أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…














المزيد.....

حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 01:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ هناك لحظات في حياة الإنسان لا يتغير فيها العالم من حوله فقط ، بل تتغير الطريقة التي يفهمه بها ، يجد الإنسان نفسه في المكان ذاته ، بين الوجوه والأشياء نفسها ، لكنه يشعر بأن المعاني التىّ كانت تمنح حياته وضوحًا بدأت تتراجع ، ليست الغربة دائمًا فقدان المكان ، بل أحيانًا فقدان القدرة على قراءة المكان ، ومن هنا تبدأ أزمة الوعي ؛ فالمشكلة ليست دائمًا في قلة المعلومات ، بل في عجز الإنسان عن استخدام عقله لمراجعة ما يعرفه وما يعتقد أنه يعرفه ، ولعل السؤال الأكثر إثارة للتأمل هو : لماذا قد يصبح الغباء أخطر من الشر؟ ، قد يبدو السؤال مستفزًا ، فالشر ارتبط تاريخيًا بالقسوة والدمار ، بينما يُنظر إلى الغباء باعتباره مجرد نقص في الفهم ، لكن المقصود هنا ليس الغباء بمعنى ضعف الذكاء أو قلة المعرفة ، بل حالة ذهنية واجتماعية يفقد فيها الإنسان القدرة على اختبار أفكاره ، ويصبح أسيرًا لقناعات لا تخضع للنقد أو المراجعة ، فالشر ، رغم خطورته ، يمتلك غالبًا منطقًا يمكن كشفه ومواجهته ؛ له أهداف ومصالح ودوافع يمكن تحليلها ، أما الغباء حين يتحول إلى موقف فكري ، فإنه لا يعمل وفق منطق ثابت ، لأنه يرفض أصلًا الاحتكام إلى المنطق ، إنه لا يبحث عن الحقيقة ، بل عن ما يؤكد قناعته المسبقة ، حتى لو اصطدم ذلك بالواقع ، وهنا تكمن خطورته ؛ فالخطأ يمكن تصحيحه ، أما العقل الذي يرفض إمكانية الخطأ فإنه يغلق الطريق أمام التصحيح .

ولهذا قيل قديمًا : لا تجعل اللسان يتجاوز العقل ، فالكلمة قبل أن تخرج تكون جزءًا من تفكير صاحبها ، أما بعد خروجها فإنها تصبح موضوعًا عامًا ، تدخل في مساحة النقد والحوار ، وتخضع لمعايير الصواب والخطأ ، ولذلك فإن التريث قبل الكلام ليس مجرد فضيلة أخلاقية ، بل هو شرط من شروط التفكير السليم ، لكن إحدى أكبر أزمات الإنسان تبدأ عندما يخلط بين الفكرة وصاحبها ، فكثير من النقاشات لا تنتهي بسبب ضعف الحجج ، بل بسبب انتقالها من مناقشة الأفكار إلى محاكمة الأشخاص ، بدل أن يُسأل : “هل هذه الفكرة صحيحة؟” يصبح السؤال : “من قالها؟ وما تاريخه؟ وإلى أي جهة ينتمي؟” ، وهنا تتحول الحقيقة من موضوع للبحث إلى معركة هويات .

إن مهاجمة الشخص بدل مناقشة فكرته ليست دليل قوة ، بل غالبًا علامة على العجز عن مواجهة الحجة ، فالفكرة لا تصبح خاطئة لأن صاحبها سيئ، كما أنها لا تصبح صحيحة لأن قائلها محبوب ، فالحقيقة لا تحمل أخلاق صاحبها ، بل تحمل قوة دليلها. ، فالعملية الحسابية تبقى صحيحة مهما كان قائلها ؛ لأن 1+1=2 لا تتغير إذا قالها إنسان صالح أو إنسان سيئ السيرة ، وكذلك الأفكار تحتاج إلى أن تُختبر بمنطقها وأدلتها ، لا بصورة أصحابها ، وهذا الخلل لا يبقى داخل النقاشات الفردية فقط ، بل ينتقل إلى المجتمع والسياسة ، فعندما تضعف ثقافة البرهان ، يصبح من الأسهل توجيه الاتهامات الشخصية ، وتحويل الخصم إلى عدو ، واستبدال الحوار بالتخوين أو الإهانة ، عندها لا يعود الهدف فهم الفكرة ، بل إسقاط صاحبها ، وهنا تظهر إحدى أزمات الجماهير ؛ فالإنسان داخل المجموعة قد لا يدافع عن الفكرة لأنها صحيحة ، بل لأنها أصبحت جزءًا من هويته ، فيصبح تغيير الرأي وكأنه خسارة للذات ، لا مجرد مراجعة فكرية .

وقد استطاع الأدب أن يكشف هذه المعضلة بطريقة عميقة ، ومن أبرز الأمثلة رواية “غرابة في عقلي” للكاتب أورهان باموق ، حيث يعيش مولود قره طاش وسط مدينة إسطنبول التىّ تتغير من حوله باستمرار ، فغربته ليست فقط عن المكان ، بل عن التحولات التىّ أصابت المدينة والناس والقيم ، إنه إنسان يحاول أن يجد معنى ثابتًا في عالم لا يتوقف عن التغير ، وهذه الصورة الأدبية تلامس جوهر أزمة الإنسان المعاصر : أن العالم قد يتغير بسرعة أكبر من قدرة وعيه على فهمه ، وعندما يعجز الإنسان عن تفسير الواقع ، قد يلجأ إلى الأفكار السهلة ، والأحكام الجاهزة ، واليقين المغلق ، لأنها تمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان ، لكن المجتمعات لا تنهض باليقين المغلق ، بل بالقدرة على السؤال ، فالعقل الحي ليس هو العقل الذي لا يخطئ ، بل العقل الذي يمتلك الشجاعة للاعتراف بخطئه وتصحيحه .

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يحمل فكرة خاطئة ، فكل البشر يخطئون ، بل أن يفقد القدرة على اكتشاف خطئه ، لأن الإنسان الذي يقبل المراجعة يمكن أن يتعلم ، أما الإنسان الذي يرى نفسه فوق المراجعة فإنه يتحول إلى أسير لما يظنه حقيقة ، ولهذا فإن الغباء يصبح أكثر خطورة من الشر في بعض اللحظات ، ليس لأنه أكثر قسوة ، بل لأنه يمنع المجتمع من امتلاك الأدوات التىّ تواجه القسوة والخطأ ، فالشر يمكن كشفه عندما يظهر ، أما الغباء، حين يصبح ثقافةً عامة، فإنه يجعل كشفه بالغ الصعوبة ؛ لأنه بلا منطق ، ولا يعترف بدليل ، ولا يقبل حجة ، وحين تتبناه الجموع ، يتحول اللامعقول إلى مألوف ، ويُتهم العقل بالتعقيد ، ويُنظر إلى التفكير النقدي على أنه شذوذ ، حتى يغدو صوت الحكمة غريبًا وسط ضجيج الوهم .

وربما لا يكون السؤال الحقيقي : لماذا ينتصر الشر؟ بل: كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يدافع فيها عن الخطأ كما لو كان يدافع عن الحقيقة؟ ، فالمجتمع الذي يفقد القدرة على السؤال ، يفقد تدريجيًا القدرة على التطور ، أما الإنسان الذي يحتفظ بشجاعة التفكير ، فإنه يبقي الباب مفتوحًا أمام الحقيقة مهما كانت صعبة.

لأن بداية الوعي ليست في امتلاك كل الإجابات ، بل في امتلاك الجرأة على طرح السؤال … السلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ذاكرة الثورة 🇵🇸 واستحقاقات الدولة - الخل ...
- السكران الذي تحدّى نيتشه… وانكسر أمام تشيخوف -بين الكأس ...
- الاستنزاف المركب…حين يتصدع الداخل الإسرائيلي وتمتد ارتدادات ...
- الفاعل الحقيقي - النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد ...
- بين الحبة المنسية والسياسة المنهكة…هل بدأ الجمهوريون🇺 ...
- الرأسمالية وإرادة الإنسان…عندما تتحول الوسيلة إلى غايةӿ ...
- زيلينسكي ونتنياهو… عندما يصبح توسيع الحرب وسيلةً للنجاة …
- اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …
- أحمد الياباني 🇯🇵 🇵🇸 … حين يع ...
- من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء الت ...
- بين القانون والحرب📕: عندما تتغير قواعد الاشتباك وتُع ...
- التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق ...
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…


المزيد.....




- عمّان تدعو إلى تحرك دولي لحماية سكان غزة
- واشنطن وعمّان توقّعان اتفاقًا جديدًا.. مساعدات أمريكية للأرد ...
- لبنان وإسرائيل.. نزع سلاح حزب الله أولوية
- -سي إن إن-: البنتاغون استنزف مخزون الصواريخ الاعتراضية الرئي ...
- السلطات السورية تفرج عن القس نهاد حسن بعد نحو أسبوعين من توق ...
- مجلس الوزراء السعودي: اتفاق نزع السلاح في غزة خطوة نحو تنفيذ ...
- نائب وزير الخارجية الروسي: إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا هدف ...
- تحليل: تصعيد زيلينسكي يهدد أوروبا بأضرار بيئية وعواقب وخيمة ...
- النمسا تسجل أعلى درجة حرارة في تاريخها عند 41 مئوية والجفاف ...
- لا سلم ولا حرب.. كيف يقرأ الإيرانيون إدارة بلادهم للأزمة؟


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…