عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 15:36
المحور:
الادب والفن
* النص السردي موضوع القراءة:
{ دُوار... قوتٌ وقات }
قصة قصيرة. / الأديب عبد الرحمن بوطيب
وهو يَجولُ جَوْلَتَهُ اليوميَّةَ قبل إفطارٍ، في زُقاقاتٍ ودروبٍ بين حيطانٍ وأسوارٍ، أصابهُ ما أصابهُ من دُوارٍ، ما كان أصلا من ضربةِ شمسٍ، ولا من ضربةِ مقصِّ سارقِ جَيْبٍ فارغٍ في زحام.
كلُّ ما هنالك، أو بعضٌ مِمّا هنا، كان ما رآه في ما يشبهُ حُلْمَهُ يومَ لم يَنَمْ على راحةِ ضميرٍ وهناءِ بالٍ، رآهُ خيرا وسلاما بصورةِ تلك الصّفوفِ غيرِ المصفوفةِ بين مسجدٍ وجامعٍ ومصلحةٍ من كراريسَ تنادي ببوقاتٍ على نغمة ذاك المتنبّي الطيبِ، عساها تحلب جيوباً محلوبةً سَلَفاً، معصورةً مقطّرةً قَبْلا، ما عادتْ قادرةً بقدرةِ قادرٍ على تلبيةِ حاجةِ الحاجّةِ رَبّةِ البيتِ وزُغْبِ الْحَواصِلِ الْجِياعِ أَنْتَجَتْها البطنُ المرتخيةُ منها، ما جاعتْ من صومٍ وعبادةٍ، أَعْيَتْها الحيلةُ في البحثِ عن مُضْغَةٍ وحَلاوةٍ سَرَقَ الزمانُ حلاوتَها، وما ينبغي له أن يعود صِفْرَ الْيَدِ والْقُفّةِ في زمن القِفافِ والكَفافِ وقِلّةِ العَفافِ، تحت سماء "كازا نيخرا" المرتميةِ في أحضان زَبّالةٍ وبقايا من أجسادٍ مُلَوَّنَةٍ تكرمتْ بها "ماما أفريكا" السمراءُ الجائعةُ إلى خبزٍ ووطنٍ، ما هو الوطنُ الأمُّ، تنام على قارعةِ محطةِ سفرٍ مجهولٍ داخلَ هامشٍ مُهَمَّشٍ من مدينةِ البوقاتِ الْبَرْغوثِيَّةِ الصّادِحَةِ بِحناجرَ خشبيّةٍ صَدِئَةٍ، قفزتْ فوقَ سورٍ قصيرٍ من بَاديةِ مَحْلٍ، إلى باديةِ قَحْلٍ، تراكمتْ فيها الأجسادُ فوق ظهورِ بَعيرِ المدينةِ الحافلةِ بالأردافِ الموهوبةِ لِتشنّجاتِ أعصابٍ ساخنةٍ قائمةٍ، تمتد بين ظُفْرٍ ولَحْمٍ، تَنْهَشُ الزمنَ الخائبَ داخلَ عُلَبِ سَرْدينٍ بائتٍ، وسطوحُها تتقافز فوقَها قِرَدَةُ هاجوجَ وماجوجَ، تسافر في رحلة غيرِ مُؤداةِ تذكرةِ عبورٍ من الحمق إلى الحمق بين قضبان "مَرْشيشَ" وأبي الهولِ الذي ما كان مَهُولاً ليلةً أو نهاراً، في تلك المُزيَّفةِ المتراميةِ بين حضنٍ وحضنٍ، سمّاها أحدُهم "كازا نيگرا"، ولا يحلو له هو إلا أن يقدِّمها بِاسْمها الجديدِ اللذيذِ... "كازا نيخرا"...
آنذاك، تأكّدَ فعلاً وحقّاً وحقيقةً أنه ما نام ليحلم.
لهذا عاد أدراجَهُ من حيثُ خَرَجَ لتناول إفطارٍ ما هو إفطارٌ على غيرِ ميقاتٍ بما جادت به القفة من قوتٍ وقات.
عبد الرحمن بوطيب.
المغرب: 2020/2/12.
————————
* القراءة النقدية:
= عتبة النص:
[ دُوار... قوتٌ وقات... ربما ]
انقسم العنوان إلى جزئين:
+ الجزء الأول بين قوسين [ دُوار... قوتٌ وقات... ربما ]...
- دُوار، هو ما يأخذ برأس الإنسان من زعزعة واضطرابات، فيُخيَّل له أنّ الأشياء تدور عليه، وأنّ رأسه وبدنه دوران، ويكون تائه الفكر أيضا.
- قوتٌ: هو الطعام (لقمة العيش ومايعيش به الإنسان).
- قات: هي مادة مخدرة تسبب أضراراً على العقل والذاكرة: (ضعف الأداء الإدراكي - الأرق - اليقظة - القلق - الإصابة بالذهان - خلل في عمل مستقبلات الدوبامين - تغيرات في التنظيم العصبي - عجز الأداء السلوكي - زيادة السلوك الاندفاعي - التأثير على المُستوي الوظيفي...).
وآثار القات النفسية السلبية تكون واضحة تماماً، لأن متعاطيه يبدأ من حالة التنبيه، ثم يدخل في حالة الكيف، ثم إلى حالة الشرود، هذا التذبذب اليومي يؤدي إلى اضطراب دائم في الشخصية لدى أغلب متعاطي القات.
+ الجزء الثاني:
(ربما... شِبْهُ قصة قصيرة).
- ربما هي [ كلمة وظيفيَّة ]: تعني من المحتمل، وهي مركَّبة من (رُبَّ) و (ما) الكافة، تدخل على المعارف، وعلى الأفعال، وقد تُخَفَّفُ فيقال: رُبَما "رُبَّما حضر الغائب - ربّما فلان قادم".
- شبه قصة قصيرة: أي كأنها شبه قصة قصيرة، وهنا أدخل الكاتبُ القاريءَ بدائرة المحتمل (القات / شبه / ربما).
جميعها كلمات تدل على عدم القدرة على تأكيد خبر ما، وكأنه يحاول أن نستبصر الشتات الذي وقع فيه بطل القصة من خلال هذه المرامي العميقة لعتبة النص بجزئيها.
أنا هنا أطلق عليها "فلسفة التيه والشات".
————————
= سيمائية العنوان:
التيه والتشتت في تحصيل لقمة العيش بسبب الانحرافات والضغوط التي وقعت على البطل، لندخل معه بعد قراءة أول كلمة (وهو) إلى نص عميق، بني على أركان معينة، مع ترك الكاتب إضاءات على بؤر معينة أدت إلى خراب الشعوب.
————————
= نقاط ارتكاز النص التي تم عليها البناء الفلسفي للفكرة المطروحة:
* خراب العقيدة والدين (بصورةِ تلك الصّفوفِ غيرِ المصفوفةِ بين مسجدٍ وجامعٍ).
* خراب اللغة وفقدان الهوية، وأهمها الهوية اللغوية (ومصلحةٍ من كراريسَ تنادي ببوقاتٍ على نغمة ذاك المتنبّي الطيبِ).
* انهيار البنية الأخلاقية، وأن المال هو نقطة ارتكاز قلبت جميع قيم المجتمع ومعتقداته (عساها تحلب جيوبا محلوبةً سَلَفا، معصورةً مقطّرةً قَبْلا).
* انتشار الجوع والعوز (ما عادتْ قادرةً بقدرةِ قادرٍ على تلبيةِ حاجةِ الحاجّةِ رَبّةِ البيتِ وزُغْبِ الْحَواصِلِ الْجِياعِ أَنْتَجَتْها البطنُ المرتخيةُ منها).
* انتشار الفقر المدقع ( أَعْيَتْها الحيلةُ في البحثِ عن مُضْغَةٍ وحَلاوةٍ سَرَقَ الزمانُ حلاوتَها، وما ينبغي له أن يعود صِفْرَ الْيَدِ والْقُفّةِ في زمن القِفافِ والكَفافِ وقِلّةِ العَفافِ).
* التمييز العنصري، أو الاختلافات العرقية (أجسادٍ مُلَوَّنَةٍ)، والهجرات غير الشرعية، والخروج عن القانون.
* الهجرة غير الشرعية (السمراءُ الجائعةُ إلى خبزٍ ووطنٍ).
يشير الكاتب إلى الجوع والفقر الذي كان سببا للهجرة، والتي بفعلها يفقد الإنسان وطنه.
ويكون الإنسان هنا متبعا منهجَ (اللقمة مقابل الوطن).
* انتشار الدعارة والفساد الأخلاقي وتجارة الرقيق الأبيض (تراكمتْ فيها الأجسادُ فوق ظهورِ بَعيرِ المدينةِ الحافلةِ بالأردافِ الموهوبةِ لِتشنّجاتِ أعصابٍ ساخنةٍ قائمةٍ، تمتد بين ظُفْرٍ ولَحْمٍ، تَنْهَشُ الزمنَ الخائبَ داخلَ عُلَبِ سَرْدينٍ بائتٍ، وسطوحُها تتقافز فوقَها قِرَدَةُ هاجوجَ وماجوجَ).
حيث شبه المدينة بالجمل، والجمل سفينة الصحراء، يعيش بالصحراء، وهنا دلالة على الفقر والقحط.
(الحافلةِ بالأردافِ الموهوبةِ) إشارة إلى إزالة جميع التابوهات عن تجارة الجنس والدعارة والتحرش.
————————
= شواهد اتكأ عليها النص من أمكنة وأشخاص:
* مرشيش (مكان / قرية): منظرها الخارجي يوحي بالهدوء والسكينة كأي قرية في الربيع، لكن ما يقع بداخلها هو عكس ذلك تماما، فهي "مملكة الجن" المزعومة، وملاذ المهووسين بالسحر والشعوذة وهذه إشارة إلى الرجعية الفكرية والعودة لزمن الجهل والسحر والشعوذة، والمشي بهذا الطريق يتناسب عكسيا مع التراجع الفكري والثقافي للشعوب.
* البرغوثية (فكرة): هم الذين قالوا "كلام الله إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم"،
وهذه إشارة عميقة إلى اختلال في الفهم العقائدي بين الناس.
* "ماما أفريكا" (ثورة معلنة ضد فكرة معينة): وهي الصحفية الأنغولية التي جعلت القارة السمراء قضيتها "ليس لدي شيء أعيش لأجله إلا هذا"، وتعتبر "ماما أفريكا" أنها صاحبة قضية، وهي "قضية إفريقيا" من أجل أن تكون إفريقيا أفضل، إفريقيا أسعد، إفريقيا حيث لا حرب ولا جوع، إفريقيا حيث يمكنك رؤية جمال عيون الأطفال، والابتسامة السعيدة، وعيون المرأة بملابسها التقليدية وشعرها الطبيعي.
لكن الكاتب استعملها خصيصاً لدولة المغرب العربي وكأنها بهمومها الكبيرة الفادحة الموجع (كل إفريقيا).
* كازا نيگرا (فكرة مصورة ): فيلم مغربي أنتج عام 2008، لنجد بين مشاهد العنف والقسوة مشاهد إنسانية في المقاهي والبارات، بين الطغاة والآخرين، بين الزوج العنيف وزوجته، بين زوج الأم وولدها، بين المتشردين، وبين الأصدقاء أنفسهم كلغة عادية ومستعملة بشكل طبيعي...
كانت محاور أحداثها في مدينة الدار البيضاء، والذي بدوره المخرج عكس السواد في هذه المدينة لتكون عكس اسمها.
وأغلب سكان الدار البيضاء خارجون عن القانون بسبب الهجرات، ومعظم سكانها هم من منابت مختلفة جعلت هناك تلونا عرقيا فيها (أجسادٍ مُلَوَّنَةٍ) هكذا عبر الكاتب عنها.
وكانت إشارة الكاتب لهذا الفيلم ضمنيا ومثالا حيا على الواقع المرير للتدهور الأخلاقي، والألفاظ البذيئة كما وردت في الفيلم، رغم أن الفيلم فيلم أسود عرى وكشف عدة تصرفات ومعاملات موجودة بالمغرب وتعتبر تابوهات، فقد اعتبره البعض وقاحة وجرأة خارجة عن المألوف، واعتبره البعض الأخر واقعا مرا موجودا ومعيشا في جميع الدول العربية وغير العربية، فالكلام عنيف / كلام "الزنقة" المتداول بين أوساط معروفة، وأماكن في الدار البيضاء.
* انتشار الخمر والمخدرات: وكانت إشارة الكاتب بداية براعته في عنونة النص (دوار ..قوت وقات).
————————
= أسلوب الكاتب:
* الإنزياح الأسلوبي واستخدام اللغة ومفرداتها بحرفية كبيرة:
(أصابهُ ما أصابهُ من دُوارٍ،
من ضربةِ شمسٍ، ضربةِ مقصِّ،
كلُّ ما هنالك، أو بعضٌ مِمّا هنا
الصّفوفِ غيرِ المصفوفةِ
عساها تحلب جيوبا محلوبةً سَلَفا، معصورةً مقطّرةً قَبْلا،
وزُغْبِ الْحَواصِلِ الْجِياعِ أَنْتَجَتْها البطنُ المرتخية وحَلاوةٍ سَرَقَ الزمانُ حلاوتها في زمن القِفافِ والكَفافِ وقِلّةِ العَفافِ).
* والانزياح الدلالي:
(البوقاتِ الْبَرْغوثِيَّةِ / بِحناجرَ خشبيّةٍ صَدِئَةٍ / بَاديةِ مَحْلٍ، إلى باديةِ قَحْلٍ / أعصابٍ ساخنةٍ قائمةٍ)، حيث إن كل مفردة تشير إلى تابو من التابوهات المحرمة.
* استعمال اللغة البليغة المحكمة.
* الترميز العالي في النص.
* الميتا سرد من خلا النص (شكل الميتا سرد في النص جزءا من مكاشفة المتلقي بأسرار الكتابة التي كانت تلوذ ببراقع التخفي وتنكمش فيها، ويبدو أن هذا ما حدث في النص).
* جعل تداخل الحكايات أساساً لبناء معمارية سردية لنص واحد كامل متكامل.
* جعل الكاتب الخلخلة التسلسلية المنطقية للمروي
من خلال التجوال السردي بين الحكايات، ويتم الربط بينها من خلال التناظر بين الأحداث المتشابهة، وهذا الدور تركه الكاتب للقاريء يملؤه باللازم.
* نمذجة الواقع وجعله نموذجا مصغرا في النص.
* ربط النص بالسياق التاريخي والثقافي.
يقول (جرينبلات): "في النهاية لابد للتحليل الثقافي الكامل أن يذهب إلى ما هو أبعد من النص ليحدد الروابط بين النص والقيم من جهة، والمؤسسات والممارسات الأخرى في الثقافة من جهة أخرى".
* اعتماد أسلوب التتابع المؤلفَ وتمكينه من توجيه القارئ نحو التفكير بهذا الوضع الخاص اللا واقعي (من رجل فقير يبحث عن طعام إلى الهجرة إلى فيلم... إلخ).
حيث كل شيء يجري بالمقلوب، فالحدث مخترق، والشخصية مختلقة، واللغة منزاحة انزياحا يحيل على عالم واقعي حقيقي بكل ما فيه، وأن الشخصية موجودة بالواقع كنموذج متكرر لنفس الأحداث والنتائج.
ولا غرابة في أن نجد لهذا التتابع الذي يجعل الجمع بين ما هو مستحيل فعلا (يأجوج ومأجوج) وممكن قولا متاحا ومنطقيا، جذوراً في الأساطير التي تواترت حكاياتها ووظفت في الملاحم وظلت بعد ذلك تتناقل جينالوجيا عبر الأجيال أدبيا، مسترسلا استرسالا تتماهى وتدمج معه اللا واقعية بالواقعية وتغدو المحاكاة غير متنافرة.
إن استعمال التكرار والتتابع يمنح الفواعل السردية غير الواقعية حيوية ويجعلها تصنع واقعا مفترضا يوازي الواقع الحقيقي.
(أصابهُ / ما أصابهُ من ضربةِ شمسٍ / ضربةِ مقصِّ / كلُّ ما هنالك / أو بعضٌ مِمّا هنا...).
يكون هنا القارئ مشاركاً للسارد تلك الصناعة عبر تأويل الواقع التاريخي بالواقع الحاضر، أو تأويل الحاضر بالحاضر وقياسه ونمذجته عليه.
وتصبح هنا الواقعية أن يحاكي القاريء واقعه دون تردد وخوف.
————————
= الخاتمة:
(لهذا عاد أدراجَهُ من حيثُ خَرَجَ لتناول إفطارٍ ما هو إفطارٌ على غيرِ ميقاتٍ بما جادت به القفة من قوتٍ وقات).
وكأن الكاتب يريد إرسال رسالة (اجتماعية فلسفية) عميقة بأن لقمة العيش وتحصيلها تستلزم التيه المقصود لتغطية الحقيقة المرة.
وكشف الكاتب بكل براعة النقاب عن تابوهات ثلاثة (الدين / الجنس / السياسة)، وهذه التابوهات صانعة الثورات، وسبب لإباحة إزهاق الأرواح، وتوضيح الانحدار الأخلاقي والديني والسياسي في المغرب العربي.
منال العبادي.
الأردن.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟