أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - إنكايا... ستة قرون من الظل














المزيد.....

إنكايا... ستة قرون من الظل


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 20:48
المحور: الادب والفن
    


في الطريق الصاعد من مدينة بورصة التركية نحو جبل أولوداغ، تنحسر المدينة قليلًا، ويأخذ الأخضر مكانه على جانبي الطريق. يبرد الهواء كلما ارتفع المسار، وتطل البيوت من بين الأشجار قبل أن تختفي خلف منعطف آخر.
ومع استمرار الصعود، تتقارب البيوت عند سفح الجبل، وتطل قرية إنكايا من بين الخضرة، هادئةً كأنها تستريح على الطريق إلى القمة. تتوارى بعض بيوتها خلف الأشجار، وتتوزع المقاهي الصغيرة على جانبي الطريق، قبل أن تنفتح القرية فجأة على مشهد يطغى على ما حوله، وتنجذب إليه الأنظار من اللحظة الأولى.
شجرة دُلب هائلة تتوسط المكان، تفرد أغصانها في الجهات، حتى يبدو تاجها سقفًا أخضر، أقامته الطبيعة فوق رؤوس القادمين. وكلما اقترب الزائر منها، بدا جذعها أضخم مما توحي به الصور؛ عريضًا، متشقق القشرة، يحمل آثار قرون من الزمن وقسوة الطبيعة والشيخوخة. ولتخفيف وطأة هذا العمر الطويل، تنتصب تحت بعض أغصانها الثقيلة مساند من الحديد، تحمل عنها شيئًا من ثقلها، وتعينها على البقاء ممدودة في الفضاء، بعد أن أضعفت السنين قدرتها على حمل نفسها.
تأخذ هذه الدُّلبة العتيقة اسمها من قرية إنكايا التي تحتضنها، ويمنحها عمرها المديد مكانةً بين أشهر الأشجار المعمّرة في بورصة وتركيا.
تقول اللوحة الموضوعة عند جذعها إن عمرها يناهز ستمائة وأحد عشر عامًا، وإنها ترتفع سبعة وثلاثين مترًا، فيما يمتد تاجها ثلاثة وخمسين مترًا، ويزيد قطر جذعها على ثلاثة أمتار. لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تقول كل شيء. تضرب جذورها في هذه الأرض منذ بدايات القرن الخامس عشر تقريبًا، فيما الدولة العثمانية ما تزال في طور صعودها. تنمو أغصانها، وتعبر من حولها أجيال لا يحصيها أحد؛ يتغير الحكام، وتتبدل المدن والحدود، تندلع الحروب وتنطفئ، ويمضي البشر إلى مصائرهم، فيما تظل هي في مكانها، تضيف إلى جذعها عامًا جديدًا، وإلى عمرها حلقة أخرى لا يراها أحد.
تحتها اليوم مقاعد وطاولات، وحولها زائرون يلتقطون الصور. أطفال يركضون قريبًا من الجذع، وأيدٍ تمتد لتلمس قشرته الخشنة. وربما لا يخطر لكثيرين منهم أنهم يضعون أكفهم على كائن حي سبق وجوده الأجداد بقرون.
وأمام هذا العمر الممتد، لا تعود إنكايا مجرد شجرة ضخمة تستحق أن تُرى، وإنما تبدو شاهدًا حيًا على زمن عبر من حولها ولم يعبر بها. ومن هنا تأتي هيبتها، مختلفةً عن هيبة الآثار؛ فالحجر القديم يحمل ذاكرة من بنوه ثم رحلوا، أما هي فتحمل ذاكرتها وهي ما تزال حية؛ تشرب الماء، وتورق، وتتساقط أوراقها، ثم تعود فتخضر في ربيع آخر. لا تحفظ الماضي في جدار أو نقش، وإنما تواصل العيش معه. وتحت ظلالها التي تتسع من حولها، لا يبقى التأمل حبيس المكان؛ إذ تمتد الذاكرة بعيدًا، إلى العراق، فتستعيد بساتين كانت تنتشر على ضفاف الأنهار، ونخيلًا يملأ الأفق، وأشجارًا تتوارثها العائلات جيلًا بعد جيل. ثم تزاحم تلك الصورَ أخرى أشد قسوة: بساتين تُجرف، وأشجار تُقتلع لتفسح الأرض للبناء النفعي، وغابات ومساحات خضراء تنهشها آفة الإهمال والتجاوز، حتى يختفي في سنوات قليلة ما احتاجت الطبيعة عقودًا طويلة كي تصنعه.
وأمام تلك الصور التي تستدعيها الذاكرة، تزداد المفارقة وجعًا في عين العراقي؛ فهنا، أمام شجرة بلغت من العمر عتيًّا، يتدخل الإنسان ليطيل حياتها: تُسند أغصانها الثقيلة كي لا تنكسر، ويُعتنى بجذعها، وتُترك لها فسحتها من الأرض والسماء كي تواصل الحياة. وهناك، في بلادنا، قد لا تشفع للشجرة عشرات السنين التي أمضتها واقفة في أرضها؛ تأتيها جرافة مستعجلة، تنهي في ساعات عمرًا امتد سنين، لتخلي المكان الى مشروع جديد، دفع صاحبه الملايين للحصول على إجازة تمنحه، بلغة المصالح، حقَّ قتل الأشجار.
وعند مغادرة إنكايا، تبقى صورتها خلف الطريق: جذع هائل، وأغصان تتسع لظل أجيال متعاقبة. عندها لا يعود السؤال كم تستطيع شجرة أن تعيش؟ السؤال الأثقل هو: كم تستطيع ذاكرة وطن أن تعيش، إذا ظل يقتلع الأشجار التي تحفظها؟



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وكر الشياطين
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل


المزيد.....




- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...
- الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس ...


المزيد.....

- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - إنكايا... ستة قرون من الظل