أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الفاعل الحقيقي - النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد🧿…















المزيد.....


الفاعل الحقيقي - النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد🧿…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 18:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في كل حقبة تاريخية كانت البشرية تميل إلى محاكمة النتائج أكثر من بحثها عن الأسباب ، وإلى ملاحقة الوجوه الظاهرة أكثر من مساءلة القوى التىّ تحركها من وراء الستار ، فالعين البشرية بطبيعتها تستقر على المشهد الأخير ، بينما يظل المشهد الأول ، الذي بدأت عنده الحكاية ، بعيدًا عن دائرة الانتباه ، ولهذا ، لم يكن أخطر ما يواجه الحقيقة هو الكذب الصريح ، بل الاكتفاء بأنصاف الحقائق ؛ لأنها تمنح الإنسان شعورًا زائفًا بأنه فهم الواقع ، في حين أنه لم يرَ سوى سطحه ، من هنا تبدأ وظيفة الناقد الحقيقي ، فهو لا يكتفي بوصف الحدث أو إصدار الأحكام الأخلاقية عليه ، وإنما يتعامل مع الوقائع بوصفها نتائج لسلسلة طويلة من الأسباب المتشابكة ، لذلك ، فإن النقد ليس مهارة لغوية ، ولا قدرة على الجدل ، ولا ترفًا ثقافيًا ، بل هو مسؤولية معرفية وأخلاقية تقتضي عقلًا يجمع بين التحقيق التاريخي ، والتحليل الفلسفي ، ودقة المؤرخ ، وصبر الباحث ، ووعي المترجم الذي يدرك أن المعنى قد يضيع إذا انتُزع من سياقه ، واعتراف من قبل الاكاديمين على تاريخ صدقه ونزاهته وأخلاقه ، ولهذا السبب ، فإن الناقد لا يبحث عن المذنب بقدر ما يبحث عن الفاعل الحقيقي ؛ ذلك الذي يصنع الظروف قبل أن يصنع الأحداث ، ويؤسس للأفكار قبل أن تتحول إلى مواقف وسياسات ، فالفاعل الحقيقي لا يكون دائمًا شخصًا بعينه ، بل قد يكون منظومة فكرية ، أو ثقافة سائدة ، أو خطابًا سياسيًا ، أو خوفًا جماعيًا يتوارثه الناس حتى يصبح جزءًا من وعيهم ، وما لم يصل النقد إلى هذه الطبقة العميقة ، فإنه يبقى أسير الظواهر ، يعالج الأعراض ويترك المرض يتجدد في كل جيل ، هذه الرؤية تفسر لماذا ظل كبار المفكرين عبر التاريخ أقل اهتمامًا بإرضاء الجمهور وتحديداً الخرابيش منهم ، وأكثر اهتمامًا بإرضاء ضمائرهم العلمية ، فلم يكن سقراط يبحث عن الشعبية ، ولم يكتب ابن خلدون مقدمته ليكسب تصفيق معاصريه ، ولم يتحمل جاليليو العزلة لأنه كان ينتظر اعتذارًا من زمنه ، لقد كانوا يدركون أن الحقيقة كثيرًا ما تبدأ غريبة ، وأن الاعتراف بها يأتي متأخرًا ، بعد أن تتغير موازين المعرفة لا موازين التصويت ، فالاعترافُ يُنتزع من أهل العلم والنقد ، لا من أولئك الذين لم يحصدوا سوى الثرثرة ، ولم يتركوا وراءهم إلا سجلًا من الإخفاقات .

وليس المقصود من ذلك التقليل من شأن الناس أو ازدراء الرأي العام ، فالمجتمعات هي التىّ تصنع الحضارات ، لكنها ، في الوقت ذاته ، قادرة على أن تتحول إلى بيئة طاردة للعقل حين تتوقف عن ممارسة فضيلة الشك ، وتستبدل السؤال بالتسليم ، والمراجعة بالتقليد ، وعندما يحدث ذلك ، تصبح الأغلبية معيارًا للحقيقة ، مع أن التاريخ يبرهن ، مرة بعد أخرى ، أن الحقيقة لم تكن يومًا رهينة العدد ، وإنما رهينة الدليل ، ولعل هذه هي النقطة التىّ قصدها الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه عندما تحدث عن «أخلاق القطيع» ، فقد كان ينتقد ، في أحد وجوه فلسفته ، ميل الإنسان إلى الاحتماء بالجماعة بدلًا من تحمل مسؤولية التفكير الفردي ، ورغم الجدل الواسع حول أفكاره ، فإن ملاحظته بشأن قابلية الجماعات لمعاقبة المختلف ما زالت تحتفظ بقدر كبير من الوجاهة ؛ إذ كثيرًا ما يتحول الرأي الشائع إلى سلطة رمزية ، لا لأنه أكثر صدقًا ، بل لأنه أكثر انتشارًا ، ولا يقتصر هذا الأمر على المجتمعات التقليدية ، بل يظهر أيضًا في المجتمعات الحديثة ، حيث أصبحت وسائل الاتصال قادرة على صناعة إجماع سريع حول فكرة ما ، ثم تحويل هذا الإجماع إلى محكمة أخلاقية تُصدر أحكامها قبل أن تكتمل الأدلة ، وهنا يفقد النقد وظيفته الأساسية ، لأن النقاش لا يعود قائمًا على البحث عن الحقيقة ، بل على البحث عن التأييد .

غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بطريقة تفكير الجماعة، وإنما بطريقة تفكير الإنسان في ذاته ، لماذا يطمئن الفرد إلى قناعاته إلى هذا الحد؟ ولماذا يميل إلى الاعتقاد بأن ما يراه خيرًا هو الخير ذاته؟ وهل يكمن أصل الصراع السياسي في اختلاف المصالح فقط ، أم أن جذوره تمتد إلى تصور الإنسان لمعنى الخير والشر؟ ، هذه الأسئلة ليست ترفًا فلسفيًا ، بل هي المدخل الضروري لفهم كثير من التحولات السياسية والاجتماعية ، فالسلطة لا تُبنى بالقوة وحدها ، وإنما تُبنى أولًا على منظومة أخلاقية تمنحها شرعيتها ، سواء كانت هذه الشرعية حقيقية أم متخيلة ، وعندما يقتنع الإنسان بأنه يحتكر الخير ، يصبح من السهل عليه أن يصنف مخالفيه في خانة الشر ، ومن ثم تتحول السياسة من إدارة للاختلاف إلى معركة وجودية ، لا ترى في الخصم منافسًا ، بل خطرًا ينبغي استئصاله ، وهنا تبدأ المعضلة الكبرى ؛ لأن الادعاء بامتلاك الخير المطلق لا يقتل السياسة وحدها ، بل يقتل الأخلاق أيضًا ، فالأخلاق لا تنشأ من اليقين المطلق ، وإنما من إدراك الإنسان أنه كائن محدود ، وأن الحقيقة أوسع من تجربته الشخصية ، وأن الخير لا يكتمل إلا بقدرته على مراجعة نفسه قبل محاكمة الآخرين ، ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ الخيط الذي يربط النقد بالفلسفة ، والفلسفة بالسياسة ، والسياسة بالنفس الإنسانية ؛ إذ إن كل سلطة تبدأ بفكرة ، وكل فكرة تبدأ بتصور أخلاقي ، وكل تصور أخلاقي يولد أولًا في داخل الإنسان ، قبل أن يتحول إلى قانون أو خطاب أو نظام حكم .

يكاد يكون الاتفاق على قيمة الخير من أوسع نقاط الإجماع بين البشر ، فلا يكاد يوجد إنسان يعلن انحيازه إلى الشر بوصفه مبدأً أخلاقيًا ، غير أن هذا الاتفاق ينهار بمجرد الانتقال من مستوى التجريد إلى مستوى الممارسة ؛ إذ يبدأ كل فرد ، وكل جماعة ، وكل أيديولوجيا ، في صياغة تعريفها الخاص للخير ، ثم تتعامل معه وكأنه الحقيقة النهائية التىّ لا تقبل المراجعة ، وهنا يكمن أحد أكثر التناقضات حضورًا في التاريخ الإنساني ؛ فالإنسان لا يرتكب أكثر أفعاله قسوة لأنه يؤمن بالشر ، بل لأنه يعتقد ، في كثير من الأحيان ، أنه يحتكر الخير ، وما إن يتحول هذا الاعتقاد إلى يقين مغلق حتى يصبح الاختلاف تهديدًا ، وتغدو المعارضة خطيئة ، ويصبح القضاء على الخصم واجبًا أخلاقيًا لا جريمة سياسية ، ولهذا، فإن أخطر أشكال التطرف ليست تلك التىّ تُرفع فيها الشعارات الصاخبة ، بل تلك التىّ تتخفى خلف لغة الفضيلة ، فحين يحتكر طرف ما تعريف الخير ، فإنه يسلب الآخرين حقهم في تأويله ، ويمنح نفسه ، ضمنًا ، حق إصدار الأحكام النهائية عليهم ، وعند هذه النقطة ، لا يعود الصراع سياسيًا أو فكريًا ، بل يتحول إلى صراع بين «المخلِّص» و«المدان»، وبين من يرى نفسه ممثلًا للحقيقة ومن يُنظر إليه بوصفه عائقًا أمامها ، ولقد أدرك الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الفضيلة ليست حالة مطلقة ، بل ممارسة تقوم على الاعتدال والحكمة ، وأن الإنسان يبلغها بالموازنة بين الإفراط والتفريط ، أما عندما تُنزَع الفضيلة من سياقها الإنساني وتُقدَّم باعتبارها كمالًا مكتملًا ، فإنها تفقد طبيعتها الأخلاقية ، وتتحول إلى أداة للهيمنة ، ومن هنا، فإن ادعاء امتلاك الخير المطلق ليس تعبيرًا عن قوة أخلاقية ، بل عن عجز عن الاعتراف بحدود الذات ، والسياسة تقدم أمثلة لا حصر لها على هذه المفارقة ، فما من سلطة استبدادية ، قديمة كانت أم حديثة ، إلا وقد قدمت نفسها باعتبارها الحارس الوحيد للمصلحة العامة ، والناطق الرسمي باسم الخير الوطني أو الديني أو القومي ، ولم تكن المشكلة في الشعارات ذاتها ، بل في إقصاء كل تفسير آخر لها ، حتى غدا الاختلاف خيانة ، والنقد مؤامرة ، والتعددية خطرًا ينبغي القضاء عليه ، ومن هنا ، فإن العلاقة بين الأخلاق والسياسة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه ، فالسياسة ليست مجرد إدارة للمصالح ، وإنما هي إدارة للتصورات الأخلاقية أيضًا ، وكلما ضاق تعريف الخير ، اتسعت مساحة العنف ؛ لأن من يعتقد أنه يحتكر الفضيلة لن يجد صعوبة في تبرير إقصاء المختلف ، بل قد يرى في ذلك واجبًا أخلاقيًا ، ولعل هذا ما يفسر أن الحضارات لم تنهَر دائمًا بسبب ضعفها العسكري أو الاقتصادي ، بل بسبب يقينها المفرط بنفسها ، تماماً كما الجاهل يبالغ في تقدير نفسه ، حتى يبلغ به الغرور أن يتجرأ على تقييم أشخاص يمتلكون قيمة معرفية حقيقية ، فحين تتوقف أمة عن مراجعة مسلماتها ، وتتعامل مع تاريخها بوصفه نهاية التاريخ ، تكون قد بدأت ، من حيث لا تشعر، رحلة الانحدار ، فالمراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة ، بل شرطًا من شروط البقاء ؛ لأن الأفكار ، مثل الكائنات الحية ، تموت إذا توقفت عن التطور .

ومن زاوية أخرى ، يبرز سؤال يبدو بسيطًا ، لكنه يحمل دلالة فلسفية عميقة : هل يستطيع الإنسان أن يتحرر من ثنائية الخير والشر؟لقد انشغل الفلاسفة بهذا السؤال ، كلٌّ من موقعه ، لقد تحدثوا عن الفناء بوصفه تجاوزًا للأنا ، لا إلغاءً للأخلاق ، بينما ناقش اخرون حدود المعرفة الإنسانية ، محذرين من تحويل التجربة الفردية إلى قانون كوني ، وفي الحالتين ، بقي الإنسان كائنًا محدودًا ، لا يملك أن يدعي الإحاطة المطلقة بالحقيقة ، ومن هنا ، فإن الفناء في الخير لا يعني امتلاك الخير ، بل يعني التحرر من عبودية الأنا التىّ تجعل الإنسان يقيس العالم على صورته ، أما ادعاء بلوغ الكمال الأخلاقي أو المعرفي ، فهو في كثير من الأحيان بداية الانزلاق نحو التعصب ؛ لأن الإنسان ، عندما يتوقف عن نقد نفسه ، يبدأ تلقائيًا في محاكمة الآخرين أو عندما يدّعي الجاهلُ الإلمامَ بعلوم النقد، فينصّب نفسه حكمًا على من يفوقه علمًا ومعرفة، غير مدركٍ أن أول شروط النقد الفهمُ قبل إصدار الأحكام .

ولعل من اللافت أن التقدم العلمي ، على عظمته ، لم يغيّر هذه الحقيقة ، فقد استطاع الإنسان أن يغادر الغلاف الجوي ، وأن يرسل مركباته إلى الكواكب البعيدة ، لكنه حمل معه الأسئلة ذاتها التىّ حملها أسلافه وهم ينظرون إلى السماء من فوق الأرض ، فالمكان يتغير ، أما الطبيعة الإنسانية فلا تتغير بالسرعة نفسها ، إن التقنية تستطيع أن توسع حدود المعرفة ، لكنها لا تمنح الإنسان حصانة أخلاقية ، ولا تعفيه من صراعه الدائم مع ذاته ، وهذا يقودنا إلى سؤال آخر أكثر التصاقًا بواقع المجتمعات : إذا كان الإنسان لا يحتمل بسهولة من يختلف معه في الرأي ، فكيف يتعامل مع من يتفوق عليه في العلم ، أو الموهبة ، أو المكانة ، أو الحضور؟ وهل يكون الخلاف هنا فكريًا حقًا، أم أن جذوره تمتد إلى منطقة أكثر خفاءً في النفس ، حيث يتشكل الحسد بوصفه أحد أكثر الانفعالات قدرة على التنكر في هيئة الأخلاق؟ ، هنا ينتقل النقاش من فلسفة الخير والشر إلى سيكولوجيا الحسد ؛ لأن كثيرًا من المعارك التىّ تبدو فكرية في ظاهرها ، ليست في حقيقتها سوى صراعات نفسية تبحث عن مبررات أخلاقية لتخفي دوافعها الحقيقية ، فإذا كان ادعاء امتلاك الخير المطلق يقود إلى تضييق مساحة الاختلاف ، فإن الحسد يمثل الوجه النفسي لهذا الادعاء ، فليس كل خلاف فكري نابعًا من اختلاف في المبادئ ، كما أن ليس كل نقد يستند إلى رغبة صادقة في تقويم الأفكار ، فكثير من الخصومات التىّ تتخذ من الأخلاق أو السياسة أو الدين عناوين لها ، تخفي في أعماقها صراعًا أكثر بدائية ، يتمثل في عجز الإنسان عن تقبل تفوق غيره ، والحسد ، في معناه النفسي ، لا يبدأ بالرغبة في امتلاك ما لدى الآخر ، بل يبدأ بالشعور بأن وجود ذلك الآخر يكشف نقصًا داخليًا لم يكن صاحبه مستعدًا للاعتراف به ، ولهذا يتحول المتميز ، في نظر الحاسد ، إلى مرآة مزعجة ، لا لأنها تعكس صورته ، بل لأنها تعكس ما يفتقده ، ومن هنا تتبدل طبيعة الصراع ؛ إذ لا يعود الهدف منافسة المتفوق ، بل إبطال قيمة تفوقه ، أو التشكيك في نزاهته ، أو تحطيم صورته أمام الآخرين ، ولهذا السبب ، فإن الحسد نادرًا ما يعلن نفسه بصراحة ، إنه يرتدي أقنعة متعددة ؛ فقد يظهر في صورة نقد متشدد ، أو غيرة على المبادئ ، أو دفاع عن الأخلاق ، أو حرص على المصلحة العامة ، غير أن الفارق بين النقد والحسد يبقى واضحًا ؛ فالنقد يناقش الفكرة ويقبل البرهان ، أما الحسد فيبحث عن إسقاط صاحب الفكرة ، حتى لو ثبتت صحة ما يقول ، لقد أشار الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور إلى أن الحسد من أكثر الانفعالات الإنسانية التصاقًا بالمقارنة الاجتماعية ، لأنه لا ينشأ من الفقر وحده ، بل من رؤية نعمة يتمتع بها الآخر ، فالسعادة، في نظر الحاسد ، لا تُقاس بما يملكه هو، وإنما بما يملكه غيره ، ومن هنا يصبح نجاح الآخرين عبئًا نفسيًا عليه ، لا لأنه يضره مباشرة ، بل لأنه يوقظه على ما عجز عن تحقيقه ، ولعل الأدب كان أكثر قدرة من الفلسفة على تصوير هذه المنطقة المعقدة من النفس ، ففي رواية «مهنة الشر» لا يُقدَّم الشر بوصفه قوة غامضة أو ميلًا فطريًا منفصلًا عن التجربة الإنسانية ، بل بوصفه حصيلة تراكم طويل من الضغائن ، والإهانات ، والاختلالات النفسية التىّ تتحول ، مع الزمن ، إلى رغبة عارمة في السيطرة والانتقام ، وتُظهر الرواية كيف يمكن للماضي غير المعالج أن يصنع حاضرًا مشوهًا ، وكيف تتحول الكراهية إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها العالم كله ، واللافت في هذا النموذج الأدبي أن الشر لا يظهر دائمًا في صورة العنف المباشر ، بل يبدأ بإلغاء إنسانية الآخر ، فعندما يتوقف الإنسان عن رؤية خصمه بوصفه إنسانًا له حق الوجود والاختلاف ، يصبح الاعتداء عليه ، معنويًا أو ماديًا ، أسهل بكثير ، وهذه ليست مجرد حيلة روائية ، بل آلية عرفها التاريخ السياسي مرارًا ؛ إذ تبدأ حملات الإقصاء غالبًا بتجريد الخصوم من قيمتهم الأخلاقية ، ثم تنتهي بتبرير استبعادهم أو تشويههم .

ومن هنا، فإن المجتمعات التىّ تعجز عن حماية التميز لا تعاني أزمة في الكفاءات ، بل أزمة في الثقافة التىّ تتعامل مع التفوق بوصفه تهديدًا لا فرصة ، فالعقل المبدع يزعج البيئات الجامدة ، لأنه يكسر يقينها ، ويكشف حدود مسلماتها ، ويطرح أسئلة لم تكن راغبة في سماعها ، ولذلك، كثيرًا ما يكون الثمن الأول للإبداع هو العزلة ، لا الاحتفاء ، ولا يقتصر الأمر على المجال الفكري ، ففي السياسة أيضًا ، كثيرًا ما تتحول الشخصيات المؤثرة إلى أهداف لحملات التشويه ، ليس بسبب أخطائها وحدها ، بل بسبب قدرتها على التأثير ، فالتاريخ يعلمنا أن الشخصية العامة قد تُهاجَم أحيانًا لأنها أخفقت ، لكنها تُهاجَم ، في أحيان أخرى ، لأنها نجحت ، وفي الحالة الثانية لا يكون الهدف تصحيح المسار ، بل تقليص أثر النجاح حتى لا يتحول إلى معيار يقاس عليه الآخرون ، وهنا يفقد الحسد صفته الفردية ، ويتحول إلى ظاهرة اجتماعية ، فهو لم يعد مجرد انفعال يسكن نفسًا واحدة ، بل يصبح ثقافة تنتشر في المؤسسات ، والإعلام ، وحتى في الخطاب العام ، وعندما تبلغ المجتمعات هذه المرحلة ، تصبح الكفاءة مدعاة للريبة ، والتميز سببًا للاتهام ، والاستقلال الفكري تهمة تستوجب الدفاع عنها بدلًا من الاحتفاء بها ، فإن أخطر ما يفعله الحسد أنه لا يكتفي بإيذاء الأفراد ، بل يعيد تشكيل معايير المجتمع ، فعندما يعتاد الناس رؤية المتميز موضعًا للشك ، يصبح المتوسط هو النموذج الآمن ، ويتحول الاجتهاد إلى مخاطرة ، ويغدو الصمت أكثر ربحًا من التفكير ، وهنا تبدأ خسارة المجتمع الحقيقية ؛ لأنه لا يفقد أشخاصًا بعينهم ، بل يفقد المناخ الذي يسمح بولادة الأفكار الجديدة ، ولذلك، فإن حماية المبدعين والمفكرين ليست امتيازًا تمنحه المجتمعات للنخبة ، بل هي استثمار في مستقبلها ، فالأمم التىّ تستهلك طاقاتها في محاربة أصحاب الكفاءة تنتهي ، ولو بعد حين ، إلى إعادة إنتاج الضعف ذاته الذي كانت تظن أنها تدافع عنه ، فالحضارات لا تنهار حين يقل عدد الأذكياء ، وإنما حين يصبح الذكاء نفسه سببًا للاتهام ، ويصبح النجاح ذريعة للعداء ، ومن هنا، لا يعود السؤال : لماذا يحسد بعض الناس المتميزين؟ بل يصبح السؤال الأعمق : كيف يتحول الحسد الفردي إلى ثقافة عامة تُعيد تعريف الفضيلة ، بحيث يبدو إسقاط الناجح عملًا أخلاقيًا ، بينما يُنظر إلى النجاح نفسه بعين الشبهة؟ والإجابة عن هذا السؤال تقودنا مباشرة إلى العلاقة بين السلطة والخطاب العام ، وهي العلاقة التىّ تكشف كيف تستطيع السياسة أن تستثمر الانفعالات النفسية ، فتحولها إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي .

تتردد حكمة قديمة تقول : «الحاسد يراك مغرورًا ، بينما يراك المحب جديرًا بالإعجاب» ، وهي ليست مجرد عبارة تتعلق بالعلاقات الإنسانية ، بل مفتاح لفهم كثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية ، فالإنسان لا يرى الآخر كما هو دائمًا ، بل كما تسمح له بنيته النفسية أن يراه ، ومن هنا ، فإن التقدير والعداء لا ينبعان بالضرورة من حقيقة الشخص ، بل من طبيعة الناظر إليه ، ولهذا ، فإن المجتمعات التىّ تعجز عن الاحتفاء بالتميز تنزلق ، من حيث لا تشعر ، إلى إعادة إنتاج الرداءة ، فبدل أن يصبح التفوق معيارًا يُحتذى ، يتحول إلى تهمة تستدعي الشك ، ويغدو النجاح سببًا للمحاكمة بدلًا من أن يكون دافعًا للإلهام ، ويعاد تشكيل السلم القيمي للمجتمع ، والسياسة ليست بمنأى عن هذه الآلية النفسية ، بل كثيرًا ما تستثمرها ، فالسلطات التىّ تعجز عن إنتاج الإنجاز الحقيقي تجد في تأجيج الضغائن وسيلة لإعادة توزيع الخصومات ، فتُشغل المجتمع بملاحقة الأفراد بدلًا من مساءلة الأفكار ، وبمحاكمة الشخصيات بدلًا من محاسبة السياسات ، وعندئذٍ يختفي «الفاعل الحقيقي» خلف ضجيج المعارك الجانبية ، ويصبح الرأي العام أسيرًا لصراعات مصطنعة لا تمس جوهر الأزمة ، فإن أخطر الأمراض ليست تلك التىّ تصيب الجسد ، وإنما التىّ تستقر في الوعي حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين النقد والتشهير ، وبين المنافسة والإقصاء ، وبين العدالة والانتقام ، فالعقل، حين يستسلم للأحقاد ، يعيد تفسير العالم كله من خلال عدسة واحدة ، فلا يرى في نجاح الآخرين إلا تهديدًا ، ولا في اختلافهم إلا مبررًا للعداء ، ولعل هذا ما يفسر أن المصلحين والمفكرين ، في مختلف العصور ، كانوا يدفعون ثمن اختلافهم قبل أن يجني الناس ثمار أفكارهم ، فكل مشروع فكري أو علمي أو حضاري يوقظ في الوقت نفسه أفضل ما في الإنسان وأسوأ ما فيه ؛ يوقظ الرغبة في التعلم لدى البعض ، ويوقظ لدى آخرين الخوف من المقارنة ، لأن التفوق الحقيقي يفرض على الجميع مراجعة ذواتهم ، وليس كل إنسان مستعدًا لخوض هذه المراجعة .

ومن هنا، فإن وظيفة الناقد لا تنتهي عند كشف الخطأ ، بل تبدأ عند كشف الآليات التىّ تجعل الخطأ قابلًا للتكرار ، فالنقد ، في جوهره ، ليس محاكمة للأشخاص ، وإنما دفاع عن العقل ، وعن حق المجتمع في أن يعرف من يصنع الأفكار قبل أن يحاسب من ينفذ نتائجها ، وعندما يبلغ المجتمع هذه الدرجة من الوعي ، لن يعود السؤال : من أخطأ؟ بل سيصبح السؤال الأهم : من صنع البيئة التىّ جعلت الخطأ ممكنًا ، ومن المستفيد من بقائه؟ هناك فقط يبدأ البحث الحقيقي عن الفاعل الحقيقي ؛ لأن الحضارات لا تتقدم بملاحقة الظلال ، بل بكشف مصادر الضوء والعتمة معًا ، ولذلك ، فإن مستقبل الأمم لا تحدده كثرة شعاراتها ، ولا ضجيج خطاباتها ، فالتاريخ لن يخلّد مَن يقضون وقتهم في مجالس الثرثرة دون إنتاج حقيقي ، ولا مَن اختاروا الوقوف على الهامش منذ صغرهم حتى مكبرهم ؛ فهؤلاء سيذكرهم التاريخ كأرقامٍ عابرة بلا أسماء ، لكن سيخلد من لديه القدرة على حماية العقل الحر ، وصون قيمة النقد ، والتمييز بين الاختلاف الذي يثري المجتمع ، والعداء الذي يستهلكه ، بل هناك فرق بين معرفةٍ تُوظَّف لإزاحة الآخر وهزيمته والهيمنة عليه ، ومعرفةٍ أخلاقيةٍ تُنتَج من أجل فهم الآخر وتقديم العون والعلاج له ، فكل حضارة احترمت المعرفة ازدهرت ، وكل حضارة حاربت أصحابها انتهت إلى تكرار أخطائها ، مهما اختلفت أسماؤها أو تبدلت شعاراتها . والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الحبة المنسية والسياسة المنهكة…هل بدأ الجمهوريون🇺 ...
- الرأسمالية وإرادة الإنسان…عندما تتحول الوسيلة إلى غايةӿ ...
- زيلينسكي ونتنياهو… عندما يصبح توسيع الحرب وسيلةً للنجاة …
- اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …
- أحمد الياباني 🇯🇵 🇵🇸 … حين يع ...
- من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء الت ...
- بين القانون والحرب📕: عندما تتغير قواعد الاشتباك وتُع ...
- التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق ...
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..


المزيد.....




- وعود ترامب بأن يكون -صانع السلام- تصطدم بالواقع.. كيف سيخرج ...
- قبة حرارية قياسية تضرب غرب الولايات المتحدة وتهدد بأيام شديد ...
- نتنياهو يلتزم الصمت عقب إعلان ترامب اتفاق نزع سلاح حماس
- سوريا.. اختطاف طفل أمام عيني والدته في ريف حلب تحت تهديد الس ...
- مكتب نتنياهو يحدد شرط انسحاب إسرائيل من الخط الأصفر في قطاع ...
- -حزب الله-: كان الأجدر بالسعودية اللجوء للحوار مع العراق بدل ...
- الجزائر تعلن الحداد 3 أيام على ضحايا حادث حافلة بومرداس
- ماكرون يعرض على إسبانيا مساعدتها في مواجهة أزمة سبتة
- قاذفات -سو-34- روسية تدمّر 4 مواقع عسكرية هامة شرق وجنوب أوك ...
- عارضو الأزياء التنكرية يقدمون عروضا ويلتقطون صورا في مهرجان ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الفاعل الحقيقي - النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد🧿…