أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011) / سيرة. 1/ استرجاع بدايات 1972 / الفصل الرابع















المزيد.....

[كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011) / سيرة. 1/ استرجاع بدايات 1972 / الفصل الرابع


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 16:23
المحور: الادب والفن
    


من مكتبة السي لحسن إلى مدرسة فرعية.

ذاكرته المتشظية احتفظت في زاوية منها بعبق وقائع رسمت بعض معالم طريق:
(كيف ترسم حروفا في درس الخط / تفتيش في درس المحادثة، ونصف نقطة زيادة / بيض، وزيت زيتون / دسيليكسيا / ارتباك توجيهي / نائب، وموظفون... زيارة على حين غفلة / فيقسم، قرآن يتلى... أجواء رمضانية، وتلميذة تغادر... الباقي خمسة وعشرون / الجزرة والعصا: "اقتل، وأنا أدفن"، الجريمة والعقاب / تغذية... قنينة شاي، وخبز أسود / ذلك التلميذ، ذاتَ كسوف / هكذا يكون النوم الثقيل / وصاية، وهروب / شلة جديدة / مقابلة في كرة القدم / بعد سنوات... فاجعة، وملعب لتخليد ذكرى رجل).
ــــــــــــــــــــ
استرجاعات:
هي الذاكرة، غريب أمرها، مفاتيحها في اليد، افتح يا سمسم...
وتفصح عن تفاصيل.
الأسبوع الثاني،
المعلم الجديد وحده في مملكته الصغيرة، المعلم الجبلي الطيب قد رحل... وتبدأ رحلة تعليم، وتعلم.
هم يتعلمون، هو يتعلم، يسهر الليل مع وثائق وتحاضير،
ثلاث سنوات من فراغ رحلت، نشاط يعود... على فقر في مخزون دماغ... اجتهاد في أداء رسالة لم يدرك بعدُ أنها "رسالة"، كان مجتهدا في تمدرسه، وما كان يدري، ما كان يبذل جهدا، كان يدرس، كان يُختبر، وكان ينجح...
وكان له صديق بدين أغوته جامعة وفلسفة وتعليم وسياسة وسينما... رحل قبل الأوان... المرحوم الغالي "مصطفى المسناوي"،
كان لا يبخل على الصديق المعلم بمساعدة، يناقشه، يرشده، يحبه، يتقاسم معه الصغيرة والكبيرة،
يهديه كتبا زينت غرفة واسعة في بيتهم الجديد بحي الرملية / أنگريت، كتب لم تتوفرت للمعلم ابن البنكي القادم من بادية.
"طارق الذي لم يفتح الأندلس" رحل قبل أن "تُفتح الأندلس"، لروحه السلام.
شحنة من حُبِّ قِسْمٍ تَشَرَّبَها من "طارق" الما فتح فردوسا منتظَرا.
زاره الجسد الضامر الخمري الرياضي ذاتَ حصة زيارة تفقد وتوجيه.
كان السيد المدير الرياضي مكلفا بتنظيم زيارات للمعلمين، وبإعداد تقاريرَ تُرفَعُ إلى السيد المفتش في النيابة، يزور معلمي الفرنسية ومعلمي العربية على السواء، ويكتب التقارير، يرسلها، وكل معلم وحظه من تقرير... سلطة تربوية؟
كانت الزيارة المفاجئة وقتَ درس الخط، كل الزيارات الرسمية مفاجئة، والناس حظوظ، رب فارس نسي فرسَه والحسامَ ذات زيارة لعلة، فَعُدَّ من الخاسرين.
خَطَّ حروفا وكلمات وجملة على سبورة، طلب من الصغيرات والصغار نسخ الحروف والكلمات والجملة على دفاتر نحيلة.
الأيدي الصغيرة ترتعش، ريشات العربية تسرق قطرات مداد من محبرات، الويل لليد المرتعشة تشرب بها الريشة فضلَ زيادة من مداد، الحروف تغرق في بركة، تسبح، وتسبح بعض صفعات خفيفات على رؤوس لم تقدّر مقدار نقطة من حبر لازمة، العصا لمن ينسى... توجيهٌ تربوي من السيد المدير المحترم.
ـــ اسمع أ السي عبد الرحمن، لدرس الخط تقنيات وشروط نجاح.
وهنا في الساحة المتربة، والتلاميذ موتى جامدون داخل الحجرة، رسم الرياضي بغصن قصير من شجرة بعضَ خطوط على تراب... خطان سميكان، وبين كل خطين سميكين ثلاثة سطور دقيقة، الخط السميك هو كرسي الحرف، والسطور الدقيقة مقاييس تحد من طيش الحرف، "لكل حرف حدود، ارسم الحرف بأصبعك على
الهواء بشكل مقلوب ليراه التلاميذ بشكل طبيعي، ادفعهم لتقليد حركة أصبعك بأصابعهم على الهواء، انتقل إلى الرسم على اللوحات، ارسم أنت على السبورة، يرسمون هم على اللوحات الكارتونية، انتقل للرسم على الدفاتر، هيء لهم النماذج بالقلم الأحمر، افصل بين المسافة والمسافة بنقطة"...
درس عملي على تراب... وكان مفيدا.
المعلم الشاب تعلم كيف يرسم حروفا جميلة مقروءة، وصار يحب خطه ويتفنن فيه إلى اليوم وهو على شيخوخة ترتعش منها الأنامل.
وجاءت زيارة تفتيش السيد المفتش.
درس المحادثة... "الفلاح يسقي شتلات شجيرات".
خارج القسم، في ساحة.
وكان نصفُ نقطة زيادةً على نقط غيره من معلمي العربية.
نصف نقطة زيادة.
في ساحة على جانب طريق،
بلا أسلاك ولا أسوار تَعَلَّمَ، وَعَلَّمَ، حجرة الدرس شاهدة.
تعلّم كيف ينجز درس خط، وعلّم درسَ محادثة، خارج الفصل، بعد امتناع ثم انصياع من السيد المفتش.
ـــ يمكنك إنجاز الدرس في القسم، كما هي العادة.
ـــ بعد إذنك سيدي المفتش، الدرس سيكون حيّا خارج الحجرة، الشتلات موجودة،
والمعول،
والسطل،
والماء،
و...
ـــ تفضل.
البستاني يسقي الشتلات،
يسوي الحوض،
يهرش التربة،
يروي غلة جذور عطشانة...
تنمو الشتلة،
تصير أيكة...
المتحادثات والمتحادثون يستمتعون بما كانوا به في حقول الدوار يشتغلون،
ما تبدلت عليهم إلا لغة.
كان يحلم بست وعشرين شتلة تصير أشجارا،
الأشجار تصير غابة.
ـــ جيد، هناك ملاحظات...
دائما،
زمن المفتش والتفتيش،
هناك ملاحظات،
مرحبا بالملاحظات،
الصدر رحب،
والنفس راضية.
عفا الله على زمن تفتيش وملاحظات، عقلية بالكاد تخلصت منها هيئة تأطير تربوي هادف مع جيل جديد من مؤطرات ومؤطرين ما أصدروا كتابَ "كيف تصبح معلما ناجحا في خمسة أيام دون معلم"،
وكانت منهم توجيهات،
وما كانت ملاحظات.
وكان نصيبه من درس في الساحة نصف نقطة زيادة على ما ناله صديقان له معلمان معه في نفس مجموعة المدارس،
هما نالا ستة من عشرين،
وهو نال نصف نقطة فوق الستة.
سحر عجيب هو النصف الزائد،
فاعل ولو أنه غير مكتمل الكيان، محفز لا ينكر المعلم الشاب فضله،
لم يفاخر به غيره،
لم يشعر بزهو، ولا خيلاء،
كل ما شعر به هو أن لكل اجتهاد أجرا،
إن أصاب المرء، وإن أخطأ.
وما كان من المخطئين.
أضحى من المهووسين باجتهاد، يخطئ ويصيب.
الرحمة على مفتش انصاع لرغبة شاب لم يلج مدرسة معلمين ولا مركز تكوين إلا بعد سنتين من عمل...
وبالنصف زيادة أنصف.
كل التقارير،
تقارير زيارات السادة المديرين،
تقارير تفتيش السادة المفتشين والسادة المؤطرين التربويين لا زالت تحت يده،
حقيبة حبلت سنة عن سنة،
تضخم منها الجسم، وتراكمت الأوراق...
حقيبة ملفات إدارية وتربوية،
من كل فن طرف.
الجميل أنه مهووس بالأرشفة،
لم يضيع وثيقة ما،
الكل مرتب، منعش للذاكرة، وبتفاصيل.
مسافةُ قرابةِ نصفِ قرن من الزمان، أجيال وأجيال،
مواقف وتجارب... إخفاقات ونجاحات...
ووثائق.
ومن الإخفاق دروس لا تجود بفضلها النجاحات،
هي الحياة،
من أخطائنا نتعلم،
وقلما نتعلم من نجاح.
تَعَلَّمَ المعلمُ المدرّسُ الأستاذُ أن يفخر بتعثرات،
نعم،
بها يفخر، وما كانت منه متعمدة.
حتى تلك العصا بها أخطأ،
ويفخر أنه تعلم منها أن التعليم "رسالة"، رسالة حب متبادل...
إن ابتسمتَ لهم فإنهم يحتلون قلبك،
إن فرحتَ معهم فإنهم يسعدونك،
إن جلستَ بينهم على حصير أو صعيد من أرض فإنهم يضعونك تاجا على رؤوسهم...
صغارٌ هم... كبارٌ هم،
القلوب الطيبة تبقى وفية لطفولة،
لا تكبر ولا تشيخ،
وكم من قلب صغير في جوف امرأة أو رجل أكلا من الدهر سنوات.
(الحب حوار، وشرط للحوار)
وما كانت التربية والتعليم إلا حوارا وجب أن يسقيه حب من القلب إلى القلب،
به تسهل الطريق من عقل إلى عقل.
(العصا، الفلقة، الوجه العبوس، اليد الباطشة، نقطة العقاب، الطرد من القسم، التوقيف عن الدراسة...
قنابل موقوتة،
ألغام تنفجر عاجلا أم آجلا،
الشدة تلد الحقد،
الحقد يلد الكراهية،
الكراهية تلد الانحراف،
الانحراف يلد الضياع،
الحب يلد الحب،
يلد النجاح،
يلد التوازن،
يلد... الإنسان)
"دعوهم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم"،
ولا تنسوا حزما ومسؤولية...
معلم يحلم.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طفل... والمدينة العاهرة / قصة قصيرة
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- رسالة مهجورة على كرسي أعرج أمام مكتب قديم / قصيدة نثر حداثية
- -أيلول... يا زمن قيامة عاطفية- / قراءة دلالية وجمالية في قصي ...
- السردية الرمزية في قصة -موعد مع السقوط- للقاصة المغربية سعيد ...
- عبور من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية مسرودة تجربة حقيقي ...
- كهفٌ... غيمةٌ / قصيدة نثرية
- [ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية / سرد وقائع حق ...
- قراءة نفسية سردية في قصة -جرح قديم-، للقاصة المغربية سعيدة ح ...
- في شعرية القصيدة النثرية / نبضات القلب والكون في قصيدة «رقص ...
- حكاية الميت الأخير يهرب من لحده المنسي في مقبرة العشيرة / قص ...
- إبداع الأديبة المغربية فاطمة عدلي: تنوع عابر لحدود بين أنواع ...
- [ أسحار... وما منها أشعار ] إن هي إلا بعض بوح عليل / قصيدة ن ...
- أخي / قصيدة نثرية
- [ حاصر حصارك ] قصيدة نثر حداثية
- هامسُ وجع / قصيدة نثرية
- مكاشفات / رؤى نقدية
- من أنا... سؤال / قصيدة نثر سردية متسلسلة / 1/ (من أنا... هو ...


المزيد.....




- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...
- من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر ...
- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011) / سيرة. 1/ استرجاع بدايات 1972 / الفصل الرابع