أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - طفل... والمدينة العاهرة / قصة قصيرة














المزيد.....

طفل... والمدينة العاهرة / قصة قصيرة


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 02:51
المحور: الادب والفن
    


خرج إلى ظاهر مدينته القاحلة... سرح الطرف بعيدًا، وهو يعتلي ظهر ربوة جرداء... رفع وجهه إلى أعلى، نظر بعمق إلى وجه السماء... صفحة زرقاء صافية، طلقتها الغيوم منذ سبع سنوات عجاف... كل الغيوم تجمعت بلؤم في أعماقه...
أعماقه لا تمطر كما تمطر السماء في سنوات الخصب والرواء... شرد ذهنه به بعيدًا إلى طفولة لم تنعم بطفولة ككل أطفال شيوخ العشيرة... جره الطفل الصغير من سرواله المهترئ، شعر باليد الصغيرة تجذب طرفًا من كسائه البالي...
أنزل بصره من علياء، التقت العيون... ابتسم الطفل... لم يبتسم للطفل... الشرود يلازمه ليل نهار.
ـــ صديقي... الشمس تغرب، والمدينة بعيدة، والجوع يأكل مني المعدة والأمعاء.
لم يشعر بحرقة الجوع يوما، فقط لأنه لم يشبع من طعام يوما... الجوع لا يشعر به إلا شيوخ العشيرة... المترفون يجوعون ليل نهار... شيخ العشيرة بالمدينة الغول يجوع... يشتد به الجوع كلما لمح حوله صبيات... الصبيات لذيذات، ولو أنهن نحيلات... في حضنه ينعمن بطيب طعام... ولذيذ شراب... تمتلئ منهن الأرداف... تكتنز النهود... تتصلب...
النهود الصغيرة المكتنزة الصلبة تنغرس في الصدر المعشوشب القاحل... رحيق الشفاه القرمزية يغذي العروق الزرقاء الناتئة... التنعم بالخيرات يزيد في العمر، ويبارك الصحة.
ـــ صديقي... الشمس غربت... والمدينة بعيدة... والنصب أخذ مني مأخذه.
لم يحلم يوما في حياته البليدة بلحظة تَطَهُّرٍ بمنظر غروب... كل شموسه من يوم مولده غاربة... لم ير في حياته شمسًا مشرقة.
مرة مرة، يتذكر كيف كان يراقب شيوخ العشيرة يصطفون على جنبات شاطئ المدينة الكئيبة... يحضنون صبايا ناهدات وعديدَ دنان ساخنة... يرتشفون رحيق نهود لذيذات، ويقضمون شفاهًا مكتنزة صلبة... يغازلون الشموس الغاربة... كان يحرس عرباتهم الفاخرة... ويحرسهم... ولم يكن يحرس نهودًا نافرة ولذيذَ شفاه جائعة... ما الفائدة من حراسة جثت تهيم على وجوهها في دروب المدينة العاهرة نهارا... وترتخي بين أحضان داعرة مهترئة جائعة ساعة غروب على هامش مظلم من شاطئ مدينة عاهرة.
ـــ صديقي... الليل خيم... والمدينة بعيدة... وأنا خائف من ذئاب برية.
كانت آخر مرة شاهد فيها ذئبًا بريًّا يومَ خرج في موكب شيخ العشيرة المستمتع بخرجةِ صيدِ وحوشٍ برية... وصبياتٍ مَدينية... من بين جمع صبيات مدينيات ناهدات خرج الذئب يتحسس كرشه المنتفخة... يمتص الشفاه منه، وقد تلونت بحمرة لذيذة... نهود الصبيات تتقاطر سائلا أحمر لزجا... الشفاه ترتعد... الأرداف تتراقص على صفيح بارد... الذئب يبتسم... يعانق آخر عجيزة عذراء... ويختفي في الظلام.
كل الذئاب البرية تغرق في وليمة العرس الكبير ليلًا بعد غروب... الطفل يجر صديقه من سرواله المهترئ... الليل لا شمس فيه... المدينة العاهرة ليست بعيدة كما يظن طفل صغير... الصبيات يَهِمْنَ على وجوههن تحت سماء سوداء قاحلة... شيوخ العشيرة يرحبون بالذئب الضيف الكبير... النهود الصغيرة المكتنزة الصلبة ترتخي تحت الصدور المعشوشبة... الشفاه القرمزية الشاحبة تمتص السائل الأبيض اللزج المتدفق من أعواد عوجاء... المدينة الحزينة لا تبتعد... جنبات الشاطئ لا ترتعد... الدنان ترتمي في حضن الدنان... الطفل الصغير الجائع المرهق الخائف من الذئاب البرية يتكور... ينام جوار نعل صديق منتصب القامة على ظهر رابية خارج مدينة ساهرة كان ذات أيام يحرس فيها عربات فارهة... ما كان يهتم بحراسة أرداف مرتخية، ما امتص شفاها قرمزية ذات ليلة على شاطئ مظلم من مدينة عاهرة...
ـــ صديقي الصغير، ما رأيك في أن ننام الليلة هنا فوق رابية شامخة... نقتات بعضَ ذكريات وأحلام... لا خوف علينا... الذئاب لن تأتي... السهرة في المدينة مستمرة إلى صباح لا تطلع فيه شمس؟



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- رسالة مهجورة على كرسي أعرج أمام مكتب قديم / قصيدة نثر حداثية
- -أيلول... يا زمن قيامة عاطفية- / قراءة دلالية وجمالية في قصي ...
- السردية الرمزية في قصة -موعد مع السقوط- للقاصة المغربية سعيد ...
- عبور من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية مسرودة تجربة حقيقي ...
- كهفٌ... غيمةٌ / قصيدة نثرية
- [ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية / سرد وقائع حق ...
- قراءة نفسية سردية في قصة -جرح قديم-، للقاصة المغربية سعيدة ح ...
- في شعرية القصيدة النثرية / نبضات القلب والكون في قصيدة «رقص ...
- حكاية الميت الأخير يهرب من لحده المنسي في مقبرة العشيرة / قص ...
- إبداع الأديبة المغربية فاطمة عدلي: تنوع عابر لحدود بين أنواع ...
- [ أسحار... وما منها أشعار ] إن هي إلا بعض بوح عليل / قصيدة ن ...
- أخي / قصيدة نثرية
- [ حاصر حصارك ] قصيدة نثر حداثية
- هامسُ وجع / قصيدة نثرية
- مكاشفات / رؤى نقدية
- من أنا... سؤال / قصيدة نثر سردية متسلسلة / 1/ (من أنا... هو ...
- تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر / قصة قصيرة


المزيد.....




- فنه من الخردة ورزقه من الشاي.. حكاية فنان تونسي يرفض التخلي ...
- وزارة النقل والثقافة تحتفيان بالمولد النبوي الشريف بعروض إنش ...
- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...
- بوتين يكرّم شخصيات ومؤسسات بارزة في الثقافة والفنون الروسية ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - طفل... والمدينة العاهرة / قصة قصيرة