أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - السردية الرمزية في قصة -موعد مع السقوط- للقاصة المغربية سعيدة حميد















المزيد.....

السردية الرمزية في قصة -موعد مع السقوط- للقاصة المغربية سعيدة حميد


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


تتلون "اللعبة السردية" في قصة "موعد مع السقوط" للقاصة المغربية الأستاذة سعيدة حميد بعديد ألوان ماتعة مقنعة.
الترميز بنية اشتغال سردي أساس في هذه القصة النوعية، ترميز مكثف يشتغل على هم بلورة فكرة مركزية أساس، مفادها تبئير "تحوّل السقوط الجمعي" من حدث عابر إلى حالة اعتيادية جماعية.
الفضاء المكاني الحاضن للعبة السردية الترميزية الجمعية هو فضاء "المدينة"، باعتبارها ذاتا وموضوعا في مجمل التشكيل البنائي القصصي في المتن.
حكائيا، يقدم المتن حالة "سقوط عام"، مزمن، متجدد، قائم، لا يرتفع... سقوط بنيوي، متناسل، في عمق كيان اجتماعي، سياسي، ثقافي، وحضاري "مديني" معين.
حالة / ظاهرة السقوط الشامل لا يحدث فجأة، يتشكل عبر تأثيث لوحة سوريالية مأساوية شاخصة كلية ضامة، تتراكم بنياتها التكوينية تدريجيا، وفق سيرورة دينامية تطور حدثي معروض بتقنية تقطيع تركيبي سينمائية... مشهدية "احتفالية" راصدة سقوطا غير معلن عنه رسميا.
الانهيار الداخلي الناخرُ جسمَ "المدينة" يتحوّل - جبرا، واختيارا - إلى "طقس احتفالي" دوري، متكرر في الزمان، مستعاد في المكان... يعيد إنتاج نفسه كل عام... وهنا يتبلور سؤال ضمني يحكم بنائية القصة: متى يصبح السقوط م الانهيار نظاما للحياة؟
مفارقة كبرى تحكم اللعبة السردية، تتجسد في احتفال جماعي بصمود وهمي، في مدينة خالية من روح وعي ومسؤولية حضارية... الشوارع / الفضاء الاحتفالي "الكرنفالي" تُرْسَمُ معالمه مثقلةً بفراغ قاتل... المباني واقفة بلا روح... الاحتفالات الرسمية متواصلة، خارج أي تساؤل من محتفلين... شعارات تَرْفَعُ ذاتها منذ عقود... مشهدية مفارقة تؤسس بنية سردية قائمة على أساس كشف تباعد مرصود بين خطاب رسمي وواقع معيش... يتحول الاحتفال إلى آلية نفسية فردية / جماعية للتطبيع مع الانكسار والهزيمة، حيث يتحوّل الزمن إلى زمن دائري مغلق، يعيد تشكيل انتقالاته على نفس النبض بدل أن يتقدم في سيرورته الخطية الطبيعية... مهزلة تدوير زمان، وإنسان.
تشتغل القصة، أيضا، على ثنائية تعبيرية محورية "صمت جماعي، مقابل صوت فردي "نشاز"... الجماعة تتكلم صمتا ساري المفعول، غير معلن عنه، بوصفه حيلة لنجاة، ليست هي النجاة... القدرة على طرح السؤال حقيقة مقلقة، حالة نفسية مأزومة تعيد إنتاج الحالة المرضية لتبلغ بالفكرة إلى ذروة تأزيمها... والعبارة المفتاح "لقد حدث السقوط يوم صار الصمت نجاة"... يتحول السقوط من بعد مادي ملموس، إلى بعد أخلاقي وفكري غير مفكر فيه... تَعَطُّلٌ ثاو في أعماق وعي نقدي منوَّم / نائم.
الطفلة / الفتاة حالة نشار... خروج غير محمود عن مؤسسات صوت ضمير جمعي كائن... هما صوت ضمير فردي ممكن، كأن "الطفل" يشرعن حضور بذرة وعي مستقبلية تنتقل همسا... بين الشخصيتين يتحرك الحدث ديناميا من حد سؤال علني يُقابل بالتصفيق والهتافات، إلى حد سؤال وجودي سري، يتحول إلى بذرة رفض كامنة... تبرز في سياق السرد إحدى أقوى صور البنائية الحكائية... ذاك القمع الذي لا يتم بالعنف، بل بالتصفيق... يتحول الضجيج الجماعي إلى وسيلة إغراق للصوت المختلف، وآلة حديدية لإفراغه من أثره... رمزية ضبابية سديمية هلامية.
باقي الشخصيات "الوالي والمنادي"، تؤدي أدوارا رمزية واضحة مفضوحة... الوالي / خطاب سلطة، المنادي / آلية "ميكانيكية" لإعادة كتابة واقع خائب، يتجلى ذلك في جملته كلمته الدالة "لا نحتاج من يصدق… نحتاج من يكرر"، جملة صادمة تلخص منطق سردية مؤسسية تهريجية دعائية... إعادة إنتاج وهم.
قفلة القصة مفتوحة، ببعد رمزي عميق مفارق... يهمس "الطفل" بكلمات مُنِعَ من قولها علنا... تتحول الحقيقة إلى بذرة مؤجلة... يظل السقوط متناسلا بحميمية سوداء، بهدوء احتفالي.
اللعبة السردية الرمزية تترك باب الأمل مواربا، عبر انتقال السؤال المشاكس إلى جيل قادم.

عبد الرحمن بوطيب / المغرب
ـــــــــــــــــــــ

= القصة القصيرة
"موعد مع السقوط" / القاصة سعيدة حميد

في مدينتي المنسية، انتهى زمن السقوط، بدأ زمن التعايش معه... الشوارع مثقلة بالفراغ، والمباني واقفة بلا روح، كأجساد أنهكها الجمود... لا أحد يلتفت؛ صار الصمت مألوفا، كأنه جزء من المدينة، يسير الناس داخله، يتنفسونه، يضحكون ويصفقون لما يسمونه "الثبات والصمود"، بينما الحقيقة تتلوى تحت أقدامهم: المدينة خلت منذ زمن، لكنهم اعتادوا العيش في ظلها، لا داخلها.
في كل عام، في اليوم ذاته، يقام احتفال الصمود، لا أحد يسأل: أمام ماذا نصمد؟ الأعلام ترفرف فوق المباني الصامتة، واللافتات تلمع بشعارات لم تتغير منذ عشرين عاما... كأن الزمن نفسه يعاد تدويره.
في الساحة الكبرى، يرتدي الرجال بذلات تلمع كجلد مستعار، وترفع النساء أطفالهن ليروا الموكب ويتعلموا مبكرا كيف يكون الانتماء... يقف الوالي على المنصة، يبارك الفراغ بصوت رخيم: "نحن صامدون ثابتون… رغم الحساد والمغرضين"، تهتز الساحة بالتصفيق... الخوف صار إيقاعا جماعيا.
مر ور عربات "الإنجازات"، مزينة بالأعلام واللافتات، تحمل وعودا ضخمة لا تمنح المدينة حياة: أبراج لم تبن، جسور لم تكتمل، ومستشفيات لم تفتح. يصفق الناس بلا اقتناع… خشية أن يتهموا بعدم الانتماء.
خلف هذه العربات، تظهر مشاريع المدينة، التي كانت لتعيد لها نبضها: مسارح مغلقة، دور سينما صامتة، دور شباب مهجورة، مكتبات تغلق قبل أن تفتح... كلها صامتة، مهملة، لأنها لم تعتبر جزءا من "الصمود".
على الهامش، كانت فتاة تراقب، سألت شيخا بجانبها: "لماذا يحتفلون؟" قال بثقة واهنة: "لأننا ما زلنا واقفين"، نظرت إلى المباني الصامتة، وهمست: "ربما لأننا لم نسقط بما يكفي".
دوى انفجار صغير في حي قديم... لم يلتفت أحد، واصلت الموسيقى الرسمية عزفها، فالمدينة تعلمت السقوط بلا ألم.
اقتربت الفتاة من المنصة... سألت الوالي بهدوء: "هل نحتفل بما أنجزناه… أم بما لم يسقط بعد؟"، ضحك وهو يربت على كتفها: "لا تفسدي الفرحة يا ابنتي… الحقيقة لا تطعم خبزا"، وأشار أن تبعد برفق.
بعد الموكب، تفرق الناس تاركين الأعلام الممزقة وبقايا الزينة تتساقط كرماد.
خلف المسرح، جلس المنادي بين قصاصات قديمة، يبدل التواريخ ويغير العناوين... قرأ ساخرا: "المدينة تتقدم بخطى ثابتة نحو الازدهار"، ثم أضاف: ألف عام من الثبات والصمود"... رفعت رأسها نحوه: "أما زال هناك من يصدق؟"، ابتسم نصف ابتسامة: "لا نحتاج من يصدق… نحتاج من يكرر"...
خرجت إلى الشارع، أدركت أن السقوط لم يكن مفاجئا، لقد حدث يوم صار الصمت نجاة.
في العام التالي، عاد "يوم الثبات والصمود"، كل شيء كما كان... يعيد نفسه، إلا هي، اقتربت من الجدار كمن يختبر صوته لأول مرة كتبت: "من قال إن البقاء… حياة؟".
ثم أضافت:
"الثابت لا يتقدم… بل يعيد نفسه".
حين بدأ الوالي خطبته، رفعت لافتة صغيرة: "ها نحن نحتفل بالسقوط مرة أخرى"... ساد صمت ثقيل، المنادي تجمد، الوالي نظر إليها بدهشة متوترة، والناس بدأوا يتهامسون كأنهم يخافون من الحروف أكثر من الرصاص.
ثم انطلقت موجة من الهمهمة، تحولت إلى ضحك ساخر... بدأوا يحيطون بها، لا لقتلها… بل لإغراقها بالتصفيق... تصفيق يتصاعد أعلى، ثم أعلى، حتى صار الضجيج فضيلة، دليلا على الولاء أكثر... أغمضت عينيها، كانت تعرف أن التصفيق لا ينقذ صوتها، بل يؤجل سقوطه فقط... إلى أن تعثر عليه أذن لا تخاف.
في المساء، مر طفل باللافتة الملقاة، قرأها همسا، وسأل: "أمي… هل سقطنا فعلا؟"، شدت يده: "اصمت… هذه كلمات لا تقال في العلن"، ومضت به في الظلام... لكنه في تلك الليلة، قبل أن ينام، همس بها للوسادة… كمن يخفي بذرة.
ولا زالت المدينة تسقط… بهدوء احتفالي.

سعيدة حميد / المغرب



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبور من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية مسرودة تجربة حقيقي ...
- كهفٌ... غيمةٌ / قصيدة نثرية
- [ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية / سرد وقائع حق ...
- قراءة نفسية سردية في قصة -جرح قديم-، للقاصة المغربية سعيدة ح ...
- في شعرية القصيدة النثرية / نبضات القلب والكون في قصيدة «رقص ...
- حكاية الميت الأخير يهرب من لحده المنسي في مقبرة العشيرة / قص ...
- إبداع الأديبة المغربية فاطمة عدلي: تنوع عابر لحدود بين أنواع ...
- [ أسحار... وما منها أشعار ] إن هي إلا بعض بوح عليل / قصيدة ن ...
- أخي / قصيدة نثرية
- [ حاصر حصارك ] قصيدة نثر حداثية
- هامسُ وجع / قصيدة نثرية
- مكاشفات / رؤى نقدية
- من أنا... سؤال / قصيدة نثر سردية متسلسلة / 1/ (من أنا... هو ...
- تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر / قصة قصيرة
- «قارعة طريق» / قصيدة نثر حداثية
- تبرئة ذمة / ورقة أدبية شخصية
- ورقة إبداعية: رسالة... وتلك القصيدة (رسم على أبواب الخامسة و ...
- (حكاية المرجع الجديد حول قصيدة النثر الحداثية، قد أَعْثُرُ ع ...
- (مسرود عادي... على غير معتاد من سرد) قراءة نقدية تفاعلية في ...
- [بلاغة الانزياح، وشعرية الغموض الدلالي: وقفة نقدية مع لحظات ...


المزيد.....




- تعرّفوا إلى سحر.. الخطاطة التي وقعت في حب فنّ الخط العربي ال ...
- الرباط تحتفل بمسارها -عاصمة عالمية للكتاب-
- رئيس مركز الاتصالات والإعلام والشؤون الثقافية بالبرلمان الإ ...
- الرئيس السوري يعلق على جدل افتتاح صالة رياضية بسبب الغناء وا ...
- من الشيء إلى -اللاشيء-
- انسحاب 5 دول وأكثر من ألف فنان يطالبون بمقاطعة -يوروفيجن- اح ...
- سارة العبدلي.. فنانة سعوديّة توثّق تحوّلات المملكة بلغة فنيّ ...
- وداع حزين للصحفية آمال خليل: حين تغتال إسرائيل الرواية وناقل ...
- خارج حدود النص
- مهرجان اوفير يعلن عن عروضه المختارة


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - السردية الرمزية في قصة -موعد مع السقوط- للقاصة المغربية سعيدة حميد