عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 21:51
المحور:
الادب والفن
المقدمة:
مجموعة «أنفاس على هامش الزمن» تجربة سردية تنتمي بوضوح إلى الحساسية الجديدة في القصة القصيرة المغربية، هذه القصة التي تجاوزت مفهوم الحكاية التقليدية، واتجهت نحو كتابة تجعل من التسريد وسيلة للتأمل الفكري، ومن اللغة أداة لإنتاج المعنى وإنتاج فائضه، ومن الرمز وسيلة لإعادة بناء الواقع، لا مجرد تمثيله.
تندرج المجموعة ضمن تجربة سردية تستثمر تقنيات القصة القصيرة الحديثة، لكنها لا تجعل الحدث مركز اشتغالها، بل تجعل الإنسان في هشاشته الوجودية محورا لبنائها الفني والفكري، فالقارئ لا يجد نفسه أمام قصص منفصلة، بقدر ما يجد مشروعا سرديا تتآلف داخله النصوص لتشييد رؤية موحدة للعالم، تتخذ من الزمن، والذاكرة، والهامش، والاغتراب، والموت، والأمل، مرتكزات أساسية لإنتاج الدلالة.
فرضيات القراءة:
تنطلق هذه الدراسة من فرضيات أولية، هي:
أن المجموعة تشكل مشروعا سرديا موحدا، لا مجرد تجميع لنصوص مفردة مستقلة.
أن الهامش يمثل مفهوما وجوديا قبل أن يكون مفهوما اجتماعيا في هذه المجموعة.
وأون البنية الشعرية للغة تؤدي وظيفة إنتاج المعنى، لا وظيفة الزخرفة البلاغية.
وأن الزمن يمثل البنية العميقة التي تنتظم مختلف القصص.
وأن الرمز في هذه المجموعة يفتح النص على أفق تأويلي متعدد، ويمنحه بعدا فلسفيا عميقا.
تحليل:
إن أول ما يستوقف المتلقي في هذه المجموعة هو هيمنة الحس التأملي، إذ لا تُبنى الشخصيات بوصفها ذواتا تتحرك داخل حبكات تقليدية، وإنما باعتبارها ذواتا مفكرة، تواجه العالم عبر أسئلة الوجود أكثر مما تواجهه عبر الفعل، ومن هنا تتراجع مركزية الحدث لصالح مركزية الرؤية، ويتحول السرد إلى وسيلة لاكتشاف الإنسان في لحظات انكساره وهشاشته، وهو ما يضفي على النصوص بعدا أنطولوجيا واضحا.
ولا تنبع أهمية هذه المجموعة من موضوعاتها وحدها، بل من طبيعة الكتابة السردية نفسها، فاللغة لا تؤدي وظيفة الإخبار، وإنما تنهض بوظيفة جمالية وتأويلية، حيث تتكاثف الصور، وتتداخل الأصوات، وتتنامى الرموز، وتتقاطع الأزمنة في بناء يجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ للحكاية.
فقيمة هذه النصوص لا تقاس بعدد الموضوعات / التيمات التي تتناولها، بل بقدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين شكل السرد ومضمونه المحمول فيه، وبين اللغة الحاملة، والرؤية المستهدفة في الرهان السردي، وبين الإنسان فردا والعالم جمعا.
شهدت القصة القصيرة المغربية، منذ ستينيات القرن الماضي، تحولات نوعية رافقت التحولات الفكرية والاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي.
فبعد مرحلة الواقعية الاجتماعية، التي انشغلت بتوثيق الواقع الاجتماعي ورصد مظاهر التحول، ظهرت تجارب جديدة جعلت من اللغة نفسها موضوعا للإبداع، وانفتحت على منجزات السرد الحديث، واستثمرت الرمز، والتكثيف، والتجريب، والانزياح، بما أخرج القصة من حدود الحكاية إلى أفق الكتابة السردية النوعية.
في هذا السياق يمكن قراءة تجربة نور الدين طاهري، التي تستفيد من هذا الإرث، لكنها لا تسقط في شرك تكراره، إذ تضيف إليه بعدا تأمليا واضحا، بجعل الإنسان محورا للرؤية، لا مجرد عنصر فاعل / منفعل في منظومة الحدث.
ومن هنا، فإن المجموعة تندرج ضمن تيار يسعى إلى تجديد القصة القصيرة من الداخل، عبر تطوير بنيتها الجمالية، وتعميق أبعادها الفكرية.
ما يميز هذه المجموعة أنها لا تقدم قصصا مستقلة يجمعها ويضمها غلاف واحد، وإنما تقدم مشروعا سرديا متكاملا، فالقارئ، بعد انتهائه من القراءة، يشعر بأنه خرج من تجربة واحدة متعددة الوجوه.
وتعود هذه الوحدة الموضوعية الضامة إلى تواتر عدة عناصر بنائية في المتن، من أهمها: (وحدة الرؤية الفكرية / وتكرار البنية الرمزية / وحضور الزمن بوصفه خيطا ناظما / والتكامل بين اللغة الشعرية والبناء السردي / والعودة المستمرة إلى أسئلة الإنسان الكبرى).
هذا التماسك يمنح المجموعة قيمة فنية تتجاوز القيمة الفردية لكل قصة مفردة بذاتها.
إنها مجموعة تُقرأ كوحدة عضوية، لا بوصفها نصوصا متجاورة ضمن أعمال سردية مجموعة في كتاب واحد، فالهامش الانكساري يمثل مفهوما وجوديا ضاما، قبل أن يكون مفهوما اجتماعيا مسرودا، والبنية الشعرية للغة السردية تؤدي وظيفة إنتاج المعنى، لا وظيفة الزخرفة البلاغية، والزمن يمثل البنية العميقة التي تنتظم مختلف القصص، كما أن الرمز في هذه المجموعة يفتح النص على أفق تأويلي متعدد، ويمنحه ذلك البعد الفلسفي المشار إليه.
نور الدين طاهري لا يقطع صلته بالواقع، غير أنه لا يقدم هذا الواقع في نصوص بطريقة تسجيلية أو تقريرية، إنه يقدمه كواقع يعيد تشكيله عبر الوعي، ولهذا يمكن وصف هذه التجربة بأنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالواقعية التأملية، فالكاتب لا ينقل الواقع كما هو، ولا يهرب منه إلى التجريد الكامل، بل يعيد بناءه عبر اللغة، والرمز، والذاكرة، ومن ثم، فإن النصوص لا تكتفي بوصف العالم، بل تسائله، وهذا ما يجعل هذه القصص تتحول إلى أداة للتفكير في الإنسان، والتفكير في هشاشته، والتفكير في جرحه الأنطولوجي، لا مجرد مرآة عاكسة لوقائع متعينة يعيشها في واقع حياته.
ومن أهم مكاسب المجموعة نجاحها في الحفاظ على الخصيصة الجوهرية للقصة القصيرة، وهي خصيصة التكثيف، فالكاتب لا يثقل النص بالتفاصيل الزائدة، ولا يسترسل في الوصف إلا بالقدر الذي يخدم الرؤية السردية، ولهذا أتت معظم هذه القصص مشحونة بطاقة دلالية كبيرة، رغم قصر حجمها.
إن كل جملة تؤدي وظيفة، وكل صورة تفتح أفقا رحبا للتأويل وإعادة النظر في التأويل، وهذا الاقتصاد الفني يعد من أبرز علامات نضج التجربة الطاهرية السردية.
كما تمثل العلاقة بين السرد والشعر إحدى أهم الإشكالات التي تواجه القصة الحديثة، فالاقتراب الشديد من اللغة الشعرية قد يؤدي إلى إضعاف الحركية السردية، غير أن نور الدين طاهري نجح، في أغلب نصوص المجموعة، في عملية تحقيق توازن ملحوظ بين الحساسية الشعرية والاقتصاد السردي الحكائي، فاللغة تحتفظ بإيقاعها، دون أن تتحول إلى قصيدة، والصورة تظل خادمة للحكاية، لا بديلا عنها.
هذا التوازن يمنح النصوص خصوصيتها الجمالية، ومع ذلك، يمكن تسجيل ملاحظة نقدية أساس، تتمثل في أن بعض المقاطع التأملية تطول أحيانا على حساب فعل الحكي السردي، بحيث تتراجع الحركة الحكائية أمام هيمنة التأمل الفلسفي قليلا.
غير أن هذه السمة تبدو، في تقديرنا، مرتبطة بطبيعة المشروع الجمالي للمجموعة، أكثر مما هي هنة فنية، لأنها تنسجم مع اختيار الكاتب في بناء قصة تقوم على الوعي أكثر مما تقوم على الحدث.
القصة القصيرة مع الطاهري في مجموعته القصصية هذه فضاءٌ للتأمل الفكري، لا تفقد خصوصيتها المغربية، رافعتها الأساس هي الإيمان بأن السرد لم يعد مجرد وسيلة للحكي، بل أصبح أداة لطرح الأسئلة الوجودية، ولمساءلة الذات والمحيط.
تجربة نور الدين طاهري تتميز بخصوصية نابعة من ارتباطها بالبيئة المغربية، ومن اعتمادها لغة تمزج بين الصفاء التعبيري، والكثافة الرمزية، دون أن تقع في الغموض المفتعل، وهذا ما يمنحها هويتها الخاصة داخل المشهد السردي المغربي والعربي المعاصر.
لا تتوقف أهمية «أنفاس على هامش الزمن» عند حدود الإنجاز الفني، بل تمتد إلى بعدها الثقافي، فالمجموعة تدافع عن الإنسان في زمن تعرضت فيه القيم الإنسانية المثلى إلى كثير من التآكل... إنها تعيد الاعتبار للذاكرة، وللأم، وللطفل، وللكلمة الصادقة، وللأمل، وللهامش بوصفه فضاء لاكتشاف الحقيقة.
ومن هنا، فإن النصوص لا تكتفي بإثارة الإعجاب الجمالي، بل تستدعي القارئ إلى مراجعة علاقته بنفسه أولا، وبالآخر وبالعالم ثانيا، وهذا هو الدور الأعمق للأدب الملتزم.
هكذا يمكن القول إن «أنفاس على هامش الزمن» تمثل تجربة قصصية ناضجة، استطاعت أن تجمع بين وعي بالشكل السردي الحديث توظيفا، وحرص على ألا تفقد صلتها بالإنسان وهمومه وأسئلته الوجودية مادة، فهي لا تنتمي إلى الواقعية التقليدية بكل تصنيفاتها، ولا إلى التجريب المنغلق، وإنما تؤسس منطقة وسطى يتعانق فيها السرد مع الشعر، والرمز مع الواقع، والتأمل مع الحكاية.
ومن ثم، فإن إضافتها الأساسية تتمثل في قدرتها على تحويل القصة القصيرة إلى فضاء للحوار بين الجمالي والفلسفي، بحيث يغدو النص الأدبي المسرود أداة لإعادة التفكير في معنى الإنسان، لا مجرد وسيلة للتسلية أو للتسجيل.
ولعل هذا ما يمنح المجموعة مكانة متميزة داخل المشهد القصصي المغربي المعاصر، ويجعلها جديرة بقراءات نقدية أخرى تستثمر مناهج مختلفة، لأن النصوص التي تنتج فائضا من المعنى هي وحدها التي تظل قابلة للتأويل وإعادة النظر في الـتأويل، وقادرة على الاستمرار في الزمن النقدي.
انطلاقا منه، سعت هذه الورقة إلى مقاربة هذه المجموعة للإحاطة بأبعادها الجمالية والفكرية بما يقتضي انفتاحا على مناهج متعددة، دون سقوط في أحادية المنهج.
وقد أظهرت القراءة، في تقديرنا، أن هذه المجموعة لا تقدم قصصا مستقلة تتجاور داخل كتاب واحد، وإنما تشكل مشروعا سرديا متماسكا، للأديب المتعدد نور الدين طاهري، حيث تنتظم نصوصُه رؤيةً موحدة للإنسان والعالم، قوامها مساءلة الوجود الإنساني في علاقته بالزمن، والذاكرة، والمكان، والهوية، والهامش، والأمل.
إن أول ما تكشفه هذه التجربة هو الوعي العميق بوظيفة الكتابة الأدبية، إذ لا تتعامل مع القصة القصيرة باعتبارها حكاية تنتهي بانتهاء الحدث، وإنما بوصفها فضاءً لإنتاج الأسئلة، وإعادة التفكير في المعنى، فالأحداث ووقائعها ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسائط سردية للكشف عن هشاشة الإنسان، وعن قدرته، في الوقت نفسه، على مقاومة الفناء بواسطة الذاكرة، والمحبة، والكلمة.
وقد حاولت هذه الدراسة إبراز أن الكاتب الطاهري يمتلك وعيا واضحا بآليات التسريد الحديثة، حيث يتجلى ذلك في حسن توظيفه للعتبات النصية، وفي إدارته للزمن السردي، وفي اعتماده التبئير الداخلي، وفي تنويعه في الأصوات السردية، وفي استثماره الحوارية بوصفها أداة لإغناء الرؤية، لا مجرد تقنية حكائية.
وعلى المستوى اللغوي، اتضح أن شعرية النص لا تقوم على التزااويق البلاغي، وإنما على بناء لغة ذات كثافة إيحائية، يتحول فيها المجاز، والانزياح، والإيقاع، والحقول المعجمية، إلى عناصر منتجة للدلالة، بما يحقق ما سماه رومان ياكوبسون الوظيفة الشعرية للغة.
وعلى المستوى التأويلي، تبين أن الرمز يمثل البنية العميقة التي تنتظم عالم المجموعة، وأن البحر، والمدينة، والبيت، والنافذة، والطفل، والأم، والزمن، ليست مجرد عناصر حكائية، بل علامات ثقافية وأنطولوجية تتجاوز مدلولها المباشر، لتؤسس رؤية إنسانية تتقاطع مع فلسفة التأويل عند بول ريكور، ومع شعرية المكان عند غاستون باشلار.
ومن جهة أخرى، كشفت الدراسة أن مفهوم "الهامش" يشكل المركز الفكري للمجموعة، حيث يتحول من وضع اجتماعي إلى حالة وجودية، تجعل الإنسان في مواجهة دائمة مع أسئلة المعنى والهوية والحرية، وبذلك تغدو الكتابة نفسها فعلا للمقاومة، ووسيلة لاستعادة الكرامة الإنسانية في عالم يتسارع فيه التهميش والتشيؤ.
الدار البيضاء / المغرب: الجمعة 17 يوليوز 2026
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟