عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 20:20
المحور:
الادب والفن
مدخل منهجي: في مساءلة النص
تقف هذه القراءة أمام نص يُربك أدواتها النقدية المألوفة، إذ يأبى أن يُصنَّف بيسر في خانة القصة القصيرة التقليدية، ويُفلت من قبضة التعريفات الجاهزة.
نص عبد الرحمن بوطيب "طفل... والمدينة العاهرة" يُشكّل ما يمكن تسميته، باستعارة من جيرار جنيت، نصا عتبيا بامتياز؛ أي نصا تكون عتباته الدلالية أشد إشكالية من متنه، وتكون بداياته أسئلة لا مقدمات.
فالسؤال المنهجي الأول، الذي يواجه الناقد، هو:
بأي أداة نقترب من هذا النص؟ هل بأدوات السرديات؟ أم بالنقد الاجتماعي؟ أم بالتحليل النفسي؟
الجواب - كما سيتضح - أن النص يستدعي حوارا بين المناهج، لا احتكاما إلى منهج واحد، وهو ما يُعبّر عنه ميخائيل باختين بمفهوم التعددية الصوتية، التي لا تعني فوضى القراءة، بل ثراء النص وتعقّده الدلالي.
أولا: العنوان بوصفه إشكالية - في سيميائية الاستفزاز.
لم يكن اختيار العنوان عند بوطيب فعلا بريئا / اعتباطيا، فالعنوان في النقد المعاصر، كما يُحلّله ليو هوك في دراسته السيميائية للعناوين، يؤدي ثلاث وظائف: التعيين، والوصف، والإغراء. غير أن عنوان بوطيب يتجاوز هذه الوظائف الثلاث نحو وظيفة رابعة يمكن أن نسِمها بـ: وظيفة الاستفزاز الأخلاقي.
إن اقتران "الطفل" بـ"المدينة العاهرة" في العنوان ذاته يُنتج توترا دلاليا حادا يشتغل على مستويين:
ـــ على المستوى الأول، ثمة تناقض بين براءة الطفولة ودلالة الفساد الأخلاقي المُضمَّنة في الوصف. وهذا التناقض ليس بلاغيا مجردا، بل هو - في ضوء ما يقوله بول ريكور في "الزمان والسرد" - صدمة زمنية: البراءة تنتمي إلى الزمن الأول، والفساد إلى الزمن التالي، والعنوان يضعهما في لحظة واحدة خارج الزمن.
ـــ على المستوى الثاني، الكلمة المثيرة للجدل في العنوان ليست إساءة بلاغية، بل هي ما تسمّيه جوليا كريستيفا في نظريتها عن الرفض (l abjection)؛ أي استخدام اللغة القصوى للكشف عن ما تُموّهه اللغة المُهذّبة. الكاتب لا يُغري بل يُعرّي، لا يُثير الحواس بل يُثير الضمير.
والسؤال الذي يستحق الاستشكال هنا: هل تصمد هذه الاستراتيجية اللغوية أمام اختبار التحليل؟ أم أنها تقع في فخ الصدمة المجانية؟ الإجابة تكمن في قراءة البنية الداخلية للنص.
ثانيا: السرد المُعطَّل أو شعرية الشرود
تقليديا، تشترط القصة القصيرة - وفق ما رسّخه إدغار ألان بو ثم طوّره فرانك أوكونور - وحدةَ الأثر وتمركز الحدث. غير أن نص بوطيب يتعمّد خرق هذا الشرط، إذ يبني سرده على الشرود المقصود، لا على التسلسل السببي.
الشخصية المحورية - الصديق الصامت - لا تتقدم نحو فعل، بل تتراجع نحو ذاكرة. وهذا التراجع لا يُشبه الاسترجاع السردي التقليدي (flashback)، بل يُشبه ما يُسمّيه والتر بنيامين في "عن مفهوم التاريخ" ملاك التاريخ المُستوحى من بول كلي: وجه يتطلع إلى الماضي بينما العاصفة تدفعه نحو المستقبل.
الشخصية عند بوطيب تنظر إلى الخلف - إلى طفولة منقوصة، وأعوام في خدمة العشيرة - بينما الطفل الجائع يجذبها نحو الحاضر.
هذا التوتر بين الذاكرة والحضور يُشكّل ما يمكن تسميته المحرك السردي الخفي للنص، وهو أكثر تعقيدا من الحبكة التقليدية، لأنه يشتغل على مستوى الوعي، لا على مستوى الحدث.
ولعل أكثر ما يستوقف القارئ المتأمل هو ذلك الصمت المُمنهج، الذي يلتزمه الصديق طوال النص، في حين يتكرر صوت الطفل بإلحاح متصاعد. هذا التوزيع الصوتي غير العشوائي يستدعي قراءة باختينية معمّقة: فالطفل يحمل الصوت الأول - صوت الحاجة المباشرة - بينما الصديق يحمل الصوت الثاني الصامت الأعمق، وبينهما يقع ما يُسمّيه باختين المنطقة الحوارية، التي هي فضاء النص الحقيقي.
ثالثا: المكان بوصفه إيديولوجيا - قراءة في جغرافيا السلطة
يستحق المكان في هذا النص وقفة نقدية مستقلة، إذ لا يُؤدي وظيفة الخلفية "الديكورية"، بل يُؤدي وظيفة الفاعل الإيديولوجي. وهذا ما يقترحه هنري لوفيفر في "إنتاج الفضاء" حين يُقرر أن الفضاء ليس محايدا، بل هو نتاج علاقات اجتماعية وتعبير عنها في آنٍ واحدٍ.
تتوزع أمكنة النص إلى ثلاث مستويات:
ـــ المستوى الأول: المدينة - وهي مكان السلطة والمتعة والاستهلاك. غير أنها ليست مدينة بالمعنى الحضاري - ليس فيها ما يُحيل إلى التمدّن بوصفه قيمة - بل هي تجمع بشري يُنظّم توزيع المتعة والحرمان بحسب التراتبية الاجتماعية.
ـــ المستوى الثاني: الشاطئ - وهو الفضاء الحدّي الذي يجمع الماء واليابسة، ويُمثّل في النص فضاء الانفلات المُقنَّن: حيث تتجلى السلطة في صورتها الأكثر عريا، لكن على هامش المدينة لا في مركزها. وهذا ما يُذكّرنا بما يقوله فوكو في "الجنسانية والسلطة" عن الأماكن التي تُتيح السلطةُ فيها انتهاك قواعدها بوصفه آليةً لإعادة إنتاجها.
ـــ المستوى الثالث: الربوة - وهي المكان الوحيد الذي يخص الشخصيتين المُهمَّشتين. والربوة في التراث الرمزي مكانٌ مزدوج الدلالة: علوّ يوحي بالتسامي، وجرد يوحي بالحرمان. بوطيب يجمع الدلالتين من دون أن يحسم بينهما، وفي هذا التعليق الدلالي تكمن براعة الكاتب.
والسؤال الذي تُثيره هذه الجغرافيا الرمزية: هل الربوة خارج المدينة مكانٌ للمقاومة أم للإقصاء؟ أم أنها - وهذا ما يميل إليه النص- فضاء مُلتبس، لا هذا ولا ذاك، وهو ما يجعله أكثر صدقا من أي تصوير ثنائي مُبسَّط؟
رابعا: السلطة وتوزيع الأجساد - نحو قراءة فوكوية
يُقدّم بوطيب في نصه ما يمكن قراءته بوصفه رسما توزيعيا للأجساد، بحسب موقعها من السلطة. وهذا الرسم يستحق استشكالا نقديا دقيقا في ضوء ما أرساه ميشيل فوكو في المجلد الأول من "تاريخ الجنسانية".
يُقرر فوكو أن السلطة في العصر الحديث لا تعمل بالقمع الظاهر فحسب، بل تعمل أيضا عبر تنظيم الأجساد، وتوزيع المتع، بطريقة تُعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية. ما يُقدّمه النص يتقاطع مع هذا المفهوم، مع فارق جوهري: فوكو يتحدث عن مجتمعات حداثية، بينما بوطيب يرسم مجتمعا يتعايش فيه نظامان: نظام العشيرة التقليدي ونظام المدينة الحديثة، ومن تقاطعهما يُولد شكل فريد من أشكال الهيمنة لا تُغطيه الأطر الفوكوية الخالصة.
والأكثر إثارة للتساؤل في هذا السياق، هو موقف الصديق الصامت، الذي كان في مرحلة سابقة حارسا لعربات أولئك الذين يستهلكون ما لا يملكه. هذه الوضعية تستدعي مفهوم الهيمنة الثقافية عند أنطونيو غرامشي، لكنها تستدعي أيضا - وهذا ما لا يُشار إليه عادةً - مفهومَ الوكالة المُقيَّدة عند هومي بابا: فالمُهمَّش ليس دائما واعيا بهيمنته، ولا هو فاقدها كليا، بل هو يتحرك في فضاء وسيط تختلط فيه الموافقة والمقاومة.
غير أن السؤال الذي يستحق الاستشكال المضاد هو: هل القراءة الفوكوية كافية هنا؟ قد يُقال إن فوكو نفسه تعرّض لنقد مشروع من نانسي فريزر، التي أشارت إلى أن مفاهيمه تفتقر إلى معيار معياري؛ أي إنها تصف الهيمنة من دون أن تمنحنا أساسا للحكم عليها. وهنا يتجاوز بوطيب فوكو بخطوة: فالنص لا يصف التراتبية فحسب، بل يُقدّمها من منظور المهمَّشين أنفسهم، مما يُضمّن الوصفَ حكما ضمنيا أكثر حدة من أي تصريح.
خامسا: الجوع بوصفه مقولة فلسفية
ثمة جملة في النص تستحق وقفة تحليلية مطوّلة: "لم يشعر بحرقة الجوع يوما، فقط لأنه لم يشبع من طعام يوما". هذه الجملة، في تركيبها المتناقض ظاهريا، والمتماسك باطنيا، تُعبّر عن ظاهرة وصفها أماريتا سن في "التنمية بوصفها حرية" بمفهوم الأفضليات المتكيّفة (Adaptive Preferences): حين تُقلّص الظروف القاسية توقعات الفرد حتى يتوقف عن الشعور بحرمانه، لأن الإحساس بالحرمان يستلزم تصورا مسبقا لما يمكن أن يكون عليه الوضع.
لكن بوطيب يُضيف بُعدا يتجاوز السن: فالجوع في النص ليس وحيدا، بل هو جزء من منظومة حرمان متعددة الأبعاد تشمل الجوع المادي، وجوع الانتماء، وجوع الكرامة، وجوع الطفولة المُستلَبة. وهذا ما يُقارب ما طوّره أكسيل هونيث في "الصراع من أجل الاعتراف": أن الجرح الإنساني الأعمق، ليس جرح الجسد، بل جرح عدم الاعتراف؛ حين لا يرى المجتمع فيك إنسانا كاملا.
والسؤال النقدي المشروع هنا: هل يُوفَّق النص في تمثيل هذا الجوع المتعدد من دون أن يقع في فخ الاختزال العاطفي؟ أي: هل يُحلّل أم يُثير الشفقة فقط؟ والإجابة أن الصياغة اللغوية المتوترة والبعيدة عن الإفاضة الوجدانية تُبقي النص في دائرة التحليل أكثر من الإثارة.
سادسا: الزمن الدائري أو تكرار العدم
يشتغل النص على بنية زمنية لافتة، تتجاوز الخطية السردية نحو ما يمكن وصفه بـالزمن الدائري المأساوي. وهذا النوع من الزمن يُذكّر بما يُسمّيه نيتشه "العود الأبدي"، لكن ليس بوصفه تأكيدا للحياة كما أراد نيتشه، بل بوصفه سجنا: تكرار الحرمان ذاته، في المكان ذاته، عبر أجيال متعاقبة.
والدليل على هذه الدائرية في النص هو الطفل ذاته: فحين يظهر الطفل الجائع جاذبا الصديق من سرواله، نحن لا نشهد مجرد لقاء بشري، بل نشهد تكرارا رمزيا: الصديق كان طفلا مثله، جائعا مثله، خائفا مثله... والطفل سيكبر ليصبح صديقا آخر يقف على ربوة أخرى.
هذا التكرار الدائري يستدعي مفهوم القدرية البنيوية، التي يُنظّر لها بيير بورديو في "إعادة الإنتاج": آليات تُعيد المجتمعاتُ عبرها إنتاجَ تراتبياتها عبر الأجيال. غير أن بوطيب - وهنا يتجاوز التشخيص البورديوي الصرف - يُبقي نافذة صغيرة مفتوحة في آخر النص: جملة الصديق الأخيرة ليست استسلاما، بل اقتراحا بديلا: النوم فوق الربوة، اقتيات الأحلام. وهذا البديل - وإن بدا هشا - يُشير إلى ما يُسمّيه إرنست بلوخ في "مبدأ الأمل" الطوبى الملموسة: ليست حلما مجردا، بل هي فعل خيال مقاوم في مواجهة واقع يسدّ الآفاق.
سابعا: في حدود النص ومواطن التساؤل
لا تستقيم القراءة النقدية الأكاديمية من دون الإشارة إلى مواضع التساؤل والإشكال في النص ذاته. وهنا لا تُقصد إدانة بل مساءلة منتجة:
ـــ الإشكال الأول، يتعلق بتمثيل الشخصيات النسائية في النص. يُمثَّل الجسد الأنثوي بوصفه موضوعا للاستهلاك والتنازع بين السلطة والهامش، من دون أن تحمل أي شخصية أنثوية صوتا أو وعيا أو فاعلية مستقلة. هذا التمثيل - وإن كان يُريد إدانة الاستغلال - قد يقع بحسب نقاد الدراسات النسوية كـسيمون دو بوفوار ومن بعدها جوديث بثلر في فخ تثبيت الموضعة، التي يُراد انتقادها: إذ إن نقد اختزال المرأة في الجسد لا يستقيم إذا ظل التمثيل السردي يُكرّس هذا الاختزال بدلا من تفكيكه.
ـــ الإشكال الثاني، يتعلق بمفهوم "العشيرة"، الذي يظهر بوصفه فاعلا جماعيا مُتجانسا. غير أن التحليل الأنثروبولوجي - كما يُقدّمه إيفانز بريتشارد في دراسته عن القبائل، أو إرنست غيلنر في "الأمة والقومية" - يُشير إلى أن التجمعات القبلية والعشائرية تنطوي بدورها على تراتبيات داخلية وصراعات معقدة، وأن اختزالها في صورة واحدة قد يُبسّط ديناميكيات أكثر تركيبا.
ـــ الإشكال الثالث، وهو الأكثر أدبية، يتعلق بالتوازن بين الشعرية والرسالة. يميل النص في بعض مقاطعه نحو الإيضاح الزائد، وكأن الكاتب لا يثق بقدرة الصورة وحدها على الإيصال، فيُضيف تعليقا تفسيريا، وهذا ما ينتقده فلوبير في رسائله حين يُقرر أن العمل الفني الناضج هو الذي يُخفي مقاصده، لا الذي يُعلنها. غير أن هذا الانتقاد ذاته يستدعي مراجعة في السياق: فقد تكون "الإضاءة الزائدة" خيارا جماليا واعيا لدى كاتب يكتب لجمهور متنوع، وهو ما يُذكّرنا بما يقوله أمبرتو إيكو في "القارئ النموذجي": إن كل نص يبني قارئه الخاص، وقارئ بوطيب النموذجي ليس بالضرورة قارئا أكاديميا متخصصا.
خاتمة: النص بين المرجعية والاستقلالية
يحتل نص بوطيب "طفل... والمدينة العاهرة" موقعا نقديا خاصا يصعب تحديده بدقة، وربما في هذه الصعوبة تكمن قيمته الأدبية الحقيقية. فهو نص يستدعي الحوار مع المرجعيات الفكرية الكبرى - فوكو وبنيامين وبلوخ وبورديو وغيرهم - من دون أن يكون امتدادا لأي منها. وهو نص يُحاكي المرجعية التراثية العربية في إيقاعه وصوره، من دون أن يكون استنساخا لها.
ما يُميّز هذا النص - وهو ما تُقدّره القراءة النقدية الجادة - هو قدرته على أن يكون شاهدا في آنٍ واحد على مستويات متعددة: شاهدا اجتماعيا على هشاشة الهامش، وشاهدا نفسيا على آليات التكيّف مع الحرمان، وشاهدا جماليا على إمكانية أن تُحمل هذه الشهادات في نص أدبي يبقى نصا لا وثيقة.
ولعل من أعمق الأسئلة التي يُثيرها النص - ولا يُجيب عنها - ما يأتي:
هل يمكن للكتابة أن تُغيّر ما تصفه؟ وهل الشهادة الأدبية فعل مقاومة أم فعل توثيق؟ وأين الحدّ بين نقد الظلم وإعادة إنتاجه في اللغة ذاتها؟
هذه أسئلة لا يُجيب عنها بوطيب، ولا يجب أن يفعل. فمهمة الأدب - كما يُقرر موريس بلانشو - ليست الإجابة، بل الإبقاء على السؤال حيا.
"تُقدَّمُ هذه القراءة بوصفها مقاربة أولية تستدعي الحوار النقدي والمراجعة، إذ لا تزعم الإحاطة الكاملة بالنص القصصي المقارَب".
د. آمال بن الطاهر / المغرب
ـــــــــــــــــــــــــــ
القصة القصيرة
طفل... والمدينة العاهرة / عبد الرحمن بوطيب
خرج إلى ظاهر مدينته القاحلة... سرح الطرف بعيدا، وهو يعتلي ظهر ربوة جرداء... رفع وجهه إلى أعلى، نظر بعمق إلى وجه السماء... صفحة زرقاء صافية، طلقتها الغيوم منذ سبع سنوات عجاف... كل الغيوم تجمعت بلؤم في أعماقه...
أعماقه لا تمطر كما تمطر السماء في سنوات الخصب والرواء... شرد ذهنه به بعيدا إلى طفولة لم تنعم بطفولة ككل أطفال شيوخ العشيرة... جره الطفل الصغير من سرواله المهترئ، شعر باليد الصغيرة تجذب طرفا من كسائه البالي... أنزل بصره من علياء، التقت العيون... ابتسم الطفل... لم يبتسم للطفل... الشرود يلازمه ليل نهار.
ـــ صديقي... الشمس تغرب، والمدينة بعيدة، والجوع يأكل مني المعدة والأمعاء.
لم يشعر بحرقة الجوع يوما، فقط لأنه لم يشبع من طعام يوما... الجوع لا يشعر به إلا شيوخ العشيرة... المترفون، يجوعون ليل نهار... شيخ العشيرة بالمدينة الغول يجوع... يشتد به الجوع كلما لمح حوله صبيات... الصبيات لذيذات، ولو أنهن نحيلات... في حضنه ينعمن بطيب طعام... ولذيذ شراب... تمتلئ منهن الأرداف... تكتنز النهود... تتصلب... النهود الصغيرة المكتنزة الصلبة تنغرس في الصدر المعشوشب القاحل... رحيق الشفاه القرمزية يغذي العروق الزرقاء الناتئة... التنعم بالخيرات يزيد في العمر، ويبارك الصحة.
ـــ صديقي... الشمس غربت... والمدينة بعيدة... والنصب أخذ مني مأخذه.
لم يحلم يوما في حياته البليدة بلحظة تَطَهُّرٍ بمنظر غروب... كل شموسه من يوم مولده غاربة... لم ير في حياته شمسا مشرقة.
مرة مرة، يتذكر كيف كان يراقب شيوخ العشيرة يصطفون على جنبات شاطئ المدينة الكئيبة... يحضنون صبايا ناهدات وعديدَ دنان ساخنة... يرتشفون رحيق نهود لذيذات، ويقضمون شفاها مكتنزة صلبة... يغازلون الشموس الغاربة... كان يحرس عرباتهم الفاخرة... ويحرسهم... ولم يكن يحرس نهودا نافرة ولذيذَ شفاه جائعة... ما الفائدة من حراسة جثت تهيم على وجوهها في دروب المدينة العاهرة نهارا... وترتخي بين أحضان داعرة مهترئة جائعة ساعة غروب على هامش مظلم من شاطئ مدينة عاهرة.
ـــ صديقي... الليل خيم... والمدينة بعيدة... وأنا خائف من ذئاب برية.
كانت آخر مرة شاهد فيها ذئبا بريّا يومَ خرج في موكب شيخ العشيرة المستمتع بخرجةِ صيدِ وحوشٍ برية... وصبياتٍ مَدينية... من بين جمع صبيات مدينيات ناهدات خرج الذئب يتحسس كرشه المنتفخة... يمتص الشفاه منه، وقد تلونت بحمرة لذيذة... نهود الصبيات تتقاطر سائلا أحمر لزجا... الشفاه ترتعد... الأرداف تتراقص على صفيح بارد... الذئب يبتسم... يعانق آخر عجيزة عذراء... ويختفي في الظلام.
كل الذئاب البرية تغرق في وليمة العرس الكبير ليلا بعد غروب... الطفل يجر صديقه من سرواله المهترئ... الليل لا شمس فيه... المدينة العاهرة ليست بعيدة كما يظن طفل صغير... الصبيات يَهِمْنَ على وجوههن تحت سماء سوداء قاحلة... شيوخ العشيرة يرحبون بالذئب الضيف الكبير... النهود الصغيرة المكتنزة الصلبة ترتخي تحت الصدور المعشوشبة... الشفاه القرمزية الشاحبة تمتص السائل الأبيض اللزج المتدفق من أعواد عوجاء... المدينة الحزينة لا تبتعد... جنبات الشاطئ لا ترتعد... الدنان ترتمي في حضن الدنان... الطفل الصغير الجائع المرهق الخائف من الذئاب البرية يتكور... ينام جوار نعل صديق منتصب القامة على ظهر رابية خارج مدينة ساهرة كان ذات أيام يحرس فيها عربات فارهة... ما كان يهتم بحراسة أرداف مرتخية، ما امتص شفاها قرمزية ذات ليلة على شاطئ مظلم من مدينة عاهرة...
ـــ صديقي الصغير، ما رأيك في أن ننام الليلة هنا فوق رابية شامخة... نقتات بعضَ ذكريات وأحلام... لا خوف علينا... الذئاب لن تأتي... السهرة في المدينة مستمرة إلى صباح لا تطلع فيه شمس؟
عبد الرحمن بوطيب / المغرب
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟