ايت وكريم احماد بن الحسين
مدون ومراسل
(Ahmad Ait Ouakrim)
الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 20:30
المحور:
كتابات ساخرة
الفصل الأول:
أبو الزفازف
… آخر الرواة في ساحة سوق حمورابي البغدادي
لم يكن في السوق الكبير رجل أشهر من “أبو الزفازف”، شيخ نحيل، يحمل في صدره آلاف القصص، وفي لسانه سخريةٌ تسيل كزيت المصابيح.
كان يجلس قرب دكان العطّار، يروي حكاياتٍ يسميها “حقائق السامية”، لأنّ الحقائق الثقيلة في مملكة القشرة الرائدة لا تُروى إلا للموتى.
وذات مساء، التفّ حوله شباب الساحة سوق حمورابي البغدادي، فسعل الشيخ ومسح لحيته وقال:
“هذه قصة ملكٍ لمع بريقه حتى أعمى الناس… وقشرةٍ رائدة ٍ كانت تُغطي صدأ وطن.”
الفصل الثاني:
الملك المستقيم كالمِنجل
في تلك المملكة كان يحكم ملكٌ اشتهر بلقب: “العادل المستقيم كالمِنجل”.
لقبٌ غريب، لكنه مناسب تمامًا: فالمنجل يستقيم ظاهريًا، لكنه لا يعرف من العدل إلا القصّ.
كان الملك مغرمًا بالجواري والغلمان، يعدّل بينهم بصرامةٍ لو وُزّعت على وزراء حكومته لأقاموا العدل بين البشر أيضًا.
وكان الشعب يحبّه… أو يتظاهر بحبّه، لأن السيف كان يقف دائمًا خلف الحب، يذكّر الناس بأنّ الصراحة لا تصلح إلا في المقابر.
الفصل الثالث:
بلاد اللمعان
كانت مملكة القشرة الرائدة لا تهتم ببناء المدارس أو المستشفيات، بل ببناء مرايا ضخمة تلمع في النهار وتخدع الزائرين.
كل شيء جميل… من بعيد.
من قريب؟
تبدأ الروائح التي لا يظهرها الإعلام الرسمي.
وكان الملك يخرج كل أسبوع ليخطب في الناس، فيقول لهم:
“أنتم بخير، لأنني بخير. وإذا كنتُ بخير، فالوطن بخير.”
فيصفّق الناس… ليس إعجابًا، بل لأنّ الصمت كان تهمة.
الفصل الرابع:
راشد بن المظلوم
في أحد الأيام، ظهر رجلٌ بسيط اسمه راشد بن المظلوم، بائع بهارات، لا يعرف من السياسة إلا أسعار العدس.
وقف في السوق وقال بكل بساطة:
– “ألسنا نريد عدلًا حقيقيًا؟”
لم تكن الجملة ثورية، لكن في مملكة القشرة الرائدة، الحقيقة البسيطة تتحوّل إلى جريمة كبرى.
وفي الليل، اختفى راشد بن المظلوم، وبات الناس يتحدّثون بصوتٍ خافتٍ عن “الرجل الذي سأل السؤال الخطير”.
الفصل الخامس:
تَصَدُّع مملكة القشرة الرائدة
مرّت الشهور، والملك يُكثر من التلميع، ويقلّل من التفكير.
لكن اللمعان لم يعد كافيًا.
بدأت دول العالم تلاحظ التناقض:
واجهةٌ براقة… وباطنٌ مليءٌ بالظلام.
اجتمع تحالفٌ دولي أطلق على نفسه اسم “دول الثيتار”—وكانت لديهم عادة غريبة:
لا يتحركون إلا متأخرين… لكن حين يتحركون، يتحركون كالعاصفة.
أصدر التحالف بيانًا يهزّ العالم:
“ملك مملكة القشرة الرائدة مسؤول عن تشويه العدالة العالمية.”
وحدّدوا موعدًا لمحاكمته:
وفي عيد الحب والعدل، وهو اليوم الذي تحتفل فيه الإنسانية عالميا بالمشاعر… والمساواة.
مفارقةٌ عظيمة لحاكمٍ لم يعرف المساواة إلا بين غلمانه وجواريه.
الفصل السادس:
المحاكمة
اقتيد الملك إلى مدينة “الثيتار الكبرى”، حيث أُقيمت محكمة لم يرَ التاريخ مثلها.
وقف الملك بثيابه الحريرية، التي لم تعد تبهر أحدًا.
سأله القاضي:
– “هل لك ما تقول دفاعًا عن نفسك؟”
فتبسم الملك وقال:
– “إنني حكمت بالعدل طوال حياتي.”
فدوّى ضحكٌ في القاعة، ليس سخرية من كلامه، بل لأنّ الناس اكتشفوا أنّ الطغاة جميعًا يقولون الجملة ذاتها في الفصل الأخير من حياتهم.
الفصل السابع:
الإعدام
صدر الحكم: الإعدام شنقًا.
لا بالسيف الذي أحبّه، ولا بالرصاص… بل بحبلٍ قاسٍ يعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي.
وفي صباح عيد الحب والعدل، اجتمع الناس من كل الأمم ليشهدوا النهاية الرمزية لملكٍ كان يخلط بين العدل والمنجل.
ارتقى الملك منصة الإعدام، نظر حوله فلم يجد أحدًا يهتف له.
الشعب الذي كان يصرخ باسمه سابقا، كان يومها يصرخ لبيع أعلام السلام والتذكارات للسياح.
وحين سقط جسده في الهواء، سُمع صوتٌ واضح…
لم يكن صوت الاصطدام بالأرض،
بل صوت قشرة وهي تتشقق، أخيرًا.
الفصل الثامن:
ما بعد السقوط
بعد إعدام الملك، انهارت مملكة القشرة الرائدة كقشرة بيضٍ فارغة.
اكتشف الناس أنّ كل اللمعان الذي اعتادوا رؤيته كان مجرّد طلاء.
وأنّ الدولة التي لا تبني نفسها على الحقائق، سيبني غيرها نهايتها.
رحل الملك، لكن الحكاية بقيت، يرويها “أبو الزفازف” كل ليلةٍ للشباب، وهو يضحك ويقول:
“يا أبنائي… التلميع قد يخدعكم يومًا، أما الصدأ فلا يخدع أحدًا. وكل مملكةٍ تُبنى على القشرة… لا بد أن يأتي يومٌ تُسقِط فيه الحياة تلك القشرة، ولو كان ذلك في عيد الحب والعدل نفسه.”
الفصل التاسع:
الجمهورية الأولى… والعسل المسموم
بعد سقوط الملك في عيد الحب والعدل، تنفّست مملكة القشرة الرائدة الصعداء، وظنّ الناس أن الشمس ستشرق أخيرًا بلا مرايا ولا تلميع.
لكن الشعوب التي تتعوّد على القشرة، تحتاج وقتًا طويلًا لتذوق طعم الحقيقة… إن هي ذاقتها أصلًا.
أُعلنت الجمهورية الأولى، وسط ضجيجٍ عالمي واحتفالٍ شعبيّ بدَت فيه الوجوه أكثر دهشةً من الفرح، وكأنّ الناس يقولون في سرّهم:
“هل حقًا انتهى الحكم؟ أم أننا فقط غيّرنا الاسم؟”
في اليوم الثالث من إعلان الجمهورية، ظهر الرئيس الجديد:
فارس بن المبهرج، رجلٌ في الخمسين، يرتدي لباس متواضع، ويقول كلماتٍ عميقة دون أن يُفهم منها شيء.
كان يستعمل لغةً جديدة لم يألفها الناس:
نبرة عسلية، كلمات ناعمة، ابتسامة مطمئنة…
لكن خلف كل ذلك، كان هناك سمّ يقطر ببطء، لا يُرى إلا حين يبدأ المواطن بالشعور بالدوار.
لم يكن فارس بن المبهرج مناضلًا، ولا مفكرًا، ولا حتى سياسيًا سابقًا.
كان في زمن الملك مديرًا عامًا لهيئة "التلميع الوطني"… هي الهيئة التي كانت مسؤولة عن جعل الصدأ يبدو ذهبا.
قال في أول خطاب له:
“يا شعب القشرة الرائدة … عفوًا، الجمهورية!
جئتُ منكم، لأبني لكم، وبكم، وبأيديكم… المستقبل الذي تحلمون به.”
صفّق الناس، رغم أنهم لم يفهموا هل المستقبل لهم أم بأيديهم أم عليه أن يبنيه فوق رؤوسهم.
الفصل العاشر:
العسل المسموم
بعد أسابيع قليلة، بدأت تظهر ملامح حكم الرئيس الجديد.
كان حافظًا جيدًا لوصية الملك المشنوق:
“البريق أولًا… ثم نسأل عن الباقي.”
فبدأ فارس بإطلاق مشاريع سماها “مبادرات العسل الوطني”:
• مشروع العسل الاقتصادي: تخفيضات شكلية على الخبز، ورفعٌ صامت لضرائب لم يسمع بها الشعب من قبل.
• العسل الاجتماعي: وعود بالعدالة، لكن شروط الاستفادة تحتاج عدالة سماوية لفهمها.
• عسل الحرية: فتح باب الانتقاد… بشرط ألا يصل صوته.
وكان هناك أمرٌ غريب:
العسل كان يوزّع على شكل خطابات، لا قرارات.
كلمات حلوة، أفعال مُرّة.
وكلّما احتجّ المواطن على المذاق، قال الرئيس:
“اصبروا… العسل يحتاج وقتًا ليظهر مفعوله.”
لكن المفعول الذي ظهر هو التسمّم البطيء:
غلاءٌ يزداد، حقوقٌ تتبخر، ووعودٌ تتكدّس كأكياس الطحين الفاسد في مخازن الولاية.
الفصل الحادي عشر:
ظهور المعارضة الحقيقية
كان في البلاد شاب اسمه يونس بن الراشد، ابن بائع البهارات الذي اختفى في زمن الملك.
نشأ في الظل، يتعلم من حكايات أبو الزفازف أن العدل لا يُهدى… بل يُنتزع.
وحين رأى أن الجمهورية الأولى ليست إلا قشرة جديدة بلونٍ آخر، وقف وسط الساحة الكبرى وقال:
“أيها الناس، هل نريد جمهورية… أم نريد وجها جديدا لنفس القشرة؟”
كان صوت الشاب قويًا، لكن الخوف أقوى دائمًا في البداية.
فلم يصفق أحد.
بل إن البعض نظر حوله ليتأكد أن الكاميرات لا تصوّرهم بجانبه.
لكن الرئيس فارس سمع الجملة…
وهنا بدأ السمّ يظهر بوضوح.
الفصل الثاني عشر:
لجنة حماية العسل
شكّل الرئيس جهازًا جديدًا سماه:
“لجنة حماية العسل الوطني”
وهي في الحقيقة شرطة سياسية متطورة، مهمتها حماية الخطابات الجميلة من الأسئلة المزعجة.
في ليلةٍ ممطرة، اقتيد يونس بن الراشد للتحقيق.
لم يُضرب، لم يُسجن، لم يُهدد…
لكنهم قالوا له بابتسامة:
“نحن نحمي العسل يا يونس بن الراشد.
والسؤال الزائد يفسده.”
ثم أطلقوه، كي يفهم بأنّ الحرية موجودة… لكنها مُعلّبة.
الفصل الثالث عشر:
عودة القشرة من جديد
تراكمت الأحداث…
ارتفعت الأسعار…
اختفت الحقوق…
وتحوّل العسل إلى مرارة لا يستطيع الشعب ابتلاعها.
حتى إن “أبو الزفازف” قال في إحدى الليالي:
“ضاع الملك بالمنجل… وسيضيع الرئيس بالعسل.
الفرق الوحيد أن السمّ يأتيك بابتسامة.”
وها هي الجمهورية الأولى تتجه نحو مصيرٍ يشبه مصير المملكة،
لكن ببطءٍ وحسابٍ أدقّ…
لأن السمّ لا يحتاج سيفًا ليعمل، يكفي أن ينتظر.
#ايت_وكريم_احماد_بن_الحسين (هاشتاغ)
Ahmad_Ait_Ouakrim#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟