عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 16:52
المحور:
الادب والفن
محاور الورقة:
1/ من حد التجنيس الصريح، إلى حد التجنيس المسكوت عنه: (مشروعية التجنيس في إطار النوع الشعري "ق ن ح").
2/ تجليات بنيات" ق ن ح" في الديوان: من البنية، إلى الدلالة، إلى الجمالية:
أ ـــ مظاهر الرهانات الحداثية: ثورة الهدم والبناء في المحمولات الدلالية.
ب ـــ شعرية ثورة تكسير البنيات الفنية الجمالية للقصيدة العربية: (المعمار / المعجم / الصورة / الرمز / الأسطورة / الوحدة العضوية / الوحدة الموضوعية / الغموض الدلالي / الإيقاع...).
3/ خلاصات تركيبية.
ـــــــــــــــــــــــ
مداخل:
1/ أهداف الورقة:
(الديوان موضوع الدرس يحمل في طياته "رؤيا شعرية" فريدة تؤسس معالم "تجربة شعرية" خاصة).
تهدف هذه الورقة إلى محاولة التحقق من فرضيات قراءة تلامس حد التجنيس، وحد الاستدلال على شعرية بنيات قصيدة النثر الحداثية كما هي متجلية في المتن حسب هذه المقاربة.
أهداف الورقة هذه تتأسس على تصور مفترَض ابتدائياً ينطلق من أن الديوان موضوع الدرس يحمل في طياته "رؤيا شعرية" فريدة تؤسس معالم "تجربة شعرية" خاصة، بكل ما تحمله هذه الصفة من دلالات مشيرة إلى تكامل تعبيري فني نسقي مستشف من مفردات الديوان البالغة اثنتين وثلاثين قصيدة.
ـــــــــــــــــــــــ
2/ فرضيات القراءة:
أ/ (مشروعية التجنيس الموازي).
ب/ (المتن المدروس يحمل في طياته رؤيا شعرية واضحة تؤسس تجربة شعرية بكرية فريدة نوعها تحكمها قناعات فكرية ومؤسِّسات نقدية خاصة بالمبدع عبد الرحمان بكري).
ج/ (الديوان في جملته الفنية التعبيرية الجمالية المدركَة المقصودة من طرف المبدع بكري مشروعٌ أنطولوجي حداثي تنويري يسكنه هاجس ثورة الهدم والتأسيس، والتجنيس، والتأصيل، والهدم اللاحق).
ـــــــــــــــــــــــ
أ ـــ الفرضية الأولى تنطلق من قناعة شخصية بمشروعية التجنيس الموازي المنتظر من المتلقي المفترض، تجنيس يتناغم مع التجنيس الصريح العام المعلن عنه من المبدع بكري عقدَ قراءة بينه مرسلا وبين ومتلقي إبداعه متفاعلين، وتمتد هذه الفرضية إلى تصنيف معين في إطار متغيرات بنيات القصيدة العربية المشهودة تاريخيا.
ب ـــ الفرضية الثانية تنطلق من أن المتن المدروس يحمل في طياته رؤيا للعالم شعرية، واضحة، تؤسس تجربةً إبداعية بكرية فريدةَ نوعها، تحكمها قناعات فكرية ومؤسِّسات نقدية خاصة بالمبدع عبد الرحمان بكري الذي يقع بين حد الشاعر وحد الناقد، وإن غلب لديه الفعل الإبداعي على الفعل النقدي.
ج ـــ الفرضية الثالثة تنطلق من أن الديوان في كليته الفنية التعبيرية الجمالية المدركَة المقصودة من طرف المبدع بكري هو مشروعٌ أنطولوجي حداثي تنويري يسكنه هاجس ثورة الهدم، والتأسيس، والتجنيس، والتأصيل، والهدم اللاحق المعبر عن موقف شخصي ذاتي متفرد، منسجم مع تصورات فلسفية، وفكرية، وأدبية مؤمنة بحتمية التغيير الهادف إلى بناء الإنسان الواعي المسؤول المنخرط طواعية في نضال بناء مجتمع الإنسان بكل ما تحمله الدلالة المصطلحية "الإنسانية" من كرامة واجبة، وحقوق مشروعة، ومسؤوليات لازمة.
ـــــــــــــــــــــــ
= أولا: باب التجنيس:
(من حد التجنيس الصريح، إلى حد التجنيس المسكوت عنه: مشروعية التجنيس في إطار النوع الشعري "ق ن ح").
عبد الرحمان بكري شاعر مبدع يسكنه ناقد عميق...تجنيس المتن - كما جاء في غلاف الديوان - تجنيس صريح، عام، مراوغ،
"شرارات كامنة... شعر"، هكذا بشعرية كلمة واحدة ذكية ترهن المتلقي في قفص الاجتهاد من أجل إشراكه ضمنيا في عملية تجنيس المتن وتصنيفه في إطار شكل شعري، أو اتجاه شعري، أو مدرسة شعرية في زمن تعدد الرؤى وتشعبها واختلافها المحمود حول إشكالات قضية ماهية الشعر وأشكاله الفنية التعبيرية العديدة كما عرفتها القصيدة العربية منذ نشأتها إلى هذه الساعة.
هذا التجنيس العام الذكي لا يعفي الشاعر بكري من التصريح النقدي الكاشف في سياق تعريفه الشعرَ، وهو الشاعر المبدع المسكون بهموم نقدية، يقول:
(يقول أبو حيان التوحيدي: "أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظمٍ كأنه نثرٌ، ونثرٍ كأنه نظم".
المقصود بالكلام هنا هو الشعر الذي يجمع بين النظم أي الوزن، وبين النثر أي السرد. ولعمري أن هذه رؤية ثاقبة، ونظرة استباقية تخترق بنيتي الزمان والمكان، وتتماهى مع جوهر الشعر وماهيته في كل مساراته وحراكه، فكانت استلهاما لي في هذه التداعيات الخاصة.
الشعر أكان قولا معربا، أم لفظا عاميا، هو ما قام على النفاذ في المعنى، واستقام في الإفصاح على المغزى، وانبثقت ذائقته من تجسيد يعانق الرؤيا، وأطيبُه ما كان لمنظومة القيم ألصقَ وأبهى.
الشعر هو كلام تهتز له القلوب في عمق صور ذهنية أو مادية أو حسية، وترتاح له الأذن في جَرْس الإلقاء ومعمار بنيته النصية، هو نداء القريحة الداخلي في صدق المحاكاة وما تنضح، وحين تنتشي الكلمة في بحور البلاغة فتفصح، يعكس تجارب حياتية بسياقات متعددة، وبتعابير متجددة، ترسم أحوالَ الإنسان الشاعر وعوالمَه وتفاعلَه في المكابدة والانعتاق والارتقاء...).
(الشعر أسلوب في الحياة، لم يكن الشعر يوما أبياتا وقصائد ودواوين، ولا مجالا للتباهي والتحرش والتنابز، ولا مناسبةً لتصفية حسابات ذاتية ضيقة، ولا جدادةً لتكريس النعرات والنميمة الحادة، ولا مذهبا لتكرار التجارب واجترار المواقف السابقة.
الشعر أسلوب حياة بزخمها وتفاصيلها... رسالة محبة وحضارة... انتماء لمعسكر الحلم والسلم والتسامح، يعبد الطريق نحو الاكتمال، ويتدثر بوشاح البساطة والتواضع.
وبذلك يكون الشعر عبارة عن رؤيا في الحياة، وأسلوبا في التعاطي الإيجابي مع واقع عيشنا المشترك، ومساهمة في بناء لبنات المرفق العام، يختزل خبرات روحية، أو سيكولوجية، أو وجودية مكتنزة في البنيات والأنساق المخاتلة للنصوص الكتابية الإبداعية).
+ تأسيسا عليه، نخلص إلى أن الشاعر عبد الرحمن بكري يؤطر متنه الشعري في إطار التجربة الشعرية النثرية الحداثية بكل عناصر شعريتها الكائنة والممكنة...
ومن نصوص ديوانه الشعرية نقف على محمولات دلالية، وعلى حوامل فنية تعبيرية جمالية دالة كما سيأتي بيانه.
ـــــــــــــــــــــــ
= ثانيا: باب تجليات بنيات" ق ن ح" في الديوان:
من البنية، إلى الدلالة، إلى الجمالية، إلى الغائية التواصلية:
أ ـــ بنيات الرهانات الدلالية الحداثية: هي مظاهر ناطقة من تحت رماد بشرارات كامنة حبلى بحمولة رؤيوية صدامية، غير مهادنة، هادمة، ثورية، تهدم منظومة قيم وبنى فوقيةً متحكمة في وجود الإنسان وحياته ومصيره.
ـــ المحمولات الدلالية التي تنطق بها نصوص الديوان يحكمها ناظم فكري فلسفي إيديولوجي معين، مؤسِّس لرؤيا شعرية للعالم ذاتية مفردة في مبتدئها، جمعية مشتركة مع طبقة اجتماعية وثقافية واضحة في خبرها، تُشَرْعِنُ إمكانية الحديث النقدي عن تشكّل "تجربة شعرية" بكرية خاصة متكاملة المكونات مائزة.
وخلخلة النصوص الشعرية تُمَكِّن من القبض على الشرارات الكامنة في جسد المتن، والمعبر عنها بشعرية عميقة، ومن أهمها كنويات مركزية:
= تتوزع المحمولات الدلالية التي تنطق بها نصوص الديوان على قطبين رئيسين تحكمهما شروط ذاتية وموضوعية.
أولهما هو قطب الذات البكرية الشاعرة المحكومة بشروط وضعها الاعتباري الإنساني في خصوصياته الذاتية، وهو رجل تعليم، مثقف، واع، ذو تجربة سياسية ونقابية وجمعوية لها وزنها الاعتباري في خندق الموقع اليساري البناء النظيف البعيد عن العدمية والانتهازية والوصولية.
وثانيهما هو قطب الوسط العام الذي تنغمس فيه الذات الشاعرة وتندمج تفاعليا مع كل مظاهر الاختلالات والإكراهات والخيبات المرصودة على صعيد العالم العربي، في عالم موسوم بسيطرة قوى تحكمية عالمية لها امتداداتُ ولاءٍ وتبعيةٍ على المستوى المؤسسي العربي، الواقع الذي ينعكس على كينونة الإنسان العربي انعكاسا تراجيديا يُقَوْلِبُ البنيةَ الذهنية الجمعية، ويشلّ قدراتها، ويعطل مسار ارتقائها في سلم الوعي الصحيح بذاتها، وبمحيطها.
تناغم الذات والموضوع - في علاقة جدلية - تجلى في المتن الشعري "شرارات كامنة" على مستوى البنيات الدلالية بحضور ناظم دلالي علائقي يُمَوْقِعُ الشاعرَ في خانة الذات الواعية بحتمية تكسير جدار الصمت، وشرعية هدم ما لزم هدمه من أجل الفعل البنائي لمشروع إنسان تتحقق فيه شروطه الإنسانية المهدورة.
هو منطلق الهدم الذي يسعى إلى خلخلة البنى الذهنية المحكومة بقيود الأمية والجهل والخضوع والخوف والاستسلام لقوى التحكم.
الشعر رافعة، يقول الشاعر في ورقة نقدية له:
(الشعر يعكس تجارب حياتية بسياقات متعددة، وبتعابير متجددة، ترسم أحوالَ الإنسان الشاعر وعوالمَه وتفاعلَه في المكابدة والانعتاق والارتقاء... وما يداوله من صور شعرية وبلاغة لغوية واندياحات ثقافية، موسومة (التجارب) بتذويت كتابة متفردة ومنفردة تنهل من تيمات وتمثلات لواقعها ومحيطها... وتساهم في تشييد نموذج أنسنة منفتحة على مدارج النسبية والمغامرة والتجاوز، ومتوشحة بخصوصيتها الممتدة نحو أفق كوني تؤمن بالتحول والتبدل في الأنساق والبنى، وتلتزم بقواعد الحداثة في الاختلاف والتقاطع على مستوى الذوق والفكر والقيم.
فبقدر ما يورق الكلام في مدائن البوح، يحيي النفوس والآمال، ويفتح الطريق نحو بلاغة التعايش والتسامح، وبقدر ما يؤثث حضوره منابر الفن والثقافة، يعلي من شأن الوجدان نحو ترسيخ قيم المحبة والجمال والتلاقح).
= الذات الشاعرة الهادمة محكومة برؤيتها للعالم، تكافح بالكلمة الشعرية الموازية للفعل الميداني النضالي، وهي رؤية تؤمن بحتمية الصراع ضد كل أشكال تكبيل الإنسان المتمثلة في المعيقات الآتية المستنبطة من المتن الشعري في كل مفرداته النصية:
+ السلطة الأبوية العمودية في كل مستوياتها ومواقعاه التحكمية / تراجيديا العربية والحصان / نص رقم :1 ـــ ص: 5 وما بعدها.
يقول الشاعر:
(ما به أبي يزعق بصوته
كلما اختلت وتيرة الجولان
وتوقف الحصان
عن السير
يؤاخذني على فوضى زماني
واللجام ما زال بين يديه
يرسم معالم الركبان منذ رحلة الصيف والشتاء)
(أبتاه
كيف أختار سبيلي
وأنا تعوقني العربة أمامي
فمن يسمع أنين السنديان
ويتفقد نمو الأغصان
حين يتنطع معولك جهارا
يقطع جيد التعبير).
محاكمة صارخة في وجه أبوية معششة في العقول، متحكمة في السلوكات، تعيق مسيرة تحرر الإنسان المضطهد في مجتمع أبوي يشرعن سلطة التحكم:
(أبتاه
هل صرت تعلم الآن
لماذا توقفت العربة
عن الجولان
وحيداً خلفها يقف الحصان
وما زلت تجلدني
كلما زغتُ عن دائرة الإذعان)
(متى أنعي موتك... أبي
وأستعيد قرار المصير).
+ هواجس الخوف، ومتاهة الغباء / نص رقم 3 ـــ ص: 18 وما بعدها.
// تمزقات القلق الوجودي 8 // الارتهان إلى سلطة الفاعل الديني في توظيفه السياسي غير الشرعي للدين ـــ صكوك الغفران، مطلب الثواب، طقوس الانحناء، محاكاة أنواع الخذلان 7 ــ 18 ــ 21 // سلطة التجريم، والإدانة، والسجن والتلجيم 9 ــ 10ــ 14 // الخيبة من واقع الأوطان المهزومة 10 ــ 14 ــ 15 // تشرذم القوى السياسية المعرضة، وانكسارات رفاق النضال 12 ــ 16 ــ 20 ــ 23 ــ 24 ــ 25 ــ 27 ــ 28 ــ 29 ــ 30).
= يتمركز الناظم الدلالي في مركزية جدلية الصراع بين وعي الذات وإكراهات الواقع البنيوية التاريخية بشكل تراجيدي يجسد نوعا من البطولة الإشكالية ترسم لوحة للذات الحاملة قيما إيجابية في واقع منحط قد يدفعها إلى السقوط في المأساة في حال تزعزع قوتها النضالية الذاتية ووقوعها ضحية اليأس والانعزال والنكوص 12 ــ 17 ــ 19 ــ 23... إنه ناظم (صمود الذات في وجه القوى الساعية إلى كسر حلمها بالتغيير في زمن تفشي بنى ذهنية ماضوية متخلفة تشرعن سلطة تحكمية خضاعية قهرية)، يقول الشاعر الناقد:
(في النهاية، الشعر مغامرة لاستشراف المختلف، ومناكفة على وجوه النمطية والمألوف الآمن، وممهور بسؤال الرفض والتمرد، مشغوف برفع اللاءات الغاضبة ليظل قبلة الثائرين في لغة الانزياح، وملجأ الهامشيين حين تفتح أمامهم منافذ المجاز، وصرخة المقهورين على كل مظاهر الانتهاك والتعفن. هو مواجهة حامية أمام آليات الخضوع والاحتواء، وإحياء للموارد، وإنماء للطاقات الإيجابية، وانفتاح على انشغالات الذات والإنسان، واستشراف للزمن الثقافي والمعرفي في أبعاده السياسية والسوسيولوجية والميثولوجية، ومهماته لا تنحصر في ضبط إيقاع أو وزن، أو توصيل فكرة محورية فقط، بل في تكوين ثقافي يخص المجتمع عموما، بما في ذلك ثقافة الناس العاديين).
= منه يمكن القول إن المحمول الدلالي في ديوان "شرارات كامنة" متسق مع عنوانه المنفتح في مداخله المعجمية المحيلة إلى تلك الشرارات الحداثية المنتظرة في مشروع التغيير العربي على جميع المستويات، وهو المشروع الحتمي اللازم في هذه المرحلة برؤية إيجابية لمشروع الحداثة العربية ذي الخصوصية المحاية الذي يسقط في أوهام الحداثة، ولا في أحضان تجارب أخرى أضحت متجاوزة في منابتها، ولا قياس مع وجود الفارق.
+ وبناء عليه، يمكن الجزم بأن المنجز الشعري البكري الراهن، والنجز القادم قريبا باحتمال الاستمرار والإضافة النوعية سيؤكدان أن الشاعر الناقد عبد الرحمان بكري متميز بتجربته الشعرية الخاصة التي تؤطر في إطار مشروع تعبيري فني جمالي حداثي تزكي إبعاده الدلالية المرصودة بنيات تعبيرية فنية جمالية، وأبعاد تواصلية تأثيرية، تأتي كما يلي.
ب ـــ البنيات الفنية الجمالية الحداثية:
= المعمار:
المعمار... وحدة عضوية، ووحدة موضوعية:
الديوان هيكل عام تتأسس هندسته المعمارية على ظاهرة الوحدة العضوية المقابلة للوحدة البيتية، وعلى ظاهرة الوحدة الموضوعية المقابلة لتعدد الأغراض والقضايا في النص الواحد.
النصوص أجسام غير قابلة للتفتيت أو إعادة التصميم الهندسي... البناء متناغم العناصر.
= البنية المعجمية:
يتوزع الحامل المعجمي على حقلين دلاليين ريئسين:
ـــ حقل الدلالة على الذات وأحوالها، ومواقفها، ورؤاها.
ـــ حقل الدلالة على الواقع في مظاهر تناقضاته ومعيقاته وخيباته.
تتحدد العلاقة الدلالية بين الحقلين في علاقة تقابل صدامي.
المشيرات اللفظية الخاصة بالذات تحيل إلى تأثيث متكامل لذات واعية بخيبات واقعها وإكراهاته وضغوطاته البنيوية التاريخية المتجذرة في الواقع الموضوعي، وفي البنى الذهنية المتشكلة بفعل عامليته فيها.
والمشيرات اللفظية الخاصة بالواقع الموضوعي حافلة بمداخل معجمية مؤشرة إلى الأزمة المركبة المستفحلة المعيقة فعل قوى التغيير التي يعبر عنها مشروع
الذات الرافضة.
جمالية المعجم علامة فارقة في إمكانات اللغة وقدرتها على التلون بمقصدية المبدع، هي لغة تمتح مداخلها من صلب المعجم العربي الفصيح، معاصرة، متداولة في الغالب في حقلها، شفيفة، مطواع في يد الشاعر الذي يفجرها وينزاح بها عن أصول وضعها لأداء وظائف بلاغية معينة بشكل لافت للنظر.
شعرية الانزياح اللغوي عن دلالاته المعجمية تكسر نمطية اللغة، تشحنها بطاقة صارخة بحتمية كشف المستور، وحمل الشرارات الكامنة المنتظرة في فعل التغيير المأمول... لا نجازف في القول إن قلنا إنه معجم بكري خاص يتلون بطواعية وفق التشكيلات التي يرغب فيها الشاعر، أو تفرض نفسها عليه في سياقات ومقامات تداولية معين... إنه معجم الكشف والتعرية والهدم والبناء بجمالية إيحائية كثيفة متواترة على جسد النصوص عامة... إضافة نوعية للتجربة الشعرية الحداثية البكرية.
= البنية التصويرية:
المتن الشعري صورة كلية بجامع تناغم نصوصه وتكامل عناصرها البنائية، ترسم لوحة الصراع الدرامي بين الذات والموضوع.
الصورة الكلية تتوزع على صور بنائية متكاملة في وظائفها التعبيرية والتأثيرية... تتشكل من ألوان التصوير البياني من تشبيه ومجاز واستعارة.
الشاعر بكري لا يسقط في شرك استنساخ الصور التقليدية، ولا يلعب على استغلال الجاهز، ولا يستكين لموروث فيها.
الاستعارة قيمة مهيمنة في الديوان بما يسمح بالقول إن الشاعر يفكر بالصورة ويعبر بها بعيداً عن جفاف التقرير، فالماء الاستعاري يجري في جسد المتن ويغذيه، ويمنحه سلطة توجيه درجة التلقي، فهو لا يمنح نفسه بسهولة، ولا يسقط في مباشرة أو ابتذال... ومن الاستعارة البكرية أنسنة عناصر وخرق مألوف في العلاقات التفاعلية بين المكونات الحسية والمعنوية ... إضافة نوعية للتجربة الشعرية الحداثية البكرية.
= البنية الرمزية:
عالم فريد نوعه في التجربة الشعرية البكرية.
حضور وازن ووظيفي لرموز مدهشة من حقول عديدة (حقل الطبيعة / حقل الفنون / حقل الألوان / حقل المؤسسات ورموزها / ...).
الحضور الرمزي في المتن بنائي غير متكلف وغير متصنع، متلائم مع الدفقة الشعرية والتعبيرية، ينم عن قدرة شعرية خلاقة تأتيها المادة عفو البوح لتؤدي وظائفها التعبيرية والتأثرية والإقناعية والجمالية.
التوظيف المكثف للرموز يسهم في بنائية التكثيف والغموض الدلالي الملاحظين في المتن.
= التكثيف والغموض الدلالي:
مظهر قوة تعبيرية جمالية آسرة، الدلالة لا تمنح نفسها بسهولة للمتلقي، تدعوه بجمالية وعمق للمساهمة في إنتاج الدلالة النصية.
بعيدا عن انتقادات الغموض الدلالي واتهامه بإضعاف النتوج، أو التعبير عن الضعف، الشاعر بكري ينتج نصوصاً هاربة، ممانعة، مشاكسة... هي لعبة شرارات كامنة، ممكنة لا منغلقة، تنتظر المتلقي المسلح بأدوات فك الشيفرة، لغويا وبلاغيا.
سلطة التكثيف والغموض الدلالي لعبة جمالية رفيعة المستوى، قانونها محكم، وأدوات فتح المنغلق فيها متاحة للقارئ القاطن، لا القارئ السائح.
= البنية الإيقاعية:
مرتكز أساس في عمليات بناء النص الشعري.
بنية إيقاعية داخلية عديدة الوسائل (آلية التكرير الأفقي والعمودي لظواهر صوتية، ولفظية، واشتقاقية، وصرفية، وبديعية غنية، بعيدا عن آليات اشتغال الموسيقى الخارجية العروضية التقليدية... تلوين إيقاعي مناسب للخطاب الشعري المرصود في الديوان.
يقول الناقد بكري:
(يقول أبو حيان التوحيدي: "أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظمٍ كأنه نثرٌ، ونثرٍ كأنه نظم“).
ـــــــــــــــــــــــ
= ثالثا: خلاصة تركيبية:
حسب تقديرنا، ديوان "شرارات كامنة" تجربة شعرية حملت في طياتها "رؤيا شعرية" فريدة تؤسس معالم "تجربة شعرية" خاصة، بكل ما تحمله هذه الصفة من دلالات مشيرة إلى تكامل تعبيري فني نسقي مستشف من مفردات الديوان البالغة اثنتين وثلاثين قصيدة.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟