أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - -تجربة الشاعر عبد الرحمن بوطيب: القلق الوجودي، وهندسة السطر الشعري- الناقد: نورالدين طاهري / المغرب - بلجيكا















المزيد.....

-تجربة الشاعر عبد الرحمن بوطيب: القلق الوجودي، وهندسة السطر الشعري- الناقد: نورالدين طاهري / المغرب - بلجيكا


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 13:39
المحور: الادب والفن
    


يُعرف الأستاذ عبد الرحمن بوطيب بتعدد مهاراته الأدبية ككاتب وناقد، لكنني سأركز في هذا السياق على تجربته الشعرية، التي تعد ركيزة أساسية في مشروعه الإبداعي.
تعد تجربة الشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب، في قصيدة النثر الحداثية، نموذجا لافتا للتحول في الكتابة العربية المعاصرة؛ فهو لا يكتفي بالانضواء تحت لواء القوالب الجاهزة، بل يسعى لخلخلة اللغة من الداخل، محولا النص إلى مساحة للتنقيب الوجودي والجمالي.
إن نصوصه (سير، ريشة، سؤال) ليست مجرد قصائد، بل هي "سفر" في متاهات الذات والعالم، حيث تتداخل الأسطورة بالواقع، واليومي بالعابر، والصمت بالبوح.
أولا: التصور الشعري... الشاعر كسؤال وجودي:
يرتكز تصور عبد الرحمن بوطيب للشعر على مفهوم الشاعر السائل، ففي قصيدته "سؤال"، نجد أن الذات الشاعرة لم تعد مكتفية بتوصيف العالم، بل أصبحت في حالة مساءلة لجذور الوجود.
إن الإشكالية التي يطرحها بوطيب تتجاوز البعد الفني لتصل إلى البعد الفلسفي: "لم الابتداء بلا اختيار؟ لم الانتهاء هو القرار؟". هذا التصور يجعل من الشعر "فعل مقاومة" ضد الزوال والضجر. الشاعر هنا لا يكتب ليطرب، بل ليعري خواء المدائن التي تسكن على "سراب كحلي".
إن بوطيب يقدم رؤية للعالم كحكاية ناقصة، حكاية تبدأ من "ريشة" أو "سطر" ولا تنتهي، لأن التمام هو الموت، بينما النقصان هو الحياة. هو يرى أن الشعر ليس نهاية للحكاية، بل هو الحكاية وهي تتناسل في فراغ المعنى.
ثانيا: البناء والتشكيل البصري.. هندسة الانهيار:
يمتلك بوطيب وعيا بصريا متقدما بصفحة الورق. القصيدة لديه "أيقونة" بصرية. ففي نصه "سير"، نجد تقطيعاً للكلمات يجعل القارئ "يتعثر" في القراءة كما يتعثر السائر في "أخاديد" الدروب التي يتحدث عنها.
1- القصيدة التراكمية: يعتمد بوطيب بناءً على المقاطع الدفقية. لا ينتقل من فكرة إلى أخرى بمنطق عقلي، بل بمنطق "الرعشة". قصائده تبدأ بفكرة صغيرة (فنجان قهوة، ريشة ملاح..) ثم تتسع لتشمل أسئلة الوجود الكبرى. هذا البناء يمنح القصيدة طابعا سينمائيا حيث تتلاحق الصور في لقطات سريعة (مونتاج شعري).
2- أيقونية الحروف: استخدامه لتفكيك الكلمات (مـ نـ سـ طـ رٍ) ليس مجرد حداثة شكلية، بل هو تجسيد لتفكيك المعنى. عندما يفتت السطر، فإنه يفتت يقيننا باللغة. إنه يريد أن يقول إن المعنى يكمن في "اللا-معنى"، في الشقوق التي تتركها الحروف وهي تبتعد عن بعضها.
ثالثا: اللغة... قاموس التوتر والتدفق:
تتميز لغة عبد الرحمن بوطيب بكونها لغة صراعية. هو يزاوج بين مستويين متناقضين من اللغة:
- لغة الأرض والواقع: يستحضر مفردات القرية والبادية المغربية (العرعار، الخزامى، الدفلى، درعة...). هذه المفردات ليست للزينة، بل هي مرساة تحمي النص من الغرق في التجريد.
- لغة التجريد والحداثة: في المقابل، نجد مفردات تعبر عن القلق الوجودي (انزياحات، سراب، فراغ، عدم، عدمية..).
إن التكرار عند بوطيب هو المحرك الأساسي لإيقاع القصيدة. لاحظ قوله: "سوداء سوداء سوداء" أو "تلعبون تلعبون تلعبون". هذا التكرار يعمل كطنين موسيقي يفرض على القارئ حالة من التنويم المغناطيسي، مما يجعله يشعر بالضجر الذي يهرب منه الشاعر، أو بالخيبة التي يصفها. إنه إيقاع العبث الذي لا يتوقف.
رابعا: المضمون... تغريب الأسطورة وحضور الذات:
في قصيدة "ريشة"، يبرع بوطيب في تغريب الأسطورة. استدعاء "سندباد" ليس استدعاءً تراثيا كلاسيكيا، بل هو وضع لسندباد في مقهى بئيس يرتطم فيه بفنجان قهوة وأوراق ريشة. هذا التضاد بين عظمة الأسطورة وبؤس الحاضر يخلق المفارقة التي هي جوهر الشعر الحداثي.
- ثنائية الموت والحياة: الموت في قصائد بوطيب حاضر بقوة (مات الحب، أوراق ذابلات، قصيدة شريدة..)، لكنه موت خصيب. الكتابة هي طقس إحياء دائم لهذا الموت. الشاعر يكتب ليرى نفسه في المرايا (سؤال)، والأسئلة التي يطرحها عن "من أنا؟" هي أسئلة كونية تضع القارئ في مواجهة عارية مع مرآته الخاصة.
- الوطن كغمة: الوطن في نصوص بوطيب (غمتي، قريتي، وطني) ليس فضاءً رومانسيا للانتصار، بل هو فضاء للألم والحنين الممزوج بالخيبة. هو وطن من قصب (كما في قصيدة سؤال)، وطن هش يحتاج إلى شاعر ليرمم حكاياته المنهارة.
خامسا: السمات الفنية العامة للتجربة:
بعد قراءة هذه النماذج، يمكن استخلاص السمات التالية التي تشكل بصمة عبد الرحمن بوطيب:
1- النزعة التأملية: نصوصه ليست سردية تقريرية، بل هي تأملات في فلسفة الوجود.
2- استنطاق الصمت: القصيدة عنده تكتمل بما لا يقال، بالفراغات، بالكلمات التي تتقاطع في الفضاء الأبيض للورقة.
3- غنائية مريرة: هناك غنائية في نصوصه، لكنها ليست غنائية طربية، بل غنائية مبحوحة، تشبه صرخة مكتومة.
4- الاستمرارية: الشاعر مؤمن بأن القصيدة لا تنتهي، بل هي "سفر" (سفر عقيم يكتب سفرا).
الخاتمة:
إلى أين يمضي بوطيب؟
إن تجربة عبد الرحمن بوطيب تضعنا أمام شاعر لا يكتب من أجل النشر فحسب، بل يكتب كحالة وجودية لا مفر منها. إن إلحاحه على "السؤال"، وتكراره للسطر الأخير، يؤكد أنه شاعر يبحث عن جوهر الإنسان في عالم فقد بوصلته. في هذه النصوص، نرى الإنسان المغربي المعاصر، بذاكرته المثقلة بالأسفار وبالأمكنة (درعة، النيل، الفرات...)، وهو يواجه حداثة متشظية. بوطيب نجح في أن يجعل من "الريشة" و"السطر" و"السؤال"... أدوات للحفر في ذاكرة الذات والمكان. إنها قصيدة لا تغادر الذاكرة بسهولة، لأنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك القارئ في حالة قلق إيجابي، يدفعنا جميعا للسؤال: من نحن؟ وأي سطر هو الأخير في قصيدتنا الشخصية؟
إن مشروع عبد الرحمن بوطيب الشعري يظل في طور الصيرورة؛ فهو في كل نص يضيف لبنة جديدة لهذا البناء المفتوح، مما يجعله صوتا متميزا في المشهد الشعري المغربي المعاصر، صوتا يكتب بمداد الوجع، ويحلم بأسطر لا تنتهي، وبحكايات ترفض أن تموت في المعبد القديم، بل تخرج لتُعاش، وتُكتب، وتُسأل.
خلاصة القول: إن القارئ لنصوص بوطيب يدرك أنه أمام شاعر يمتلك لغة قلقة، ولغة القلق هي لغة الصدق في زمن التزييف الأدبي. هو شاعر التفاصيل الهاربة، والأسئلة التي لا تنام، والسطور التي تمتد في أعماق الروح لتشكل هوية شعرية لا تشبه أحدا سوى صاحبها.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا الحرمان، في القصة القصيرة ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- رمزية تآويل رماد فاطمتنا الخنسائية: تنوع عابر لحدود بين أنوا ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- قراءة نقدية تقديمية للنص الشعري النثري: أنا والمطر، للشاعرة ...
- قراءة موجزة في النص النثري الفني -موتُ الحياةِ في طفولةِ رجل ...
- عبد الرحمن بوطيب: سادن الضاد وهندسة الرؤى الثقافية / شخصيةال ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- طفل... والمدينة العاهرة / قصة قصيرة
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- رسالة مهجورة على كرسي أعرج أمام مكتب قديم / قصيدة نثر حداثية
- -أيلول... يا زمن قيامة عاطفية- / قراءة دلالية وجمالية في قصي ...
- السردية الرمزية في قصة -موعد مع السقوط- للقاصة المغربية سعيد ...
- عبور من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية مسرودة تجربة حقيقي ...
- كهفٌ... غيمةٌ / قصيدة نثرية
- [ عبور ] من محطة موت أول، إلى محطة حياة ثانية / سرد وقائع حق ...
- قراءة نفسية سردية في قصة -جرح قديم-، للقاصة المغربية سعيدة ح ...


المزيد.....




- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...
- «تيلاي» الإفريقي يتصدر أفلام مهرجان كان بنسخة مرممة
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية وغموض بشأن أموال طهران ال ...
- اختتام المحادثات الفنية بين طهران وواشنطن في سويسرا وتوافق ع ...
- الجيل الشاب يغير خارطة زوار المتاحف الروسية وسط قفزة استثنائ ...
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية في سويسرا
- معرض -باليه البولشوي ليوري غريغوروفيتش- يفتتح أبوابه في روما ...
- موسيقى وتاريخ.. حفل تأبيني عند نصب رزييف يُحيي الذكرى الـ85 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - -تجربة الشاعر عبد الرحمن بوطيب: القلق الوجودي، وهندسة السطر الشعري- الناقد: نورالدين طاهري / المغرب - بلجيكا