عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 02:35
المحور:
الادب والفن
الشاعرة المغربية فاطمة عدلي، كما عرفناها من سنوات خاليات، بنبلها وعمقها، ورهافة مشاعرها الشفيفة، أديبة متعددة عطاءات، استطاعت أن ترسم لحضورها الثقافي تميزا هادئا مثابرا في حركية المشهد الثقافي المغربي والعربي.
فاطمة عدلي، صوت محتشم بنبل وتواضع قل نظيره في زمن ليس هو الزمن المنشود... هي من جيل أديبات يشكّل تجربة فردية خاصة، وجماعية مشتركة... يسعين بجد للعطاء في عوالم ساحة ثقافية مشحونة بتحولات ثقافية وأدبية، لتأسيس تجربة إبداعية تريح... ولا ترضى بأن تستريح.
فاطمة، كلمة حرة منطلقة تتقاطع نغماتها مع استيهامات ذاكرة صافية، ومغامرة تجريب فاعل / منفعل، في سبيل بحث لا يني عن لغة ليست ككل اللغات... لغة هامسة قادرة على احتضان كل إكراهات هشاشة إنسانية أضحت فاقدة جوهر إنسانيتها في زمن مقيت لا يرتفع.
فاطمة، شاعرة، تجمع في كتابتها بين حس تأملي وتكثيف تعبيري، تشهد عليهما انتقالاتها الهادئة الجريئة بين هايكو وشذرة وقصة وقصيرة جدا وقصيدة... بروح شفيفة ساعية وراء إبداع هارب... في انتظار لحظة قبض عليه.
فاطمة تعبير سعي ثقافي شارد باحث عن لحظة معنى مخطوفة / خاطفة.
فاطمة... قالت / باحت / همست / صرخت:
(على شفا ردح من ذاكرة... ألملم فوضاي، من بِركة باتشو إلى كتاب حياة وحروف رقصةِ أطلسٍ معانِدة... ليست مهادِنة)...
هي الرسالة الواعية...
الكتابة "العدلية"، في جوهرها وعمقها الثاوي بين سطور، محاولة صامتة لترميم ما يتصدع في الدواخل النقية.
الحديث عن التجربة الأدبية الشعرية "العدلية" حديث مشوق... ومورّط.
التشويق وليد تعدد عطاء، وليس وليد تعدد في خواء.
التوريط ناتج عن شساعة أفق عطاء... أفقٍ يرحل بعيدا بالمتلقي الراغب في خوض غمار قراءة منصفة تحترم المنجز، في تلويناته النوعية، ويفرض عليه أن يكون حذرا، غير مندفع بانبهار قد ينتهي به إلى مقاربات مجانية فارغة، أو مجاملات عابرة.
تتشكل التجربة الشعرية عند فاطمة عدلي في مقام تداولي عام، وفي سياق مرجعي خاص... فقد عرف الأدب العربي المعاصر تحولات نوعية عميقة، تمثلت أساسا في موجة تكسير الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية، وفي الانفتاح على أشكال تعبيرية شاعرية جمالية جديدة، تتأسس على قاعدة حساسية تهجين وتشاكل وتداخل.... فالنموذج مجروح، والنمذجة فقدت "قدسيتها".
في هذا المقام العام، برزت التجربة الإبداعية في منجز فاطمة عدلي ساعية إلى إعادة صياغة العلاقة بين اللغة والتجربة، بما يجعل من النص / المنجز فضاءً مفتوحا على صور وإمكاناتٍ متعددةِ وجوهٍ من القول، ومن تأويله.
تجربة الأديبة فاطمة عدلي لا تؤخذ، في سياقاتها المرجعية الخاصة، على محمل انتظار خوضِها تجريبَ تكسير حدود بين أجناس... إنها تتميز بكونها مغامرةَ تكسير جدران قفص سلطة النوع الواحد / التخصص / التلون بلون واحد من إبداع، وما هذا التخصص - في نظرنا - معيب، فله أهله المدافعون عنه بحجج مقنعة، وهم في رؤاهم يُحتَرَمون، وذلك بمغامرتها في السفر عبر عوالم تحترم المسافات "الجاذبية" بين أنواع تعبير، فلا تسقط في لعبة تشاكلٍ وتداخلٍ وتجاوزِ تمايز... إنها تتحدانا، وتمتعنا، بتعدد صور اشتغال في حقول من أنواع مختلفة... انتقالا منها بنا إلى حد اشتغال بشعر نثري... وهي بذلك ترتدي جبة شاعرة.
فمن أين لنا فرصة العيش مع وقائع "ليلة القبض على فاطمة"، في رحاب "تآويلها لرماد"؟
إنها غواية اجتراح مغامرة خوضٍ مسؤولٍ سابح في يَمِّ ديناميةِ كتابةٍ شعرية معاصرة، لا تستكين لجمالية سلطة نموذج من نوع قديم، ولا تلين لغواية تلوين جديد بنوع خاص... ولو كان من بلور.
ــــ فكيف تسهم هذه الكتابة الشعرية "العدلية" في إعادة تشكيل علاقة الأديبة المتعددة بين شعرية لغة، وهموم ذات، ورؤية للعالم؟
تؤسس "فاطمة عدلي" تجربتها التعبيريةَ على تصور معين للبوح الشعري، باعتبارها فعلا ذاتيا يسعى إلى تنظيم عوالم فوضى داخلية، وإلى إعادة بناء معنى وجودي معين، لمواجهة اختلالات في واقع متعين...
الكتابة، المسجونة في قفص ضيق لا تُقْنِعُ فاطمةَ المغامرةَ بهروب إلى فضاءات طبيعة تمتح منها روحَ تعدد ألوان جمال... روح مسكونة بعشق جمال، ولو مع معاناة... المعاناة شرط وجود... المعاناة ضريبة تميز... المعاناة حلم بقبض على طائر غرّيد لم يقبضْ عليه من قَبْلُ قناصٌ عنيد... إنها غاوية ممارسة جمالية مفتوحة على تنوع حقول، ليست ككل ممارسة إبداعية ساكنة قفصا واحدا لا تخرج منه كرها أو طواعية، إذ هي ممارسة / أداة مقاومة للقلق، وباحثة عن استعادة توازن نفس.
يتجلى هذا التصور في تأكيدها على أن الكتابة تمنح شكلا من النظام لفوضى الحياة، وهو ما ينسجم مع تصورات نقدية حديثة ترى في النص الأدبي مجالا لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية، وتحويلها إلى حمولة دلالية / قضوية قابلة للتأويل، ولإعادة النظر في تأويل، قالت:
"أبحث في دفاتري القديمة،
عن غطاء دافئ
يسربل ظهر الكلمات،
أستثير شهوة الحروف،
أدعوها لمداعبة المعنى"
ديوانها الأول «باب تقرعه الريح»، حامل تجربةَ إبداعٍ في فن "الهايكو"، ومحطة بارزة في تجربتها، حيث تنفتح على هذا الفن العابر للقارات، بوصفه شكلا شعريا مختلفا عن كل أشكال التعبير العربية، ولو مع وقوفنا على صيغ "شذرية" إبداعية في المحمول الثقافي التقليدي إلى عصرنا من خزانة تراث عربي أصيل خالص.
الأديبة فاطمة تستثمر هذا الشكل في التقاط لحظات عابرة من الطبيعة، التي لها حضور مركزي في أصيل الهايكو، وفي ديوان التآويل، وتمتح من الذاكرة، التي لها حضور مركزي في ناجز إبداع كوني عام، وتحولها إلى ومضات شعرية دلالية تعبيرية جمالية خاصة مشحونة بالإيحاء والاستدعاء...
إنها، وبالمقابل، في ديوانها الثاني "تآويل الرماد"... تنتقل بنا إلى صرح قصيدة النثر، باشتغالها فيها على شعرية رمز "الرماد"، حيث سنقف على مغامرة نوعية أخرى، بمستوى مغاير، يبدو أكثر عمقا وتعقيدا، سواء من حيث تشكيلُ عوالم الرمزية في قصيدة النثر، بوصفها فضاء شعريا مشرعا على غواية تفجير اللغة، أو من حيث الاشتغال على شعرية استكشاف توترات الأحوال الذاتية الحاملة رؤى وجودية، الرابضة بين ثنايا تلوينات تعبيرية رمزية.
يشكل "الرماد" آليةَ اشتغال خاصة، ورمزا مركزيا في هذا العمل الشعري الجديد للأديبة، وهو في الغالب يحيل إلى دلالتين متقابلتين:
ــــ دلالة الانطفاء الشاخص، المعبر عن الفناء
ــــ ودلالة الاشتعال الكامن، المعبر عن إمكانية الانبعاث
هذا التوتر الرمزي الشاعري يعكس رؤية الشاعرة الوجودية، التي ترى في "الانهيار" إمكانيةَ إعادة خلق وتجدد، وفي "الفقد" أفقا لإعادة التشكيل وإعادة إنتاج الحياة.
قالت الشاعرة:
"بلون الرماد هذه الحروف
في كل حفر جذوة تأبى الخمود
تتطاير شظاياها فتندلع الكلمات
لهبا وأسارير قصيدة"
نخلص إلى أن تجربة "فاطمة عدلي" تمثل نموذجا خاصا للكتابة العابرة بين الأنواع في الأدب المغربي المعاصر، حيث تتأسس على التهجين الأسلوبي، وعلى الانفتاح على مرجعيات كونية، مع تعبير دال على خصوصية الصوت الشخصي الإبداعي، حيث تتأطر هذه التجربة "العدلية" ضمن إطار المسارات الأدبية الإبداعية والنقدية الجديدة، التي يعيد من خلالها الأدب العربي المعاصر تشكيلَ ذاته، في ظل عالمٍ متغيرِ وقائعَ وتعبيراتٍ عنها، مما يفرض على الأعمال أن تكون أكثر مرونة، وأكثر انفتاحا على الكائن والممكن، في واقع خائب مخيب للانتظارات.
ولهذا نقول: ينتمي ديوان "تآويل الرماد" إلى أفق قصيدة النثر العربية الحديثة، من خلال اعتماده الكتابة الحرة المنفلتة من قيود، مع احتفاظ بشعرية عالية تتأسس على الترميز، والتكثيف الدلالي، والصورة الكلية الضامة، والإيقاع الداخلي، والاشتغال على استحضار الذات والوجود والذاكرة في التجربة الشعرية.
ويبدو منذ العنوان أن الشاعرة تجعل من "الرماد" مركزا دلاليا تتشعب منه تجارب ذاتية وإنسانية عديدة، باعتبارها تيمات بنائية شاخصة: حنين، غياب، فقد، موت، انتظار، وحلم.
وللتعبير عن هذه التجارب، تعتمد الشاعرة لغة مقتصدة، مكثفة، رمزية، كأنها تعبيرات هايكوية، لكنها محملة بالإيحاءات الدالة، بحيث تتحول العبارة البسيطة إلى طاقة دلالية واسعة، قالت:
"هناك دائما متسع للبوح،
لكن هذه الحروف
لها طعم الرماد"
ثلاثة أسطر قصيرة فقط تختزل تجربة كاملة من الإحباط والانكسار والخيبة.
كما يتكرر هذا التكثيف في نبضها السريع:
"معلقة في الهواء
حروفي"
وفي:
"في الانتظار
كل الوقت أبد"
وهي عبارات قصيرة لكنها مفتوحة على تأويلات متعددة.
ورغم تعدد النصوص (ثلاثون مفردة) فإن الديوان يبدو قصيدة كبرى تتكرر فيها مجموعة من الحقول الدلالية الرامزة إلى التيه في زمن ضياع: الليل، الوقت، الحلم، الحنين، البحر، السفر، الغيم، الموت، القصيدة...
هي نويات بنائية حاضرة بوصفها خصما وجوديا معاندا... قد لا يرتفع، رغم أن الذات الشاعرة لا تستكين، ولا تنكسر، ولو على نبض تمن:
"أطالب بحصتي
من الخيال"
وبذلك تتماسك النصوص داخل رؤية شعرية واحدة، تجعل الديوان وحدة شعورية متكاملة.
فالمتن الشعري، هنا، لا يؤدي وظيفة خطابية أو تعليمية أو حمولة أيديولوجية مباشرة، بل يكتب ذاتا معانية بوصفها ذاتا لها تجربة جمالية خالصة:
عدلي تفتح الأسئلة، ولا تقرر المعنى، بل تستدعيه، ولا تقدم أجوبة.
حيث يشكل البعد الذاتي العمود الفقري للديوان.
فالذات الشاعرة تتحرك بين فضاءات الوحدة، والقلق، والانتظار، والبحث عن المعنى، قالت:
"يكفي أن أسافر وحدي،
إلى وحدي"
إذ تتحول الوحدة من حالة وضع نفسي، إلى فضاء للتأمل الوجودي لمقاربة المعنى، قالت:
"لأقارب المعنى
فلا زلت أتهجى
أيتها الحياة"
هو سؤال وجودي، أكثر منه سؤالا ذاتيا.
وتعتمد الشاعرة على الصورة الاستعارية الكبرى الضامة، أكثر من اعتمادها البنيات التصويرية المفردة المنعزلة.
"انتعلت قلبي
بحثا عن النور"
ويبقى أن "الرماد" / النواة المركزية ليس مجرد مفردة عنونة، بل هو البنية العميقة للديوان، حين يحيل إلى احتراق التجربة، وبقايا الحلم، وآثار الفقد، وذاكرة الجرح.
ذلك أن معظم مفردات المتن تدور حول هذه "الرؤية الرمادية" للعالم:
"بلون الرماد هذه الحروف"
"هذه الحروف
لها طعم الرماد"
فالرماد يتحول إلى رؤية للعالم، أكثر منه مشهدية صورة شعرية عابرة.
ورغم هيمنة تلك الرؤية الرمادية" الذاتية، لا تنغلق الشاعرة داخل ذاتها بالكامل، إذ تنفتح على قضايا إنسانية حاصلة في واقع خائب: (فاجعة الهجرة / حادثة بيروت / دخان القيامة / جائحة كورونا...).
هكذا نرى أن ديوان "تآويل الرماد" يقدم تجربة شعرية نثرية شاعرية متماسكة، تنتمي إلى تيار قصيدة النثر التأملية الوجدانية، وهي التجربة / المغامرة التي نجحت الشاعرة في بناء عالم شعري فاطمي
قائم على أساس ثنائية الرماد والحلم، حيث يتحول الحنين إلى مادة شعرية، ويتحول الألم إلى طاقة بوح جمالية، وتصبح القصيدة وسيلة لمقاومة العتمة والغياب.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟