أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ثمن الثقة














المزيد.....

ثمن الثقة


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 20:50
المحور: الادب والفن
    


في الطريق إلى مطار بغداد الدولي، بدأت الحكاية على لسان الطبيب الجرّاح. بدا الوقت ثقيلًا، وتحوّلت الوقائع في ذهنه إلى أثرٍ صامت. وحين سلّم جوازه لختم المغادرة، أدرك أن بعض ما مرّ به كان أكبر من التصديق.
جلس على أحد مقاعد الدرجة الأولى في الطائرة الأردنية المتّجهة إلى عمّان، وإلى جواره جلس عضوُ برلمانٍ محسوب على المتديّنين، لفت انتباهه انشغالُ الطبيب بقراءة كتابٍ باللغة الإنجليزية، فالتفت نحوه وسأل، بلا تمهيد، عن مهنته. وحين أخبره كان طبيبا استشاريا في جراحة الأطفال، تأمّله لحظة، ثم قال بنبرة فضولٍ لا تخلو من دهشة: وهل تركتَ الجراحة، وأنت في سنّ الشباب؟
تردّد في البداية، شعر بثقلٍ في صدره، كأن السؤال لم يكن عابرًا. فأجاب بعد صمتٍ قصير:
طلّقتُها في بلادكم بالثلاثة. سأعود إلى لندن لأمارسها هناك؛ حيث درستُ وتدرّبت، وحيث تُمنَح المهنة ما يكفي من إنصاف.
ضحك البرلماني، وسأل بخفّة: ألم يكن العراق بلادك أيضًا؟
أجابه بعد لحظةٍ من التردّد: لهذا أهرب منه، كي يبقى في المخيّلة… بلادي.
بدت الحيرة على وجه البرلماني. وحين التقت عيناه بعينيه، لمح رغبةً صريحة، شبه متلهّفة، في فكّ هذا اللغز. في تلك اللحظة، لم يعد السؤال موجّهًا إليه وحده؛ أعاد النظر إلى نفسه، فوجد الإحباط في داخله يفتّش عن منفذ. عندها أغلق الكتاب، استند إلى المقعد، وقال من دون مقدمات:
إن بعض الأصوات، حين تأتي من أرقامٍ معروفة، تغيّر مصير مهنةٍ كاملة.
ثم مضى يستعيد المكالمة التي وصلته وهو في مستشفى مدينة الطب، من عضو برلمان معروف بشدّة تقواه. لم يكن في حديثه تهديد، ولا أمرٌ مباشر؛ كان رجاءً محسوبًا، مغلّفًا بنفوذٍ لا يحتاج إلى شرح. صوتٌ يعرف كيف يختصر المسافة بين السياسة والجسد، بين العشيرة وغرفة العمليات. قال إن هناك طفلًا من أقاربه، يعاني فتقًا، ويريد له معاينة عاجلة.
أجابه يومها، بصوتٍ مهنيّ لا أكثر: ليحضروه إلى المستشفى، وسيُجرى اللازم حسب الأصول.
لم يمرّ وقتٌ طويل حتى وصلوا. دخل الطفل المستشفى محمولًا على قلقٍ يفوق جسده الصغير. كان برفقته عددٌ من أقاربه، ووسطهم ظهر تلميذ البورد الذي أمضى خمس سنوات يتدرّب تحت يديه. تقدّم نحوه بثقةٍ يعرفها، تلك التي تولد من طول الوقوف في غرف العمليات، لا من طول التأمّل.
قال إن الطفل من أقاربه، مرّر العبارة كما لو أنها تفصيل عابر لا يستدعي التوقّف. وبعد فحصه تحت الإشراف المباشر، أكّد أن الحالة بسيطة: فتقٌ اعتيادي، ومشكلة في نزول الخصيتين يمكن معالجتها بجراحة يسيرة. أضاف أنه أجرى مثل هذه العمليات مرارًا، ويرغب في أن يتولاها بنفسه.
لم يكن في الطلب ما يخالف البروتوكول، ولا في الطفل ما يشي بعجزٍ ظاهر. كان التلميذ طبيبًا مخوّلًا، ومدرّبًا، فسُلِمتُ الحالة له كما يُسلّم الأستاذ أمرًا اعتاد الاطمئنان إليه، من دون أن يخطر بباله أن الثقة، حين تُمنَح في غير وقتها، قد تكون أول الأخطاء.
دخل الطفل غرفة العمليات بهدوء. كانت الإجراءات روتينية: الضوء الأبيض، الأدوات المصطفّة، الأسماء التي تُنادى بلا انفعال. وقف المشرف بعيدًا يراقب من دون تدخّل، كما يفعل الأستاذ حين يترك لتلميذه مساحة الثقة الأخيرة.
مضت العملية كما تمضي العمليات الروتينية. خرج الطفل إلى الإفاقة، وأُغلقت صفحة الجراحة بهدوء. لم تمضِ أيام حتى انكسر الإيقاع: وقف رجالٌ مسلّحون أمام بيت الجرّاح. قالوا إن خصيتي الطفل قد اختفت بعد العملية التي أُجريت تحت إشرافه. تحدّثوا عن الزواج والعار بلغة لا تعرف الطب. لم يتركوا مجالًا للشرح؛ طرحوا «الفصل» بوصفه الحلّ الوحيد. سبعون مليون دينار، ثمن خطأ لم يرتكبه.
بعدها فقط عاد إلى المستشفى. طلب الفحوصات، والأشعّة، والأوليات. هناك انكشفت الحقيقة كاملة: الخلل كان ولاديًا، معروفًا للأهل، ومعلومًا للطبيب التلميذ الذي أجرى العملية، وتواطأ معهم بالاتكاء على اسم الجرّاح لتحصيل المنفعة.
استدعاه إلى مكتبه. دخل كما كان يدخل دائمًا، بخطوات واثقة، غير أن شيئًا في عينيه كان يتفادى النظر المباشر. وضع التقارير أمامه واحدةً تلو الأخرى، ثم سأله بهدوء: كنتَ تعلم؟
لم يُجب فورًا. تردّد، ثم قال ما يشبه الاعتراف: كنتُ مضطرًا.
قال له، محاولًا أن يُبقي صوته ثابتًا: أخطأتَ بحقّ الطب، قبل أن تُخطئ بحقّي.
رفع رأسه أخيرًا، وحاول التبرير. لكن ما جرى كان خيانةً صريحة تفوق أي تبرير؛ خيانة الأستاذ، وخيانة المهنة، وخيانة الثقة التي لا تُدرَّس.
نظر إليه طويلًا، ثم قال الجملة التي لم يكن يظن أنه سيقولها يومًا لتلميذٍ من تلامذته: في بلدٍ يخون فيه التلميذ أستاذه، لا مكان لي على ترابه. تركه واقفًا أمام ما فعله، وخرج وهو يفكّر بترتيب الرحيل.
توقّف هنا عن الكلام. نظر في عيني عضو البرلمان، ثم قال بهدوءٍ لا يخلو من مرارة: هذه ليست حكاية طبيبٍ واحد… إنها حكاية بلدٍ يدفع أبناءه إلى الخارج كي ينجوا بمهنهم.
لم يُعلّق الرجل. اكتفى بنظرةٍ سريعة إلى النافذة، ثم إلى الأرض، كأن الإجابة أثقل من أن تُقال، عندها دوّى صوت المضيفة معلنًا بدء الهبوط في مطار الملكة علياء. أعاد الكتاب إلى حقيبته، شدّ حزام المقعد، وأدرك أن الحكاية انتهت عند هذا الحدّ. أما الأسئلة ذات الصلة بالخيانة والثقة والتيّه، فبقيت معلّقة في الجو.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار
- من دفاتر الحرب: صولة رجل واحد
- عبد الرزاق النايف: رحلة من القصر الى القبر
- امرأة في حضرة الظل
- من غزة إلى قطر… سقوط خطاب الإبراهيمية
- حين يضحك الوزير
- سجن يبيع الحياة
- في بريد الوزير
- عروس التاسعة


المزيد.....




- إمبراطورية الست.. تفكيك خمس مغالطات تاريخية في مسيرة أم كلثو ...
- الفنان محمد هاشم في حوار مع (المدى): الدراما في تطور ونمتلك ...
- حكاية مسجد.. مسجد الكهف أو -زاوية درنة- الليبية
- الممثل التجاري الأمريكي: لم تنسحب أي دولة من اتفاقيات الرسوم ...
- وزير التربية السوري يبحث في الحسكة تنفيذ مرسوم تدريس اللغة ا ...
- وزير ألماني ينسحب من الحفل الختامي لمهرجان برلين السينمائي ب ...
- كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ثمن الثقة