عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 00:34
المحور:
الادب والفن
1/ الرسالة
الليلة، وككل ليلة،
في زمن لا تعودُ فيه السنوات أرقاما على تقويمٍ معلّق على جدار انتظار وانكسار... تصير صدى لخطوات مرسومات في دروب حياة... تتقدم / تتآكل / تُشْوَى على ظهر صفيح حارق من صقيع ملتهب، وقيظ متجمد، مرهونة إلى زخم من تساؤلات لا تني تتناسل، وفوق أحلام خفيفةٍ ظلّت ترفض الموت مهما تكاثفت فيها، وعليها / عليك، مطبات.
ها أنت الليلة تتأمل ذاتك... تجد أنّ ذاك "الشاعر / الملاح العجوز" الذي تحدثتْ عنه العرّافة، ذات انزياح من فنجان مقلوب وأسطورة، ليس غريبا عنك... لست غريبا عنه، الأمر سيان... ليس بعيدا عن قومه يعاني كما عانى مع خلانه شعراء الحلقة الْحُمْرِ الثائرين المفقودين المنبوذين... هو، هو أنت، بطفلك العنيد الذي لا يزال يشاكس صقيع الليالي، يشعل في الظهيرة جمرةً من دهشة... كلما حاول التاريخ أن يغلق أبوابه في وجهها ازدادت إشراقا، احتراقا، نورا... وأنوارا.
الليلة،
ها أنت، على وهن من جسد وأعطاب من حروف، تكتب الآن بمهل… بثوانٍ تتكئ واهنةً على دقائق مرتجفة، تتسلل من رحم ساعات مضطربات، تتراكم فوق ظهور شهورٍ قديمات / قادمات قد ذَوَتْ فيها عديد أحلام كانت يومَها حمراء، حرف أنت تنقشه اليوم، هو عينُه كان غصنَ زيتون وحبةَ عنب... حرف ينبت في يد شيخ... وما هو بحكيم، إنْ هو إلا رسالة قديمة سطرت حروفَ سلام لم يكن يوما هدية من أرض يباب... ثمرة صبر عنيد طويل، وعديد ألوان من عذابات، يزول عنها... ولا تزول.
الليلة،
ها أنت وقفت على أبواب قصيدة خامسة بعد سبعين من كراسات ديوان، ليس هو الديوان، تسجّل حكايتك… تسجلك.
في الخامسة والسبعين نفسِها قد يولد شيء آخر... ذلك "الطفل الوليد" الذي يطلّ من بين ستارات انزياحاتك، باحثا عن معراج تساؤلات وسديم إجابات، كأن أساطير عمرك المتشظي لا تزيده إلا طفولةً ثانية... طفولة عنيدة، أكثر وعيا، أكثر قدرةً على أن تقول "لا" – في وجه عالم خائب، منكسِر مكسِّر – بطمأنينة مَنْ خَبر الدنيا، من غير ادعاء حقّ معرفة... عاد منها ثقيلَ جراح، خفيفَ حكمة... متحررا من عقال.
الليلة،
وأنت تدرك – كما لم تعرف من قبل – أن القصائد، والحكايات، التي كتبتَها أو كتبتْكَ، ليست سوى محاولاتٍ متشظياتٍ هارباتٍ من ربض جواب إلى ربض سؤال، ربما متكرّرة إلى حد ملل... سؤال يعاند أن يفهم ذاتا مستشكلة ومحيطا خائبا لا يستقر أمرُه على حال... محيطٌ، لك منه بعضُ عشيرةٍ تهاب الشعرَ أن يتنفس، وأوطانٌ تقسو على أبناء منها / فيها / لها يمضغون الحجرَ، يطحنون ذاكَ السؤال... بعضُ عشيرةٍ تحاذرُ رهبةً منها وخيانةً لمرحلة وتاريخ أن يشب فيها عن الطوق بين ظهرانيها المترهلين طفلٌ عنيد يسكن جبة ملاح عجوز، تنزوي في قلب جبته بين الثنايا والجوانح خطبةٌ، وما هي عصماء، يرتلها ويعيد، وهو على ظهر جملٍ كان أحمرَ قانيَ حمرةٍ ورسالة... خطبةٌ مارقةٌ حارقةٌ تأبى إلا أن تُهَدِّمَ ما تبنيه أرواحُ التائهين في ليلة واحدة... وقصيدة.
لكن، عسى، بين كل هذا الخراب / الدمار / الخواء، يبقى قلبٌ ينبضُ، يتنفّس، يرتعش... تلك "الأميرة الصغيرة" التي سكنتْكَ / سكنْتَها، رمزا لبوحك، لحنينك، لحقول الزيتون التي لم تيأس يوما من تنفس فجر بعيد بعيد بعيد... تنتظره، وإن تأخّر فيه عنه العيد الأطلسي العنيد.
الليلة،
وفي حضن «الجدة القديمة» ينبض قلبك…
قلب يعرف أن الحمايةَ قد تكون هبةً من الزمن، لا من القوّة، وأن الشيخوخة ليست انحناءة ظهر، بل التفاتة إلى وراء، ترى فيها كل الذين رحلوا، وكل الذين ظلّوا، وكل الذين أردت أن تبقى معهم... ولم تستطع إلى مبتغاك طريقا... وترى فيها أَوَائَلَكَ، وما كان ويكون.
في حضن جدتك التليدة تتذكر:
تحكي لها حكايةَ أول فصلٍ من شبه مدرسةٍ احتضنتك وأنت غض إهاب... مدرسة "الفتح"، وكانت محلّا / مرأبَ سيارة... صارت مدرسة / مشتلَ أخلافٍ لرموز حركة وطنية اعتزت بوطن وضاد، وكنتَ فيها التلميذَ المسكون بروح اجتهاد... ورسالة.
تزيد تحكي لها حكايةَ أول صديق تماهيتَ فيه / تماهىى فيك، وقد رحل قبل أوان... أخوك "مصطفى المسناوي" لروحه سكينة وسلام... كان لك نعم صديق / أخ... نعم سند.
تزيد تحكي لها حكايةَ أول قصة، يتيمة دهر منك، وكانت بيضة ديك في أوائل سبعينات من قرن مضى، وما رحلتْ منه ذكريات حكي وسرد وقص...
تلك القصة / بيضة الديك، وقد نشرها لك أخوك الراحل مصطفى في جريدة "الاتحاد الوطني"، وكانت على نغمة "موجة قصة جديدة"... لماذا لم تكن بعدها بيضة أخرى؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا ما أتت منك أختُها ثانيةً إلا بعد أربعة عقود كاملات من سنين عددا، وأنت على شيب منك وخامسةٍ بعد ستين من سنوات عجاف... قد تأخرتَ، لماذا؟
تجيب نفسكَ والسائلَ المفترضَ، تقول:
(ما كان ذاك الصمت / العقم عبثا... كنتَ تبني في مدرسة أجيالا ورسالة... قد كنتَ معلما مخلصا، ولا تزال، وتفتخر).
هذه الليلة…
حين تشعل شمعتك الخامسة والسبعين، لن تمنح الضوء للظلام فحسب... تمنح لقصائدك طريقا آخر تمشي فيه بعدك... طريق حب وسلام ووئام، شاءت أم أبت بعضُ عشيرتك من أنام... تكسر بها ما وجب في حقه تكسير... وتجاهد أن تبني صرحا من خيال على غير سابق منوال... قد أكلتْكَ "قصيدتك النثرية الحداثية"، وما أنت عن السباحة في يَمّ غوايتها بنادم.
الليلة... وككل ليلة، لمن حولك... لمن عرفوك، ولمن لم يعرفوك، لمن لمسوا روحك، ولمن حجبت عيونَهم عن إشراقات روحك سدولٌ وستارات، تقول... من غير أن تقول:
(العمر، مهما ثقل حمله على كتفين، يبقى في جوهره قصيدةً... حكايةً لم تكتمل).
تزيد في عنادك، تقول: (إن الشاعرَ / السؤالَ المحالَ، مهما نُبِذَ أو حورب أو ضاق به المكان، أو ضُيِّقَ عليه فضاء من زمان، لا بد له / عليه أن يظلّ صرخةً صافيةً، مدويةً في وجه فَناء، ومحاولاتِ إفناء... يظلّ / لا ينكسر، إن هو، جبرا واختيارا، كان في قلبه إشراقةٌ من أنوار، وشعاع من ضياء... ولهب).
الليلة،
وأنت، وكل عام مضى منك، قادم لك، تضيف للقصيدة همسة جديدة،
وللذاكرة جمرةً جديدة،
وللوطن حلما لا ينطفئ.
وكل عام وطفلك القديم المشاغب يولد من جديد… ليذكّرك بأن الحكمةَ لا تُلغي الدهشة، وأن الشيخ حين يبتسم مرارةً، تُشرق في تجاعيد من جبينه قصيدةٌ... تطمح أن تكون كاملة... وما هي الأخيرة... وأنت الشاعر لا يني يقول:
(ذا بينكم شاعر ساهر… معكم… ولكم، وفي القلب شيء من حتى، وكان... وما كان).
عبد الرحمن بوطيب / المغرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ وتلك القصيدة
رسم على أبواب الخامسة والسبعين من قصائد
دَوِّنْ حروفَكَ على مهل
سَطِّرْها ثوانيَ... دقائقَ... ساعاتٍ... أياما... شهورا...
ذاوياتِ أحلامٍ من واهياتِ سنوات
دَوِّنْ
أمس ما كان لك
غد يتهادى قد حان يرحل بك لك منك إلى معارج سؤال
هو السؤال أنت
ما الحروف الدواوين الانزياحات إلهاميات أغنيات شاحبات لك
إن هي إلا لطفل وليد
وليد يشوي ظهر صقيع
يتلو على صدر ليال حالكات حكايات واهيات من أيام ورحلات
قالت العرافة:
"ذا منكم بينكم لكم شاعر... وقصيد
في جبة ملاح يسكنه طفل عنيد
اليوم اليوم وليس غدا هو اليوم يبوح:
فينوستي
أميرتي
صغيرتي
هل لي منكِ خصلة شِعرٍ غصنَ زيتون
رقصةَ زوربا الديكِ المذبوح
ذي عشيرتي... ولا عشيرة
لا قصيدة
لا أغنية فيروزية
لا مواويل ناظم حكمته
لا قمة ترنو لأسد أطلسي وعرعارة
لا فجر يتنفس
لا شمس صباح تغازل ديهيا الجميلة العنيدة
لا حكايات شهريار لشهرزاد وهَيْنَة
هو الغول سربروس تحبل به بغلة راسبوتين
وتلك سالومي المتوحشة
لا
لا
لا
جف حلق وسطور من خيالات ديوان
نامي حبيبتي
اليوم غدا أمس الآن يأتيك عيد
عيد ما هو بعيد
هل من رموشك المسبلات عيون أم الربيع بسمة
أميرتي
ما في جبة شاعرك غير هذا القصيد
وخمسٍ من بعد سبعينَ همسة
هي الهمسة لك
وهودج على قمة أطلس وعرس عيد
نامي
حبيبتي
أميرتي
صغيرتي
جدة قديمة تحرس منك العيونَ
وقلب يخفق لا يهدأ "
قالت العرافة:
"هي الحكاية"
وعلى ناصية الدرب القديم رسم الشاعر المنبوذ حروفا وقصيدة...
أهداها إلى حلقة شعراء ثائرين
منبوذين
حالمين بوطن... للوطن، وعيد.
وفي أسفار قديمات باهتات ذاويات
صاح في العشيرة خطيب على ظهر من جمل أحمر، قال:
"اسمعوا
لا تعوا
إن في خيمتكم لَخَبَرا
ذا بينكم شاعر... وغضب
أحكموا قبضةَ زنازين... وأسلاك
أمس غدا اليوم بينكم تهفو إليه قلوب محترقات
عبلة
زرقاء يمامة
عاشقة سبو... وشابل راحل
صدّوه عن غواية وحروف
رحم أمه الأرض حبلت لكم بعروة
خَطّابي
ابن زبيبة... وما بينكم شدّاد
ما الدواوين منكم غير دفوف بنواح تطوف
تمهلوا
ذا بينكم شاعرٌ... وصرخة"
وفي مساء ما
أشعل الشاعر خمسا وسبعين قصيدة
همس لأميرته الصغيرة النائمة في حضن جدة قديمة
"هي الشموع مني قليلة
ولكِ، أميرتي، على لهيبها المستعر... ذي آخر قصيدة"
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟