عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 00:09
المحور:
الادب والفن
قبل البدء، كان قد قال:
على جوعه والسَّغَب
ما حفل بِلذيذ طعام
ما هي له... تلك الملعقة من ذهب
الآن يحكي
يقول:
سلام،
أنا صديقكم الكاتب الذي لم يكتب في حياته قصةً أعجبتكم.
لا تسامحوني، سأكون عليكم، كعادتي، ضيفاً ثقيلاً جداً... سأتعبكم.
تعرفون سيداتي سادتي أن جدتي أرضعتني من ثدي أمي حكايةَ "هَيْنَة والغول"، وخرافةَ "سيدنا علي ورأس الغول"، وملحمةَ "عيشة قنديشة"...
كما تعرفون أن أبي كان قد اشترى أسفاراً قديمة صفراء تحكي "سيرة سيف بن ذي يزن"، وسيرة "عنترة"، ولم يغفل عن شراء تحفة "نوادر جحا الكبرى"...
كنتُ ـــ أنا تلميذَ قسم التحضيري ـــ أتلو عليه ما تيسّر من فصولها الصفراء كلَّ ليلة قبل أن ينام مرهقاً من كدح عمر طويل.
بالمناسبة، أبي لم يتعلم حرفاً في مدرسة، وكان يحب الأسفارَ بأوراقها الصفراء، وبماء الذهب يزين أغلفتَها كانت من ورق مقوى، وكنتُ ـــ أنا تلميذَ قسم التحضيري ـــ أحب رائحتها، حتى إنني كنت أضعها تحت مخدتي قبل أن أنام، كانت تُعَطِّرُ فراشي على الأرض بأريج من عوالمِ دهشةٍ لا تزال إلى اليوم تدهشني على شيخوخة مني، تتسلل من خياشيمي إلى قلبي الباطن... تنعشه.
وبالمناسبة كذلك، أنا لم أكذب عليكم حينما قلت لكم إنني كنت أتلو على أبي ما تيسر من حروف تنام في أسفار صفراء قبل أن ينام وأنا تلميذ قسم التحضيري...
يومها، في سالف العصر والأوان، كانت شهادة النجاح في قسم التحضيري تحظى بحفل عائلي ينافس حفلَ الاحتفال بتخريج طالبِ مَسيدٍ سَلْكَةً مباركة من القرآن الكريم، كانوا له يغنون، يهتفون في أزقة حيّنا الرابض في القلوب، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، يهتفون بصوت يتسلل إلى أعماق قلوبنا الصغيرة يشحنها، يدغدغها، ويدغدغ قلبَ أم الفقيه الصغير... يرددون:
"طالب، طالب يا يّو.
أَ فرحة مّو مّو..."
معذرة، شاخت الذاكرة.
وما كانوا لتلميذ قسم التحضيري يغنون، كانوا بنجاحه يفرحون، وكان يتلو ما تيسر من حروف على أب سرعان ما يغرق في نوم ثقيل من تعب كدح عمر طويل.
آه، نسيت... على ذِكْرِ ماء الذهب كان يُزَيِّنُ حروفاً على غلاف من ورق مقوى لِسِفْرٍ قديم، تذكرتُ طفلا صغيرا علق بأهداب ذاكرتي لا يتركها تنساه، طفل لم أره في حياتي، قالوا لي عنه إنه يسكن حَيَّنا، هنا أوهناك، ينام في حضن أمه، ويتلو على أبيه ما تيسر من حروف تنام في أسفار صفراء قديمة قبل أن ينام من تعب كدح عمر طويل.
بحثتُ عن هذا الطفل في حيي، بحثت عنه في مدينتي، بحثت عنه في قريتي والسهلِ والجبلِ... وفي حضن الوطن، ما وجدتُه إلا في ذاكرتي يحتل منها ـــ على عادته مشاغبا ـــ الماضيَ والحاضرَ... وربما المستقبل.
طفلي، ذهب مع أمه يوماً إلى بيت "الحاجّة" العامر الكبير، لم يكن من عادته الذهاب معها إلى البيت الكبير، كانت أمه تذهب فجرا وتعود بعد صلاة عشاء وقد تركت الحاجّةَ على خاطرها مرتاحةً آمرةً ناهيةً في بيت كبير عامر نظيف مرتب الأثاث معطر بعود وعطر ومسك وخزامى...
بيتٌ عامر بالحُجّاج، وبالخدم ومن معهم من الحشم، ينقلب سافله على عاليه كل ليلة، يعود عاليه إلى عليائه وسافله إلى سافله كل فجر إلى صلاة عشاء، الخدم والحشم نشيطون مشتغلون مقيمون، المنظفة نشيطة مشتغلة كادحة متنقلة من بيت صغير إلى بيت كبير كل فجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء.
يومها بكى وأمسك بتلابيب أمه وقبّل يدها اليمنى، وعضّ يدها اليسرى لكي تأخذه إلى البيت العامر الكبير يؤنسها ويكنس معها، يجفف عرقها يجري من جبين إلى عنق إلى مجرى بين ثديين ينامان على عظام قفص صدري كجلباب الأب يرتخي على "فَرّاكة" تفركه، تنظف عَرَقَهُ قبل أن تعصره منظفةٌ تخرج مع الفجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء.
أخذته المعضوضة معها، أوصته في ظلمة الفجر أن يغلق فمه ومعدته، مثلها هي، تغلق الفم والمعدة عند الحاجّة... لا تفتحْ فمكَ إلا لتقول للحاجّة: "انْعامْ أَلالّة"... الصمت حكمة، والجوع نعمة، تتدرب على حفظ لسانكَ كي لا يضرّ بكَ، وتتدرب على صيام رمضان المبارك.
أغلق فمك، أغلق كرشك... خيرٌ لك، ولي.
يومها، وجد طفلا صغيراً في سنه يلعب في حديقة البيت العامر الكبير:
ـــ من أنت؟
ـــ ابن الحاجة، ومن أنت؟
ـــ ابن...
لم يعرف لأمه وصفا... وما اختار لها صفةً.
ـــ آه، عرفتكَ، ولد الخدّامة.
ـــ ممممم.... ممكن، لا، نعم، صحيح، هي خدّامة نشيطة مشتغلة تخرج مع الفجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء.
ـــ اجمع هذه اللعبَ، أدخلها إلى غرفتي، لا تلعب بلعبي، عندي لعب كثيرة، أنا أكسرها عمداً ليحضروا لي لعباً جديدة، أنا أحب من اللُّعب الدميات الجميلات، باربي وفُلّة و... وأحب اللعب بكل الدميات الناطقات اللائي يزرن بيتَنا العامرَ الكبير، كلهن شقراوات، جميلات، لذيذات، أحب اللعب بهن أكثر من اللعب بباربي وفلة و....، تعجبني دميةٌ رشيقة القوام، هي خفيفة الوزن، ماهرة في لعبة الغميضة في الفراش، تحت اللحاف، هي تضحك إلى أن تدمع عيناها عندما أعضها في عنقها وأنتف شعرها الطويل، هي بنت الحاج شريك أبي الحاج في الأملاك والدواب والنساء، أمي الحاجة تعرف كل الصفقات بينهما، ولا تتدخل، لها صفقاتها التي تنشغل بها، أبي الحاج لا يتدخل في صفقاتها، هما يحترمان بعضهما، لم أسمع أبي أو أمي يوماً أو ليلة يقولان لبعضهما أنا أحبك، ما كنت أسمع إلا شخيرهما بالليل، لا أعرف يا ولدَ الخادمة متى صنعاني وكيف، المهم، أنا أحب الدميات الجميلات الناطقات الشقراوات كلهن، وأحب كثيراً لعبةَ الغميضة.
حان وقت الغداء... لا تقترب من مائدة الطعام، أغلق فمك وكرشك، لا تنظر إلى ابن الحاجة، تَسُدُّ شهيتَه، الحاجّة تطعمه كثيرا ليستطيع اللعب مع دمياته كثيراً، الجوع يضر بالشهوات الطيبات... ويضعف الهمة.
ـــ ما هذه؟
ـــ ألم تر في حياتك ملعقة؟
ـــ آه، ملعقة، لكن لماذا هي صفراء؟
ـــ أُحِبُّ الذهبَ، والدميات اللذيذات الشقراوات، هل عندك ملعقة من ذهب؟
ـــ ملعقتي سوداء، عوجاء...
ـــ لا تلمس ملعقتي، تُعْديها بسواد يلطخ يديك، ولا تلعب بدمياتي.
ـــ أمي... لماذا ملعقتي سوداء؟
ـــ لكل طفل ملعقة تناسبه.
ـــ ابن الحاجة عنده ملعقة صفراء، من ذهب، يحبها، ويحب اللعب بدمياته اللذيذات.
ـــ أرزاقٌ يا ولدي، وقد قسمها الله بين العباد بقسطاس... تكبر وتفهم يا ولدي.
ـــ قادر على الفهم الآن... لست صغيرا كما تتوهمين... لماذا لا يشتري لي أبي ملعقة صفراء من ذهب، ولماذا لا تزورنا دميات شقراوات؟
ـــ الذهب مضر بالصحة، والدميات الشقراوات سهلة الانكسار، مثل ملعقة الذهب، ابنة خالتك عظمها متين، وجلدها خشن، لا تُجْرَحُ بسهولة، هي مثل الملعقة السوداء، قوية.
ـــ أنت لا تحبينني، أبي لا يحبني... أريد ملعقة من ذهب، ودميات شقراوات.
ـــ هناك سرّ لا تعرفه يا ابن الخادمة... هل ترى القمر يا ولدي؟
ـــ إنه يبكي يا خادمة، لماذا يبكي يا أمي؟
ـــ هو حزين.
ـــ ما الذي يحزنه؟
ـــ اِنْتَظَرَ أدونيسَ طويلا... منذ زمان وهو ينتظر، ولم يأت أدونيس بَعْدُ، القمر الحزين ينتظره.
ـــ من أدونيس، هو لا يسكن حيّنا؟
ـــ شيخ طيب، يزرع الحقل نعناعا، وعرعارا، وحناء.
ـــ هل سيأتي الشيخ الطيب... تزهر الحقول، ويبتسم القمر؟ حزين أنا والقمر.
ـــ لا تحزنا... في سيرة ابن ذي يزن جاء الخبر...
سيرة تحكي عن عنترة يحاور الفرس
تروي ملحمة عيشة قنديشة
تحفر القبور
تقص عن عليٍّ يقطع رأس الغول
هَيْنَةُ تنشط من عقالها
تعود إلى الدوار
تفرح القرية
تغني الخيمة
تتلون الملعقات بتبر من تراب
لكل طفل وطفلة ملعقة من ذهب
اِسألْ أسفاركَ القديمة
اِبحثْ عن السر الدفين.
ـــ أمي... أحببت عشتار...
لا أحب القمر يبكي
أحب بنتَ خالتي... والقمرَ يبتسم
لا أحب الدميات الشقراوات
أحب ملعقتي السوداء
لا أحب... ملعقة الذهب.
ـــ ولدي... خذ القمر، ابحث معه عن عشتار...
لا تنسيا الملعقة السوداء.
وقالت له أمه:
ـــ خذ القمر،
ابحث عن عشتار...
لا تنسيا الملعقة السوداء).
قال والعين منه تدمع:
ـــ وهل أودعك؟!
ردتْ والعينُ منها لا تدمع:
ـــ ما ولدتِ الخادمةُ طفلا... هي أم الرجال.
ابتسم ذو الملعقة السوداء، مسح الدمعةَ من الخد، وما رأى تلك الدمعةَ سقطتْ من قلب أم تعمل في بيت الملعقة الذهبية...
تخرج وقتَ فجر... لا تعود إلا عند صلاة عشاء.
قَبَّلَ اليدَ منها والجبين، ضمته إلى القلب، طبعتْ قبلةً على الخد، ثم اختفت.
رفع ذو الملعقة السوداء وجهه إلى القمر، وقال:
ـــ هيا بنا يا قمر.
ـــ إلى أين يا ولد؟
ـــ رجلٌ... هي ما ولدتْ طفلا، سنبحث عن عشتار، هذه وصيتها، وها هي الملعقة السوداء.
ـــ عشتار؟!
ـــ عشتار الحب، الحرب، الجمال، التضحية.
قال السارد:
(وجاء في أخبار الأولين مدوّنةً في أسفار قديمة أنها هي عشتار، أفروديت، فينوس... عيشة قنديشة).
انتهى قول السارد.
ـــ سمعتُها تحدثكَ عن شيخ جليل.
ـــ معشوق عشتار، أفروديت حبيبته، فينوس قلبه، والفسيلة في يده لعيشة قنديشة، شيخ شاب جميل، خصوبة وربيع...
متى يأتي الربيع؟
ـــ بعد شتاء.... هكذا قالت طبيعة...
عواصف وأنواء
صيف حارق يرتوي.
ما حمل أدونيس حربة
ولن تحملها... تكفيك ملعقة سوداء.
ـــ هيا، انزل يا قمر، هذا وقت السفر.
ـــ اصعد يا رجل، ما الحضيض لك، من هنا في الأعالي نرسم الطريق... عشتار في انتظار.
ـــ وذو ملعقة الذهب؟
ـــ له دمياته الشقراوات.
ـــ أنا لا أحب الدميات.
ـــ تحب ابنة عمك القمحية.
ـــ وأحب الخبز الأسود، وقهوة أمي.
ـــ خبّأتْ لك عندي فنجانَ الرحلة.
ـــ وأسفارُ أبي... كنتُ أقرؤها له؟!
ـــ هي في قلبي، أسلّيك بها... الطريق طويلة، وعشتار في انتظار.
—————
أنا الكاتب... لا أعتذر، أتعبتكم مع ملعقة سوداء... وعشتار وقمر لم يبتسم بعد... ابحثوا عن الشيخ الطيب، وإن لم تفعلوا، فاطلبوني... لأسلّيكم بنوادر جحا الكبرى.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟