جرني غير راغب ولا قاصد إلى متاهات صدامات مجانية... ليتها كانت حوارات نقدية عميقة...
قد أكون في بعض أفكاري وطروحاتي وتوجهاتي ولغتي مستفزا غيري ممن يخالفونني الرأي عن غير قصد مني... أنا إنسان بسيط لا يسعى لشهرة... يكره الأضواء، ويعشق الأنوار... ببعدها الفلسفي العميق).
[ هي "طموحاتي" لم تحققني بعد... أنا لست مختارا في تحقيقها... أتهيب الرحيل المحتوم وفي نفسي شيء من حروف شاردة ]
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟