عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 03:01
المحور:
الادب والفن
أولا: معلم
سؤال 1
(سؤال تقليدي يتكرر كثيرا)،
ما هي أهم المحطات التي شكلت ملامح الشخصية الأدبية لعبد الرحمن بوطيب؟
جواب 1
نعم أستاذتنا الفاضلة، هو سؤال تقليدي متكرر... لكنه سؤال مشروع، لأن "النهايات" محكومة ب"مقدماتها"، وبعوامل أخرى مؤثرات.
ملامح الشخصية الأدبية لعبد الرحمن بوطيب - إن جاز الحديث عن ملامح خاصة لها اعتبار - بدأت تشكلها منذ طفولته المبكرة، نذكر منها:
أولى المحطات / العوامل: ولادته في أسرة من أربعةَ عشرَ أختا وأخا، من أب واحد وأم واحدة، هو الخامس ترتيبا بينهم... أم "كبيرة" رضع من ثديها الطاهر أن الحياة صراع وثبات وإصرار على النجاح، رغم كل الإكراهات والمعيقات، وأب "رحّال" تعلم منه أن المبادئ النبيلة شرط وجود، ومرتكز حياة، هو "الرحّال" الفلاح، الجندي، المقاوم القائد في صفوف الحركة الوطنية، الموظف في مؤسسة بنكية، الرجل الرؤوف القدوة الحسنة...
رحم الله الأمهات والآباء الراحلين عنا أجسادا طاهرة، الساكنين ذواتنا أرواحا طيبة.
ثاني المحطات / العوامل: محدد في تشكل فضائي هندسي معماري فريد نوعه، ولو كان على يد مهندس فرنسي رامز لاستعمار، فضاء حي "عين الشق" بالدار البيضاء الكبرى... حي تشرّب منه وفيه عشقَ الجمال، وجدوى الترتيب، وضرورة التلاحم... وكان فيه بين عشيرة وصحاب وجيران طيبين.
ثالث المحطات / العوامل: محدد في فضاء تمدرس بمدرسة "حرة" وطنية، حُجرةُ دَرسِهِ فيها كانت مرآبا صالحا لتجارة أو ركن عربات... وكانت تجارةً مباركة، اكتسب فيها صديقا ليس ككل الأصدقاء... الأخ المرحوم "مصطفى المسناوي"، وكان له شقيقَ روح، ورفيقا، ومدرسة ثانية، لروحه السلام.
رابع المحطات / العوامل: محدد في حياة رسالة / مهنة عملية... حياة هي "الرسالة التربوية التعليمية"... وقد أكلتْ من عمره قرابة نصف قرن، وأكل منها عمرا وحياة فريدة نوعها... ولجها شابا ابن العشرين، وسكنها وسكنته إلى هذا الحين... كانت له فضاء علم وأخلاق... وتربية سياسية انحازت عن وعي إلى صف مناضلين بقيم نبيلة، وحرص منهم على وحدة وطن، ووحدة صف، وصدق نضال.
خامس المحطات / العوامل: محدد في كل المؤثرات التعليمية / الثقافية التي تَشَرّبها في شباب، وظلت ترافقه في مسار سبعة عقود ونصف من عمر طيب... مشارب متنوعة مرجعيات، وكان للثقافة العربية، والمغربية، والعالمية الثاوية في أعماق شعر وقصة ورواية وفكر وفلسفة حضورٌ وازن في تشكل شخصية رجل وهب نفسه وروحه وكيانه لحروف، على كبر من سن وهو في عمر الخامسة والستين، بعد خمس سنوات من إحالة على معاش.
حقيقة معينة وجب الوقوف عندها... (دور رسالة التعليم في تشكل شخصيته)، ما كانت له مجرد مهنة... كانت له هي "المدرسة"، لغةً، وفكرا، ومبادئ، وقيما... وروحا.
صحيح أنها "أجّلت" تورطه في مغامرته الثقافية، التي كان له موعد معها مطلع السبعينات... وكانت منه أول قصة، وقد كان وقتها معلما مؤقتا... ضاعت القصة الأولى... وتعطلت الكتابة / الورطة إلى سن الخامسة والستين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيا: مُربّ
سؤال 2
الطفل عبد الرحمن بوطيب لا يكبر ولا يشيخ، ما الذي يمليه عليك طفلك المشاكس؟ وكيف تجاريه السنون السبعون؟
جواب 2
لطيف عميق منك، أستاذتنا الكريمة، هذا السؤال / النبش في دواخل.
أجل، يسكن في أعماق عبد الرحمن بوطيب "طفل مشاكس مشاغب"، يرتدي جبة "ملاح عجوز"...
الحياة الحقة "طفولة لا تنتهي"، هذا ما بشّرت به فلسفاتٌ متنورة، وعاشته سِيَرٌ لِقادةٍ وفاعلين في حضارات إنسانية... الطفل يسكن الذوات المتسائلة عن وجود وكيان، المسكونة ببحث عن بديل "ممكن" لواقع شاخص "كائن"... بديل لا يستكين لرداءة وضحالة وإسفاف ورذالة...
طفل الملاح العجوز طفل مزعج، إلى حد أنه لا يني "يكسر كل ما وجب في حقه تكسير"، "يهدم، ويعيد بناء ما هدم... وكانت منه غواية تلك "قصيدة النثر الحداثية"... هو المسؤول عن "فوضاها"، وما الملاح العجوز إلا متورط في توقيع نصوص متواضعة منها... هو الطفل / الملاح العجوز، آن له أن يبوح بأسرار... وما هي أسرار.
عبد الرحمن بوطيب، قطعا، يؤمن بأن الطفل المشاكس المشاغب هو محرضه - خلسة وعلانية - على المغامرة في "تجريب" ليس له شاطئ ولا مرساة... الطفل يقفز من ربض حروف شعر، إلى ربض حروف سرد، إلى ربض حروف نقد وفكر... هي "فوضى تعبير طفلية"، فلتحاكموا "الطفل المشاغب"، ولتتركوا "الملاح العجوز" يرسم ذاته على أوراقه الذابلة في قلب "أشيلوسه" القديمة المبحرة به "غربَ متوسط"... لكم أن تسألوا عنها "قارئة الفنجان"، قد يكون في فنجانها "المقلوب" بعضُ جواب، وإلا فاسألوا عنها "مُنيفا" و"سَيّابا" و"دَرويشا" و"ناظمَ حكمته"... وذاك "زوربا الديك الذبيح الراقص على صفيح متجمد حارق".
ــــــــــــــــــــــــــــ
سؤال 3
أبسببه قلتم: "العمر مهما ثقل حمله على كتفين، يبقى في جوهره قصيدة ... حكاية لم تكتمل"؟
جواب 3
ما المسؤول عن هذا بأعلمَ من السائل، سيدتي الكريمة،
"العمر قصيدة... حكاية لم تكتمل"، هذا ما تعلمه الملاح العجوز من طفله المشاكس المشاغب.
"طفل الملاح العجوز" طفل عفوي، صافي نية، يؤمن بأن "الحياة إبداع"، فإن لم تكن كذاك فهي مجرد "سقط متاع".
تمتد دلالة "قصيدة الطفل المشاغب" إلى حدود التعبير عن وجود، وبعضٍ من كيان... فمن لم يكن "شاعرا" فهو "كائن يولد ويعيش ويموت وتندثر معالم قبره بعد حين ونسيان من أهل وخلان"... "الشعراء لا يموتون"... فذاك "الشعر حياة".
"طفل الملاح العجوز" طفل عنيد، يؤمن بأن "الحياة حكاية لم تكتمل"، فإن لم تكن كذاك، فهي مجرد "بداية ونهاية"... ولا عزاء لرحلة فراغ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
سؤال 4
قرأتُ الأجزاء الأولى من سيرتكم الطيبة "معلم"، نَفَسُكُم السردي في هذه السيرة فريد وشيق، لكم لغة منسابة وأسلوب جذاب، والفريد فيها أنها سيرة رجل تربية وتعليم، هذا النوع تندر الكتابة فيه، مع أن المجال غني وخصب، ومسجور بالأحداث والحكايات، رغبتُ في قراءة المزيد والمزيد من هذه الكتابة، كيف جاءتكم فكرة كتابة السيرة التربوية؟
جواب 4
لا خصوصية تذكر في هذا الباب، أستاذتنا المحترمة،
"الإنسان كائن حكّاء"... كل منا "يحكي ذاتَه ببوح خاص على شاكلة ما"... أشكال البوح عديدة، ومنها تلك "السيرة"، ولو أن هذه "السيرة - تسجيلا وتوثيقا - ماكرة خداعة".
نساء التعليم ورجاله لا ينسون... يعيشون حاضرهم في ماضيهم... يعيشون ماضيهم في حاضرهم... ويحكون، هي الحكاية حنين لا ينقطع، حنين إلى مفردات حياة لا تنقطع بإحالة على معاش.
استحضار الماضي لعبة لذيذة، ومنها / فيها دروس وعبر...
من جميل المصادفات، وغريبها، في نفس الآن، أن هذه الحروف السيرية الاسترجاعية، ومعها صورة جماعية رسمية لتلميذات وتلاميذ، على كبر من سن وأعطاب جسد، حملتْ معها - بالصدفة الغريبة، وللفضاء الأزرق فضل اكتشاف - بعضَ تلاميذ طيبين من تلاميذ أول قسم درّسه عبد الرحمن بوطيب... قسم التحضيري، بمدرسة "الحاج الطيبي" الفرعية بالنواصر الزاوية، ضواحي الدار البيضاء، سنة 1972 / 1973، هم اليوم متقاعدون من وظائف محترمة وأعمال مباركة، بعد أربع وخمسين سنة، وقد بلغوا اليوم ما فوق الستين من أعمار طيبة مباركة، ومنهم من له أبناء وأحفاد كرام... صورة معلم شاب مع تلميذات وتلاميذ أطفال... آن لها أن تُلتقطَ مرة ثانية، بأجساد عركها زمان... وكانت ذات زمن جميل غضة طرية.
"السيرة التربوية التعليمية" كتاب رحلة في الزمان... وفي الإنسان، ومنها صفحات في "نقد مدرسة وأساليب تربية"... عساها تتجسد حروفا على ورق في قادم أيام.
ــــــــــــــــــــــــــــ
سؤال 5
تكشف سيرتكم عن فلسفة في التربية، ما علاقة هذا الحقل بالفعل الثقافي وبالإبداع بصفة عامة؟
جواب 5
تساؤل ثري عميق، أستاذتنا الكريمة،
"العلاقة بين الفعل التربوي والفعل الثقافي" علاقة وطيدة لا ترتفع، ولا يمكن تجاهلها...
مداخل التغيير المجتمعي والاقتصادي والثقافي والحضاري، وفي قلبها التغيير السياسي، مداخل عديدة، منها الرهان السياسي، والرهان الاقتصادي، والرهان الاجتماعي... ومنها الرهان التربوي التعلمي... ولنأخذ من "النمور الصفر" عبرة... المدرسة رافعة أساس للتغيير الحضاري المسؤول... الشعوب التي استثمرت في الإنسان والتربية والتعليم نجحت، وبالمقابل البئيس تعطلت تجارب مداخل سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة عبر التاريخ، وفي كل مكان.
"الفعل الثقافي رهان"... و"الإبداع الأدبي قلب هذا الرهان النابض، بين الفعل التربوي / التعليمي، والفعل الثقافي الإبداعي علاقة اتصال وتفاعل، تأثير وتأثر... هي العلاقة الجدلية الإشكالية... كلما بنيتم مدرسة، كلما ربحتم ثقافة... الثقافة / الحضارة تبني بين جدران فصول... تنمو بصمت... تتفجر منها عيون وأنهار تصب في وديان وبحور ومحيطات.
لا حياة لثقافة دون قاعدة تربوية تعليمية مواطنة، مسؤولة أمام الوطن والمواطنين... صناعة الرداءة قد تبدأ - مع أعداء تقدم وحرية وكرامة - داخل فصول... وقد كانت لدينا قبل بضعة عقود مدرسةٌ تُصَدِّر قيما وعلوما وآدابا... اليوم صار هناك حديث عن "اختراقها" بمحمولات من شارع ضياع وضباع... فهل تستلم أقلام شريفة؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
سؤال 6
أمن وراء هذه الفلسفة اهتممتم واحتفيتم باليافعين وإبداعهم؟
جواب 6
أجل، سيدتي، "المعلم يبقى معلما"... معه تمتد الرسالة من مدرسة إلى
ساحة ثقافية بعد إحالة على معاش.
عبد الرحمن بوطيب وُسِمَ بصفة محبوبة لديه، من طيبات وطيبين، أطفالا وشبابا... سمة "جدو عبدو"... وله بنات وأبناء وحفيدات وأحفاد ثقافيا... وصلوا إلى عطاء مبارك، وشهرة مستحقة... ولا زالوا يتألقون.. منهم الشعراء، والقاصون، والروائيون... جيل خَلَفٌ طيب مبارك... وكم يحبهم "جدو عبدو"، ويدعمهم، وينصحهم بوجوب تواضع وعدم اغترار بشهرة وأضواء.
يبقى لعبد الرحمن بوطيب أنه يؤدي الرسالة، على علاتها، بما لها وما عليها، ويبقى له أنه كثيرا ما دعا الفاعلين الثقافين - مبدعين وكتابا ونقادا ومؤسسات - إلى واجب احتضان هذه البراعم الواعدة... هم خزان مستقبل الثقافة المغربية والعربية، وكل تخلف أو تكبر أو اعتبار للفعل الثقافي مع الناشئة ليس من مسؤوليات المثقفين الكبار، يدفع "المعلمَ" إلى أن يقول بالصوت المرتفع: (لا تنسوا من احتضنكم في بدايات تشكل شخصياتكم الثقافية، على بدايات منكم... يا كبار... ردوا دينهم النبيل في صغار، هم اليوم يشقون الطريق بعزم وإصرار، والتاريخ يسجل).
ــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع بالجزء الثاني
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟