أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - تحيا دولة الفرقاء














المزيد.....

تحيا دولة الفرقاء


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 22:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندهم، في الجيوش المحترفة، تُمنح الرتب العليا وفق حاجة الملاك وسنوات الخدمة ومقادير التميّز والإنجاز. وعندنا توزع الرتب كما تُوزَّع الهدايا في المناسبات؛ فكلما كان صاحب النصيب أقرب إلى القلب، ارتفعت قيمة الهدية وَثقلَ وزنها. والمقارنة بين المعيارين وحدها كافية لشرح المأساة؛ فمنذ تأسيس الجيش العراقي، وطوال عقود الحروب والانقلابات والجبهات وحتى عام 2003، لم يتجاوز عدد من بلغوا رتبة فريق 81 ضابطاً، وكأن الرتبة يومها وسام نادر لا يُعلّق على الكتف إلا بعد عبور حقولٍ ممهورة بالتميّز.
ثم تغيّر الزمن، وبدلاً من أن تبقى الرتب العليا قمماً عسكرية، تحولت إلى ما يشبه الدروع التذكارية في الاحتفالات، يوم فقدت قيمتها من كثرة التوزيع. حتى صار عدد الفرقاء المستمرين بالخدمة بالمئات واضعاف العدد من المتقاعدين، أوصلنا إلى مرحلة باتت فيها شرطة المرور تضم أكثر من فريق، وكأن البلاد تستعد لتحرير الإشارات الضوئية من احتلال خارجي، أو تتجه لخوض معركة مصيرية ضد الزحامات عند مجسرات بغداد التي استنزفت سيولة النقد التي يتحكم بمقاديرها الأمريكان.
إنها حقاً مشكلة، وجوهرها ليس في كثرة الرتب وحدها؛ فدولتنا “العليّة” دولة نفطية قادرة شرعياً وعاطفياً على تحمّل جيش من الألوية والفرقاء، مع ما يرافق ذلك من مخصصات وحمايات وعجلات مظللة وأرتال طويلة، ومواطننا بسيط يحسين الظن بهذه الأرتال وبأصحابها، معتقداً أنهم لا يخوضون حرباً في شوارعه المكتظة اتقاءً لمزيد من الازدحامات. بل إنها معضلة تتجلى في سوء التوزيع؛ حين يجلس فريق على كرسي صُمم أصلاً لعميد، ويُدفع بلواء إلى أداء مهام لا تتجاوز في طبيعتها عمل العريف في تنظيم الطرق والساحات، تختلّ المعايير وتضيع الفواصل بين الرتب والواجبات، فيتحول المنصب إلى استعراض نجوم ثقيلة أكثر منه موقعاً للإدارة والقرار، وتتآكل الهيبة نفسها من أعلاها إلى أسفل السافلين.
وعند هذا الحد لا تعود فوضى الرتب مجرد مسألة شكلية، وإنما تنعكس مباشرة على الأداء والقرار. فنرى بوضوح قاعدة عسكرية معادية تُقام في صحراء البلاد، بينما لا يعلم بها أحد من الفرقاء، ثم يسبقهم إليها راعٍ للأغنام، فينبههم ويدلهم على موقعها. ومع ذلك يخرج فريق منهم لينفي ما رأته عينا الراعي، ثم يظهر آخر ليتجاوز جهد الراعي ويؤكد أن قواته أجبرتها على الرحيل، قبل أن يأتي فريق ثالث، بخبرته الطويلة، ليحدد هوية القاعدة الإسرائيلية وساعة رحيلها بدقةٍ تقل عن ما عرفه الراعي بالفطرة الوطنية.
وحين يصبح الراعي أكثر دقةً من بيانات أصحاب النجوم الثقيلة، وتتحول الحقيقة العسكرية إلى سلسلة تصريحات متناقضة، ندرك أن الرتب العليا فقدت معناها الحقيقي، وأن النجوم لم تعد دائماً دليلاً على الكفاءة بقدر ما أصبحت جزءاً من مشهد البروتوكول والاستعراض، وان العسكرية فقدت شيئاً من هيبتها، وأصبح الفرق بين الفريق والملازم، مجرد عدد السيارات التي تسير خلف كلٍّ منهما. وحين تتحول الرتب من مسؤولية تُكتسب إلى امتياز يُمنح، ومن رمز للكفاءة إلى زينة بروتوكول، لا يبقى أمام المواطن إلا أن يهتف ساخراً: تحيا دولة الفرقاء.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا


المزيد.....




- -صفعة ماكرون- سببها علاقة مزعومة بينه وممثلة إيرانية؟
- المغرب-نيجيريا: مشروع أنابيب غاز -يعيد رسم خارطة الطاقة- في ...
- مباشر: حزب الله يقول إنه استهدف جنودا شمالي إسرائيل بواسطة ط ...
- حكومة علي الزيدي تنال ثقة البرلمان العراقي.. وتعهدٌ بحصر الس ...
- بين طوابير المساعدات وتجاهل ترمب.. حرب إيران تفاقم أزمات الأ ...
- ترمب جاء إلينا في الصين فرارا من فخ -ثوسيديديس-
- مدير -سي آي إيه- في كوبا وحكومتها تدرس مقترح مساعدات أمريكية ...
- سجون روسيا أُفرغت بـ40%.. فهل ذهب السجناء إلى الحرب؟
- استقالة وزير الصحة تزيد الضغوط على ستارمر وتفتح الباب لمنافس ...
- مسؤول أميركي بارز: محادثات إسرائيل ولبنان مثمرة وإيجابية


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - تحيا دولة الفرقاء