أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.














المزيد.....

حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 08:43
المحور: قضايا ثقافية
    


ما أكثر ما يثير الضحك في العراق حتى أصبح الضحك فيه نوعًا من البكاء المؤجل، وما أكثر المسرحيات التي تُعرض تحت قبة البرلمان ويصفق لها الجوعى وهم لا يعلمون أنهم يجلسون في الصف الأول من مسرح العبث الكبير. يستدعون وزير الكهرباء ليسألوه عن سبب انقطاع الكهرباء، وكأنهم غرباء عن الخراب، أو كأن الأموال التي أُنفقت عليها جاءت من مجرات أخرى لا من جيوب الفقراء وأحلام الأرامل وعرق العمال. يقف الوزير متجهمًا ويقف النواب أكثر تجهمًا، وتتطاير الاتهامات كأنها طيور مهاجرة تعرف مسبقًا طريق عودتها إلى أعشاشها، ثم ينتهي المشهد ويعود الجميع إلى مائدة المصالح، ويعود الفقير إلى بيته المظلم وهو يصفق لذلك النائب الذي ظن أنه دافع عنه، وما كان إلا ثعلبًا يجيد تغيير جلده مع كل موسم انتخابي.إن العراق لم يعد بحاجة إلى لجان تحقيق بقدر حاجته إلى لجنة تحقق في لجان التحقيق، فكل شيء هنا يحتاج إلى شاهد على الشاهد، ومراقب على المراقب، ونزاهة تراقب النزاهة، حتى أصبح الخراب مؤسسة قائمة بذاتها لها موظفوها وشعاراتها وأختامها الرسمية. الوزير يسأل الوزير، والنائب يراقب النائب، والفاسد يدين الفساد، والسارق يبحث عن اللصوص، أما الفقير فهو المتهم الوحيد الذي ما زال مطلوبًا منه أن يدفع ثمن الوطن كل صباح.
ولذلك فإنني لا أبحث عن مسؤول بعينه، فالمسؤول هنا لم يعد اسمًا أو منصبًا أو حزبًا، بل أصبح فلسفة كاملة تقوم على توزيع الخراب بالتساوي بين الجميع، حتى لم يعد أحد يعرف أين تبدأ الجريمة وأين تنتهي، فالكل يمد أصبعه نحو الآخر بينما يخبئ يده الأخرى خلف ظهره. المسؤول الذي يدخل إلى المنصب حافي القدمين يخرج منه وقد صار يمتلك ما لا تملكه المدن الصغيرة، تتبدل ثيابه وتكبر حساباته البنكية وتتعدد جنسياته وتتسع خرائط أملاكه، بينما يظل المواطن العراقي يحمل ذات الكيس البلاستيكي الذي يحمل فيه أحلامه المؤجلة منذ عقود.وفي سوق مريدي لا يباع كل شيء كما يظن الناس، بل يباع هناك ما تبقى من أحلام العراقيين أيضًا، فالذي لم تستطع السلطة مصادرته صادره الفقر، والذي لم يسرقه اللصوص سرقته السنوات. أما الوطن فقد أصبح مشروعًا مؤجلًا منذ زمن طويل، نكتب عنه القصائد ونعلقه على الجدران ونختلف حوله في الفضائيات ثم نعود لنقتسم ما تبقى منه على موائد السياسة.وكلما خرج علينا مسؤول يحدثنا عن الحرص على المال العام تذكرت أن المال العام في العراق يشبه اليتيم الذي تكفل الجميع برعايته حتى مات جوعًا. كانوا يقولون إنهم لا يوافقون على هذا المشروع أو ذاك حفاظًا على خزينة الدولة، فإذا بالخزائن نفسها تفتح أبوابها أمام الامتيازات والهبات والرواتب والمخصصات والسفرات والمناصب، وكأن المال العام خلق ليكون كريمًا مع الكبار وبخيلًا مع الذين صنعوه.وحين يسألني أحدهم من المسؤول عن الخراب أقول له إن المسؤول الحقيقي ليست الأسماء التي تتغير كل أربع سنوات، بل تلك الفلسفة السوداء التي جعلت الكذب فضيلة سياسية والفساد مهارة إدارية والنفاق برنامجًا انتخابيًا. إنها "حسنة ملص"، تلك المرأة الأسطورية التي لا وجود لها إلا في وجوه الخراب جميعًا، تدخل إلينا كل يوم بثوب الطهر وتحمل في جيبها مفاتيح الخراب، تبكي معنا على الوطن ثم تقتسم معنا نعشه، ترفع شعار النزاهة وتعلق على صدرها أوسمة الفضيلة بينما تخفي تحت عباءتها آلاف الحكايات التي لم تُكتب بعد.
حسنة ملص ليست امرأة من لحم ودم، بل هي الاسم الرمزي لكل الذين جعلوا العراق يقف طويلًا في طوابير الانتظار، ينتظر الكهرباء والماء والعدالة والكرامة والمستقبل. إنها تسكن في كل خطاب جميل يخفي وراءه صفقة قبيحة، وفي كل وعد انتخابي ولد ميتًا، وفي كل مسؤول يرفع يده بالقسم بينما يمدها سرًا نحو الغنائم.لقد علمتنا السنوات أن الخراب لا يأتي من باب واحد، بل يدخل من النوافذ كلها، وأن الوطن لا يسرقه لص واحد بل جيش كامل من اللصوص الذين يتقنون ارتداء الأقنعة. ولذلك فإن أشد ما يخيفني ليس أن يسرقوا المال، فالمال يعوض، وإنما أن يسرقوا قدرة الناس على الحلم، وأن يجعلوا المواطن يصدق أن ما يحدث قدر لا مفر منه، وأن الفساد جزء من جغرافية العراق كما هو دجلة والفرات.إن العراق أكبر من جميع ساسته وأحزابه ومناصبه، وسيبقى قائمًا ما بقي فيه فقير يحلم بوطن عادل، وأم تنتظر عودة ابنها من طوابير التعب، وشيخ يحمل مفتاح بيته القديم ويؤمن أن البلاد لا تموت وإن أثقلها الخراب. أما حسنة ملص فستظل شخصية هزلية في كتاب هذا الزمن، عنوانها الكبير أن الخراب حين يتجمل بالكلمات يصبح أكثر قبحًا، وأن الأوطان لا تسقط حين يسرقها اللصوص، بل حين يعتاد أهلها على رؤية السرقة فلا يعودون يندهشون.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.


المزيد.....




- بعد أن قيل له إنه لن يمشي مجددًا.. قرر السفر حول العالم مع أ ...
- الرئيس الأوكراني: دفاعاتنا الجوية عاجزة أمام الصواريخ الروسي ...
- بعد 20 عامًا من الروائح الكريهة.. مدينة كندية تتخلص أخيرًا م ...
- السعودية.. الأمن يعلن القبض على 4 إثيوبيين في الرياض ويكشف م ...
- السفارة الأمريكية في عمّان توصي الأمريكيين بمغادرة المنطقة
- مقتل شخص وإصابة 12 استهدفت حافلتهم مسيّرة أوكرانية في زابورو ...
- ما مدى قدرة المؤسسات الأمريكية على إصلاح الضرر الذي ألحقه تر ...
- واشنطن وتل أبيب تستعدان لـ -أعنف قصف- على منشآت الطاقة الإير ...
- 48 ساعة حاسمة.. أمريكا وإسرائيل تخططان لأعنف حملة قصف على إي ...
- مشاهد لرصد مسيّرات قوات -المركز- الروسية مواقع أوكرانية قبل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.