أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - [ سيرة وفاء ] {الكبيرة بنت عبد الرحمن بوطيب الأم الراحلة بعد قرن من عذابات وصمود} كما تتجلى في المنجز الإبداعي والذاكرة الإنسانية لابنها عبد الرحمن بوطيب















المزيد.....

[ سيرة وفاء ] {الكبيرة بنت عبد الرحمن بوطيب الأم الراحلة بعد قرن من عذابات وصمود} كما تتجلى في المنجز الإبداعي والذاكرة الإنسانية لابنها عبد الرحمن بوطيب


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 22:18
المحور: الادب والفن
    


ليست الأم الراحلة "الكبيرة" في سيرة عبد الرحمن بوطيب مجرد أمٍّ تنتمي إلى سجل العائلة، ولا اسما يمرّ في هامش السيرة الشخصية؛ إنها، في العمق، واحدة من الشخصيات المؤسسة للوعي الذي تشكّل منه ابنها، ومن ثمّ فإن استعادتها بعد رحيلها ليست استعادةً لشخص غائب فحسب، وإنما استعادة لجذر من جذور التجربة الإنسانية والإبداعية.
"الكبيرة بنت عبد الرحمن بوطيب" امرأة مغربية من جيل حمل أثقال الحياة أكثر مما حملت الحياة إليه من أسباب الراحة، تنحدر الأسرة من أحواز مراكش، ولم تتح لها فرصة التعليم العصري، لكنها امتلكت نوعا آخر من المعرفة: معرفة الحياة، ومعرفة الصبر، ومعرفة تدبير المستحيل حين تكون الأسرة كبيرة والموارد قليلة والظروف أقسى من الاحتمال.
لقد كانت أما لأربعة عشر ابنا وبنتا، ولذلك لم تكن الأمومة عندها حالة عاطفية فقط؛ كانت مسؤولية يومية، وكفاحا متصلا، وقدرة على حماية الأسرة من الانهيار وسط إكراهات الحياة.
ومن هذه التجربة بالذات يبدو أن عبد الرحمن بوطيب تلقّى، في وقت مبكر جدا، درسه الأول في معنى الصمود.
كان يمكن أن تكون "الكبيرة" شخصية عابرة في ذاكرة أحد أبنائها، لولا أن أثرها تجاوز حدود الذكرى إلى تكوين الرؤية، فالأم التي عاش ابنها بالقرب من تعبها، وشهد صبرها، وعرف تفاصيل صراعها مع الحياة، لا تغيب بمجرد غياب الجسد؛ إنها تستمر في اللغة، وفي الذاكرة، وفي طريقة النظر إلى الإنسان والعالم.

الأم بوصفها سيرة قرن:
حين نقول إن الكبيرة عاشت قرنا من العذابات والصمود، فنحن لا نستعمل العبارة بوصفها مبالغة وجدانية، وإنما بوصفها مفتاحا لقراءة جيل كامل من النساء المغربيات اللواتي عشن التحولات الكبرى دون أن يكنّ بالضرورة في قلب كتابة التاريخ الرسمي.
لقد عاصرت الكبيرة زمنا تغيرت فيه البنية الاجتماعية، وتبدلت فيه أنماط العيش، وانتقلت الأسرة المغربية من شروط تقليدية شديدة القسوة إلى عالم أكثر انفتاحا وتعقيدا، لكنها، مثل كثير من نساء جيلها، لم تكن تملك ترف الوقوف خارج التاريخ لتراقبه؛ كانت تعيش التاريخ في جسدها وبيتها وأبنائها.
ومن هنا تصبح سيرتها سيرة امرأة وسيرة جيل في الوقت نفسه.
هي سيرة المرأة التي لم يكن التعليم الحديث متاحا لها، لكنها علّمتْ أبناءها من خلال الممارسة.
سيرة المرأة التي لم تكتب الكتب، لكنها تركت في أبنائها نصوصا من نوع آخر.
سيرة المرأة التي لم تدخل فضاء الثقافة من أبوابه الرسمية، لكنها صنعت، بصبرها اليومي، الإنسان الذي سيصبح لاحقا أديبا وناقدا ومشتغلا بالشأن الثقافي.

"الكبيرة" في الوعي الإبداعي لعبد الرحمن بوطيب:
من الصعب قراءة التجربة الإبداعية لعبد الرحمن بوطيب بمعزل عن ذلك المخزون الإنساني العميق الذي تشكل في البيت الأول: بيت الأم، والأسرة الكبيرة، والاحتكاك المبكر بقسوة الواقع، فالكتابة عنده ليست منفصلة عن التجربة؛ وهي، في جانب أساسي منها، محاولة لاستعادة ما يوشك على الضياع: الأشخاص، الأمكنة، الوجوه، الأزمنة، واللحظات التي صنعت الذات قبل أن تتحول إلى كاتب.
ولهذا فإن حضور "الكبيرة" لا ينبغي البحث عنه فقط في نص مباشر يحمل اسمها؛ فالأم قد تكون حاضرة بطريقة أكثر عمقا حين تتحول إلى قيمة سردية ووجدانية: في معنى الصبر، وفي استعادة الطفولة، وفي الذاكرة العائلية، وفي استحضار الإنسان البسيط الذي قاوم كي يستمر.
إنها الأم التي تتحول من شخصية عائلية إلى أصل رمزي.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى كثير من هواجس الكتابة عند عبد الرحمن بوطيب باعتبارها متصلة بذلك السؤال القديم الذي يبدأ من البيت: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يرحل؟ وكيف يمكن للكلمات أن تمنح الراحل إقامة أخرى في الذاكرة؟
الأم التي صنعت معنى المقاومة:
لم تكن "الكبيرة" بطلةً بالمعنى التقليدي للبطولة؛ لم تحمل سلاحا، ولم تقف على منصة، ولم تكتب بيانا، كانت بطولتها في شيء أكثر صعوبة:
أن تستمر... أن تستمر في رعاية أربعة عشر ابنا وبنتا.
أن تستمر رغم قسوة الظروف.
أن تستمر حين يكون التعب يوميا ولا يجد من يصفه.
أن تستمر حتى يصبح الصمود عادة، ويصبح احتمال الألم جزءا من طبيعة الحياة.
وهنا تكمن القيمة الإنسانية الكبرى لهذه السيرة.
فالمرأة التي تصمد أمام الحياة بهذا القدر لا تمنح أبناءها الطعام والمأوى فقط؛ إنها تمنحهم، من حيث لا تدري، فلسفة كاملة في مواجهة الوجود.
ومن رحم هذه الفلسفة يمكن فهم العبارة التي تلخص أثرها في ابنها: أنه «رضع من ثديها أن الحياة صراع وثبات وإصرار على النجاح رغم الإكراهات».
إنها ليست استعارة عاطفية وحسب؛ إنها خلاصة تربية كاملة.

الصورة الأخيرة: حين تصبح القبلة نصا:
الصورة تختصر، ربما أكثر من صفحات كثيرة، لحظة من هذه السيرة.
ابن ينحني على أمه، وهي في لحظة رحيل إلى قبر، يقبّلها القبلة الأخيرة بتأثر بالغ.
في المشهد انقلاب جميل للأدوار: الأم التي حملت ابنها يوما، صار الابن يحمل عنها شيئا من ثقل اللحظة... هنا تتحول الصورة إلى نص صامت.
إنها لا تقول فقط: «هذا ابن يودع أمه»، وإنما تقول أيضا: هذا ابن يعيد إليها بعض ما أعطته له طوال حياته.
الأم التي كانت مصدر الأمان تصبح في حاجة إلى ذراع الابن.
والابن الذي خرج من حضنها يعود إليها في اللحظة الأخيرة.
وبين البداية والنهاية يكتمل قوس العمر.
لذلك تبدو الصورة أشبه بخاتمة بصرية لسيرة طويلة:
بدأت بالحضن، وانتهت بالحضن.

وفاء الابن لأمه:
الوفاء، هنا، ليس مجرد عنوان جمالي؛ إنه المعنى الأعمق للمشروع كله.
فالوفاء للأم الراحلة لا يكون بالبكاء وحده، ولا بتعداد مناقبها، وإنما بمنحها حقها في الذاكرة... أن تتحول حياتها التي عاشتها في صمت إلى شهادة مكتوبة، وأن يصبح ألمها جزءا من التاريخ الإنساني للعائلة، وأن يعرف الأبناء والأحفاد أن وراء كل سيرة نجاح سيرة أخرى غالبا ما بقيت في الظل.
إن عبد الرحمن بوطيب، حين يستعيد أمه الراحلة "الكبيرة"، لا يستعيد أمه وحدها؛ إنه يستعيد المرأة المغربية المكافحة، ويستعيد جيلا من الأمهات اللواتي صنعن الحياة من داخل الهامش، دون أن يطلبن اعترافا.
وهنا تلتقي السيرة الشخصية بالسيرة الجماعية.

من الأم إلى الرمز:
بعد رحيل "الكبيرة"، لم تعد المسألة متعلقة بجسد غاب؛ فقد انتقلت الأم إلى مستوى آخر من الحضور.
أصبحت ذاكرة.
وأصبحت سؤالا.
وأصبحت جزءا من تكوين ابنها.
وربما كان أجمل ما يمكن أن يقال عن أم كهذه أن أبناءها، مهما تقدم بهم العمر، يظلون يحملون شيئا من طفل الأم الأول في داخلهم، ولذلك فإن رحيلها لا يغلق العلاقة؛ بل يغيّر شكلها.
بعد الموت لا يعود الابن قادرا على مخاطبة أمه بالصوت، فيخاطبها بالذاكرة.
ولا يستطيع أن يمسك يدها، فيمسك صورتها.
ولا يستطيع أن يعيد إليها زمنها، فيعيد إليها حضورها بالكلمات... وهنا تبدأ السيرة الثانية للأم: سيرتها في ذاكرة الابن.

"الكبيرة" التي لا تموت تماما:
رحلت "الكبيرة" بعد قرن تقريبا من الحياة، لكن قرنا من الحياة لا يمكن أن ينتهي في يوم واحد، فالأم لا تموت بالكامل حين يموت جسدها؛ يبقى منها ما زرعته في أبنائها، وما تركته في البيت، وما حفظته الذاكرة، وما يستطيع الأدب أن ينقذه من النسيان.
لهذا فإن «سيرة وفاء» ليست مرثية للأم بقدر ما هي استرداد لحقها في الوجود الرمزي.
إنها سيرة امرأة لم تكن مشهورة، لكنها كانت عظيمة في مجالها الخاص: مجال الحياة اليومية، والتضحية، وتربية الأبناء، واحتمال الألم، ومقاومة الانكسار.
وإذا كان عبد الرحمن بوطيب قد اختار الكتابة طريقا لمواجهة النسيان، فإن استعادة "الكبيرة" تبدو امتدادا طبيعيا لهذه الكتابة: فالكاتب هنا لا يكتب عن أمه فقط، بل يكتب عن اليد التي صنعت أول ملامس الحياة، وعن الصوت الذي علّمه الصبر، وعن المرأة التي سبقت النص وكانت، بطريقة ما، أحد نصوصه الأولى.
رحلت الكبيرة...
لكنها تركت وراءها أربعة عشر شاهدا على وجودها، وتركت في أحد أبنائها كاتبا يحمل شيئا من سيرتها في وعيه وكتابته.
هكذا تتحول الأم من امرأة عاشت قرنا إلى ذاكرة تعيش بعد القرن.
وهذا، في النهاية، هو المعنى الأعمق للوفاء:
أن نمنح الراحلين حياة أخرى حين نعجز عن إعادتهم إلى الحياة الأولى.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأديبة السودانية الأستاذة زكية أحمد عيسى (أم تاجوج) في حوار ...
- «عبد الرحمن بوطيب / من تعدد الكتابة إلى وحدة المشروع: تطور ا ...
- (الكتابة على حافة الآخر: في فلسفة التواشج الشعري، في ديوان - ...
- [من شعرية الهامش إلى أنطولوجيا الإنسان الجريح: مقاربة سردية ...
- شرارات بنيات قصيدة النثر الحداثية الكامنة في ديوان عبد الرحم ...
- -تجربة الشاعر عبد الرحمن بوطيب: القلق الوجودي، وهندسة السطر ...
- (قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا الحرمان، في القصة القصيرة ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- رمزية تآويل رماد فاطمتنا الخنسائية: تنوع عابر لحدود بين أنوا ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- قراءة نقدية تقديمية للنص الشعري النثري: أنا والمطر، للشاعرة ...
- قراءة موجزة في النص النثري الفني -موتُ الحياةِ في طفولةِ رجل ...
- عبد الرحمن بوطيب: سادن الضاد وهندسة الرؤى الثقافية / شخصيةال ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- طفل... والمدينة العاهرة / قصة قصيرة
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- رسالة مهجورة على كرسي أعرج أمام مكتب قديم / قصيدة نثر حداثية


المزيد.....




- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - [ سيرة وفاء ] {الكبيرة بنت عبد الرحمن بوطيب الأم الراحلة بعد قرن من عذابات وصمود} كما تتجلى في المنجز الإبداعي والذاكرة الإنسانية لابنها عبد الرحمن بوطيب