أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - ايت وكريم احماد بن الحسين - حين يصبح البحر أصدق من السياسة















المزيد.....

حين يصبح البحر أصدق من السياسة


ايت وكريم احماد بن الحسين
مدون ومراسل

(Ahmad Ait Ouakrim)


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 23:40
المحور: الصحافة والاعلام
    


إلى الكتاب العامون للأحزاب السياسية المغربية:
رسالة نقد وتنبيه إلى من يفترض فيهم أن يقراوا نبض المجتمع قبل أن يقرأوا نتائج الانتخابات
السادة كتاب العامون للأحزاب السياسية المغربية،

هل ما زالت الأحزاب السياسية المغربية تسمع ما يقوله المجتمع، أم أنها أصبحت تسمع فقط ما يقال داخل مقراتها؟
فثمة مؤشرات كثيرة تتراكم أمام أعين الجميع، ومع ذلك يبدو أن جزءاً كبيرا من الطبقة السياسية تتعامل معها وكأنها أحداث منفصلة لا علاقة بينها.
أزمة الثقة في المؤسسات ليست وليدة يوم واحد.
وهي لا تبدأ بالضرورة من صناديق الاقتراع، ولا تنتهي عند انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات.
قد تبدأ من مواطن يقف أمام إدارة عاجزاً عن فهم مساطرها، أو من متقاض ينتظر سنوات للحصول على حكم، أو من صاحب حق يملك الوثائق لكنه لا يملك القدرة على تحمل طول الطريق القضائي، أو من مهني يشعر بأن صوته لا يسمع رغم معرفته بالقانون.
ولعل أزمة مهنة المحاماة نموذج بالغ الدلالة.
فالمحامي ليس مواطناً عادياً من حيث المعرفة القانونية. إنه رجل أو امرأة اختار مهنة الدفاع، وتلقى تكويناً قانونياً، ويمارس أمام المحاكم، ويعرف المساطر، ويقرأ النصوص، ويتابع الاجتهاد القضائي، ويستطيع الاستعانة بأهل الاختصاص.
ومع ذلك، عندما يجد المحامون أنفسهم في مواجهة أزمة تمس مهنتهم ومستقبلها، وتستمر المناقشات والخلافات والاحتجاجات والطعون والتجاذبات، فإن المواطن العادي قد يطرح سؤالاً بسيطاً ولكنه خطير:
إذا كان المحامي، بكل ما يملكه من معرفة قانونية، يجد صعوبة في الوصول إلى حل لمشكلته داخل المؤسسات، فماذا يستطيع أن يفعل المواطن الذي لا يعرف الفرق بين مقال افتتاحي ومذكرة جوابية، ولا يعرف آجال الطعن، ولا يعرف إلى أي جهة يتوجه؟
هنا تبدأ أزمة الثقة.
ليست لأن المؤسسات لا تعمل إطلاقاً، وإنما لأن المواطن قد يشعر بأن كلفة الوصول إلى الحق أصبحت أكبر من قدرته على تحملها.
وهذه المسألة ينبغي أن تهم الأحزاب السياسية قبل غيرها.
لأن الحزب السياسي ليس آلة انتخابية تنتظر موعد الاقتراع لكي تستفيق.
الحزب الحقيقي هو جهاز لقياس حرارة المجتمع.
وإذا لم يستطع الحزب أن يسمع غضب المحامي، وشكوى الموظف، ومعاناة العامل، ويأس الشاب، وقلق الأسرة، وانتظار المتقاضي، فإن السؤال المشروع يصبح:
ما الذي يقرأه الحزب بالضبط؟
هل يقرأ المجتمع؟
أم يقرأ استطلاعات الانتخابات؟
هل يقرأ التحولات الاجتماعية؟
أم يقرأ فقط موازين القوة داخل المؤسسات؟
لقد أصبحنا أمام مفارقة مؤلمة.
فالدولة تبني المؤسسات، وتصدر القوانين، وتحدث الهيئات، وتضع المساطر، وتعلن عن برامج الإصلاح، بينما يشعر جزء من المواطنين بأن الوصول إلى الحقوق ما زال يحتاج إلى صبر طويل، ومعرفة دقيقة، وقدرة مادية، وأحياناً إلى نفس طويل لا يملكه الجميع.
ثم نتساءل بعد ذلك:
لماذا فقد بعض الشباب الثقة؟
بل لماذا يخاطر شاب بحياته في البحر؟
لا أحد يملك الحق في اختزال ظاهرة الهجرة في سبب واحد.
فالهجرة لها أسباب اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية متعددة.
لكن من الخطأ السياسي أيضاً تجاهل عنصر بالغ الأهمية:
الشعور بانسداد الأفق.
فالشاب الذي يرى أن الحصول على وظيفة محترمة صعب، والسكن صعب، وتكوين أسرة صعب، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي صعب، والوصول إلى الحقوق داخل المؤسسات قد يكون بطيئاً ومعقداً، قد يبدأ في البحث عن مستقبل آخر.
وعندما يصبح البحر، بكل مخاطره، في نظر بعض الشباب أقل رعباً من البقاء بلا أفق، فإن المشكلة لم تعد مشكلة هجرة فقط.
إنها إشارة سياسية واجتماعية تستحق أن تتوقف أمامها الأحزاب والمؤسسات طويلاً.
فالشاب الذي يقفز إلى البحر لا يحمل معه برنامجه الانتخابي.
ولا يحمل معه بطاقة حزبية.
ولا يسأل عن اسم الحكومة أو الأغلبية أو المعارضة.
إنه يحمل شيئاً أخطر:
فقدان الأمل.
وهنا تحديداً يجب أن نسأل كتاب الأحزاب السياسية:
أين أنتم من هذه التحولات؟
أين الدراسات الحزبية؟
أين مراكز التفكير؟
أين الأوراق السياسية التي تربط بين القضاء، والإدارة، والاقتصاد، والشغل، والهجرة، والثقة في المؤسسات؟
أين النقد الحقيقي للسياسات العمومية؟
أين الاستماع إلى المجتمع خارج المواسم الانتخابية؟
لقد أصبحت السياسة، في كثير من الأحيان، أقرب إلى إدارة المواقع منها إلى إنتاج الأفكار.
والحزب الذي لا ينتج الأفكار يتحول تدريجياً إلى مجرد جهاز انتخابي.
أما الحزب الذي لا يسمع المجتمع، فيستيقظ يوم الانتخابات ليكتشف أن المجتمع سبقَه إلى اتخاذ قراره.
والأخطر من ذلك أن بعض السياسيين ما زالوا يتعاملون مع احتجاجات الفئات المهنية باعتبارها مجرد مطالب قطاعية.
وهذا خطأ استراتيجي.
فأزمة المحامين ليست مسألة محامين فقط.
وأزمة التعليم ليست مسألة مدرسين فقط.
وأزمة الصحة ليست مسألة أطباء وممرضين فقط.
وأزمة الشباب ليست مسألة شباب فقط.
كل هذه الأزمات يمكن أن تصبح، عندما تتراكم، أزمة ثقة في النموذج المؤسساتي نفسه.
ولذلك فإن التعامل مع مهنة المحاماة باعتبارها مجرد قطاع مهني يمكن الضغط عليه أو التفاوض معه أو تجاوزه سياسياً، قد يكون قراءة قصيرة النظر.
المحامي، في نهاية المطاف، جزء من منظومة العدالة.
والمواطن ينظر إليه باعتباره الشخص الذي يلجأ إليه عندما يشعر بأن حقه مهدد.
فإذا شعر المحامي نفسه بأن صوته لا يسمع، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن قد تكون أقسى بكثير من مضمون النزاع المهني ذاته.
ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها.
إنها تقع أيضاً على البرلمان.
وعلى الأحزاب.
وعلى المجتمع المدني.
وعلى النخب القانونية والفكرية.
وعلى الإعلام.
كل هؤلاء مطالبون بأن يسألوا:
هل المؤسسات تعمل فقط وفق النصوص، أم أنها تعمل أيضاً بالسرعة والفعالية والعدالة التي تجعل المواطن يثق بها؟
فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات.
والدولة القانونية ليست مجرد كثرة القوانين.
والعدالة ليست مجرد وجود المحاكم.
والسياسة ليست مجرد خطب وتصريحات.
إن قيمة كل ذلك تقاس في النهاية بسؤال المواطن البسيط:
هل أشعر أن حقي يمكن أن يصل إليّ؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، تبدأ المسافة بين المواطن والمؤسسة في الاتساع.
وإذا اتسعت المسافة، يبدأ المواطن في البحث عن بدائل.
وأحد أخطر هذه البدائل هو أن يبحث الشاب عن مستقبله خارج وطنه، حتى ولو كان الطريق إليه محفوفاً بالموت.
وهنا لا ينبغي للأحزاب أن تنتظر حتى تتحول ظاهرة الهجرة إلى أزمة أكبر لكي تبدأ في عقد الندوات واللقاءات وإصدار البيانات.
السياسة الحقيقية هي أن ترى العاصفة قبل أن تصل إلى الشاطئ.
أما أن تنتظر الأحزاب حتى يصبح الشباب في البحر ثم تبدأ في البحث عن تفسير، فذلك يعني أنها لم تعد تمارس السياسة بقدر ما أصبحت تمارس التعليق على الأحداث.
والرسالة التي ينبغي أن تصل اليوم إلى كتاب الأحزاب السياسية المغربية بسيطة:
استعيدوا السياسة قبل أن يفقد المواطن ثقته فيها.
انزلوا من مكاتبكم إلى المجتمع.
استمعوا إلى المحامين لا باعتبارهم أصحاب مطالب مهنية فقط، وإنما باعتبارهم مؤشراً على حالة العدالة.
استمعوا إلى القضاة.
استمعوا إلى الأطباء والمدرسين والعمال.
استمعوا إلى أصحاب المقاولات الصغيرة.
استمعوا إلى الشباب الذين يبحثون عن الهجرة.
واستمعوا خصوصاً إلى أولئك الذين لم يعودوا يطلبون شيئاً من السياسة، لأن أخطر مواطن ليس هو الذي يحتج.
أخطر مواطن هو الذي فقد الأمل في أن الاحتجاج سيغير شيئاً.
إن المغرب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطابات التي تقول إن كل شيء على ما يرام.
بل يحتاج إلى سياسيين يملكون شجاعة الاعتراف بأن هناك أشياء كثيرة تحتاج إلى إصلاح.
فالإنذار الحقيقي ليس في مقال صحفي.
وليس في احتجاج مهني.
وليس حتى في نتيجة انتخابية.
الإنذار الحقيقي هو أن يصبح البحر، في مخيلة شاب مغربي، أقرب إلى المستقبل من بلده.
عند تلك النقطة ينبغي لكل سياسي أن يسأل نفسه، بعيداً عن الحزب والمنصب والانتخابات:
ماذا فعلنا حتى وصل شبابنا إلى هذه الدرجة من اليأس؟
ذلك هو السؤال الذي لا ينبغي أن يؤجل إلى الغد.
لأن البحر لا ينتظر البيانات الحزبية.
والشباب أيضاً لا ينتظرون.
بقلم مواطن وان صح التعبير حامل لبطاقة وطنية يتابع المشهد من خارج مكاتب الأحزاب، وفي نفس الوقت تجرع من كؤوس الظلم ما لا طاقة له بها ولكنه يخشى أن يصبح الصمت السياسي أغلى ثمناً من الكلام.



#ايت_وكريم_احماد_بن_الحسين (هاشتاغ)       Ahmad_Ait_Ouakrim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى السيد رئيس مجلس النواب... إذا كان 120 نائباً يكفون، فلما ...
- إلى المسؤولين في تونس...
- نداء إلى الضمير الإنساني... من أجل طفولة تستحق الحياة
- الى متى تكمم افواه الفعاليات المدنية
- إشكالية تعطيل رسم الإراثة وحرمان بعض الورثة في المغرب، مقارن ...
- الملكية الخاصة في المغرب: حق دستوري أم غنيمة إدارية؟
- لمن يهمهم الأمر: حين تُدار العدالة بمنطق القوة لا بمنطق الحق
- حين يُجرَّم العيش ويُكافأ النفاق
- حين يشيخ الجسد وتضيق الروح
- أزمة ضمير كوكب بأكمله
- أبو الزفازف … آخر الرواة في ساحة سوق حمورابي البغدادي
- إشكالية الزمن القضائي في الممارسة المغربية: قراءة في مفارقات ...
- الاولويات المختلة
- مذكرة قانونية حول مشروعية النقاش بشأن إعلان حالة الاستثناء ف ...
- ترهات سياسية… وأوجاع عدلية
- حماية المال العام من الاخطاء الجسيمة المرتكبة من طرف الموظفي ...
- إعتدار لصاحبة الجلالة
- فضيحة من العيار الثقيل بالمحكمة الابتدائية بالصويرة المغربية
- خرافة القضاء الاكتروني في المغرب
- القضاء على القضاء في زمن الاعلامية


المزيد.....




- الولايات المتحدة تعيد إلى مصر 48 قطعة أثرية عمرها آلاف السني ...
- بوتين: روسيا لن تتسامح مع تبني كييف للنازية الجديدة كأساس لأ ...
- كاتس يهاجم المعارضة الإسرائيلية على خلفية ضرب قاعدة -أبو الظ ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1120 مسيرة معادية خلال يوم وإصابة رادا ...
- سفير تركيا في دمشق: رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب ينهض الاس ...
- تقرير: قائد الجيش الباكستاني يحمل رسائل أمريكية لطهران
- الولايات المتحدة.. حريق غابات ضخم في ولاية نيفادا
- إيران تعلن طرد دبلوماسيين فرنسيين وتتهمهما بالتدخل في شؤونها ...
- مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع أوكر ...
- مقاتلة -سو-35- الروسية تنفذ مهمات قتالية في محيط منطقة العمل ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - ايت وكريم احماد بن الحسين - حين يصبح البحر أصدق من السياسة