أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - الفضيلة لا تنجح هنا














المزيد.....

الفضيلة لا تنجح هنا


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 00:17
المحور: الادب والفن
    


دخلت سهاد الكلية التي اقتصر الدخول اليها للبنات واثقةً من قدرتها على عبور السنوات واحدةً تلو الأخرى، كما تعبر امرأةٌ نهرًا تعرف ضفّتَه جيدًا. اجتازت سنتها الأولى بتفوّقٍ منحها طمأنينةً كاذبة، وبدأت الثانية بدافعيةٍ أعلى، وبفقرٍ أوضح، وبقناعةٍ راسخة بأنّ العلم وحده قادر على فتح الأبواب المغلقة.
هناك، اقتربت الدكتورة (د) من سهاد اقترابًا مموّهًا بابتسامةٍ مهنية وحديثٍ عابر عن «الحياة» خارج القاعات. راحت تدعوها إلى الانتماء لمجموعاتٍ من الشباب، قالت إنّ السياسة ترعاهم، وتفتح لهم طرقًا أكثر عملية ومتعة. اعتذرت بهدوء، محتجّةً بالتفرغ للدراسة، وضيق ذات اليد، وعدم الاقتناع بالطرق التي تسلكها السياسة.
اختفت الدكتورة أسابيع، ثم عادت بضغطٍ أنعم، ومن بعده أشد. وحين ظلّ الرفض قائمًا، وجدت سهاد اسمها في قائمة الراسبات بالمادة التي تُدرّسها (د). وبدلا من البكاء، شدّت موقفها على الرفض، وبدأت تراقب ما يجري في الممرات الخلفية، حيث تُعاد صياغة المصائر بعيدًا عن السبورة ودفاتر الامتحان.
ذات صباحٍ ماطر، كانت السماء تُفرغ ثقلها على باحة السكن الجامعي. رأت سهاد صديقتها القريبة أسماء تترجّل من سيارةٍ حديثة توقفت عند الناصية، ومنها شقّت الطريق بخطواتٍ مترددة، ومعطفٌ جديد لا يقيها البلل.
التقتا عند المدخل. لم تتبادلا التحية؛ اكتفت سهاد بنظرةٍ طويلة قرأت فيها ما يكفي. أمسكت يدها اليمنى، كما تفعل الأخوات، واقتادتها بصمتٍ إلى غرفتها في آخر الممر. جلستا على حافة السرير، متجاورتين، قرب نافذةٍ ما زالت قطرات المطر تنزلق على زجاجها ببطء. ساد صمتٌ ثقيل... صمتُ ما قبل الاعتراف. لكن سهاد لم تنتظر، شدّت على يد أسماء قليلًا، وقالت بصوتٍ خافتٍ لا يحتمل المواربة:
- قولي لي الحقيقة… أنا أعرفك. هذا ليس غيابَ ليلةٍ عادية.
تجنّبت أسماء النظر إليها، وسحبت يدها ببطء، تمتمت بأنها لم تخطط لشيء، وأن الأمر بدأ «بنصيحة» من الدكتورة (د)، ثم توقفت.
عندها فقط انهار التماسك. انحنت قليلًا، وأسندت ظهرها إلى الجدار، وقالت وهي تحاول أن تبدو هادئة:
- كل شيء بدأ منها. صورت هذا الطريق أسهل، وأقصر، وأقل كلفة من الانتظار. ثم أضافت، بعد صمتٍ قصير:
- اعتدت حضور ما سمّته "حفلات تأهيل" اقتادتني من إحداها إلى قصرٍ فخم. سلّمتني الى طاقم نساء أعددنني وأنا مذهولة، كما تُعدّ العرائس قبل العبور. تُركتُ بعدها في غرفةٍ مغلقة أنتظر حتى دخل رجل أعرفه من شاشات التلفاز ومنصّات السياسة، أُغلقت الأبواب خلفه، وتغيّر الهواء. عندها صارت التفاصيل أثقل من أن تُروى. توقفت لحظة، ثم تابعت بصوتٍ أخفض:
- قاومت في البداية. قلت لنفسي إن الأمر لن يتجاوز الحديث. لكن الكلمات انزلقت إلى وعود، والوعود إلى إغراءات تُقال بلهجةٍ لا تعرف الرفض.
على فراش الليل لم يبدأ شيء دفعةً واحدة؛ تكاثرت العروض أولًا، وارتفع سقف الهدايا، قطعةً بعد أخرى، حتى انتهى المشوار بمفاتيح سيارة، علامةَ صمتٍ نهائي.
سألت سهاد، بعد تردّد: من هو؟
هزّت رأسها، وبصوتٍ مرتجف قالت إن الصمت كان الشرط الوحيد، مقرونًا بتحذيرٍ لا يحتمل التأويل:
البوح يعني الموت.
وحين ألحّت عليها، اكتفت بجملةٍ واحدة: هو أحد الذين يتحكمون في البلاد في زمنها الحديث… ومن دعاة الإيمان.
نهضت أسماء، وضعت مفاتيح سيارتها في حقيبتها كمن يُغلق بابًا لا ينوي العودة إليه. وقبل أن تغادر، قالت بنبرةٍ خالية من الدهشة، كأنها تُسلّم بحقيقةٍ أقدم منها:
- لستُ الأولى، ولن أكون الأخيرة. والدكتورة ليست وحدها… كثيرات يعرفن الطريق الذي يبدأ من قاعة المحاضرات، وينتهي حيث تُغلق الأسئلة أفواهها.
أغلقت سهاد باب غرفتها من الداخل وقد انكشفت لها الخدعة كاملة؛ لاح لها المستقبل فخًّا، والألم نظامًا، وبدت البلاد التي تُجيد تأدية الطقوس عاجزةً عن الحماية، تاركةً فتياتها يعبرن الأنهار عارياتٍ من العدالة، بلا ضفاف، وبلا سند، ولا شهود.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار
- من دفاتر الحرب: صولة رجل واحد
- عبد الرزاق النايف: رحلة من القصر الى القبر
- امرأة في حضرة الظل
- من غزة إلى قطر… سقوط خطاب الإبراهيمية
- حين يضحك الوزير


المزيد.....




- داية الدراما السورية.. مقتل الفنانة هدى شعراوي بدمشق
- وفاة الشاعرة الفرنسية اللبنانية فينوس خوري غاتا عن عمر يناهز ...
- بطلة -باب الحارة-.. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي في -ظروف ...
- بطلة -باب الحارة-.. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منز ...
- أول تعليق من الداخلية السورية على مقتل الفنانة هدى شعراوي
- إبداع ضد الخلود: لماذا يصنع الفنانون أعمالا ترفض البقاء؟
- ليوناردو شاشا.. المثقف الذي فضح تغلغل المافيا في إيطاليا
- إحياء -سادة الكون- بخط ألعاب جديد قبل العرض السينمائي
- -أم زكي-.. العثور على الفنانة السورية هدى شعراوي مقتولة
- -إرث لا يموت-.. مؤسسة سورية تنجح في استعادة حرفة مندثرة منذ ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - الفضيلة لا تنجح هنا