أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - امرأة في حضرة الظل














المزيد.....

امرأة في حضرة الظل


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8476 - 2025 / 9 / 25 - 02:56
المحور: الادب والفن
    


خلال استراحة قصيرة في كافتيريا الإذاعة والتلفزيون، تجلس سهى مع زملائها، فناجين الشاي على الطاولة، والحديث يتشعب بين الأغاني والفنانين. فجأة يتعالى من التلفزيون المعلّق على الجدار صوت فرقة اتحاد النساء: بأغنيتها الجديدة: غالي ريسنا غالي.
تضحك سهى بعفوية، تقول باللهجة البغدادية: "إذا غالي خلي يسعروه!"
تظنها نكتة عابرة. ضحكة تمرّ ثم تموت. لكنها لا تموت. ولا أحد يضحك معها.
في اليوم التالي، بعد أن تُكمل عملها في الثالثة عصرا وتغادر الأستوديو الى بيتها في حي الأمين، يترصّدها رجلان عند الباب. وجوههما جامدة كأنها خرجت من صخرة:
- تفضلي معنا الى المقر.
تتوسل بصوت مخنوق أن تودع طفليها عند جارتها حتى عودة أبيهما. تسير بهما إلى هناك، تغطي خوفها بابتسامة مرتجفة. في اللحظة التي ينغلق فيها الباب خلفهما، تشعر أن حياتها كلها تُترك هناك، معلّقة عند عتبة بيت الجارة. ثم تُقاد إلى السيارة السوداء، وتنطلق بها صوب الكرخ.
يمرّ أسبوع في زنزانة انفرادية، أسبوع يكاد يفتك بها القلق. الجدران رمادية، الليل فيها نسخة عن النهار، ولا شيء سوى وقع أنفاسها الممتدة في الفراغ. ثم يدخل رجل بقميص متدلٍ فوق بنطلونه، يرمقها بعينين جامدتين، ويبدأ سلسلة أسئلته بسؤالٍ بارد: لماذا سخرتِ؟
تنكر، تحاول التبرير، لكن التسجيل يحسم أمرها: صوتها قاطع مثل السكين. تنهار. تبكي، ترتد كلماتها كصدى في بئر مظلم.
أحد عشر شهرًا تنقضي. الزمن يتعفن. تتحدث مع الحيطان، مع نفسها، مع الصمت، تتخيل الجدران كهوفًا تطبق عليها شيئًا فشيئًا، وفي يوم موعود، يفتح الزنزانة ذاك الشخص:
- الرئيس يريد رؤيتك بعد ساعتين.
يقدّم لها فستانها الذي كانت ترتديه ساعة القبض. تلمسه كأنها تلمس حياتها الضائعة. ساعتان تصيران دهراً من ارتجاف وانتظار.
يُفتح الباب. تدخل بخطوات مرتجفة، قلبها يقرع صدرها كطبول حرب. للحظة تظنه صدام جالسًا في المقعد، فتبتلع ريقها وتجمع ما تبقى من قواها لتستحضر كلمات الاعتذار وطلب الغفران. لكن حين يرفع رأسه إلى الضوء تدرك أنه برزان؛ الصدمة تربكها، تختلط صورة الأخ بالأخ والظل بالظل. عيناها لا تثبتان عليه: تراه مرةً ملاكًا يمد الغفران، ومرةً ذئبًا يتهيأ للانقضاض، فيرتطم قلبها كطائر يائس داخل قفص. يتحدث عن الولاء والخطوط الحمراء، ثم يمد إليها كأس عصير، فتمسكه بلهفة وتشرب كمن يعانق الحياة بعد عطش طويل. تشرب باندفاع، كأنها تبتلع حرمان أحد عشر شهرًا دفعة واحدة. يغمرها وهم قصير بالسلام. تخرج من بناية الجهاز. الهواء يصفعها كأنها وُلدت من جديد. تكرر لنفسها: نجوت… نجوت…
بعد ثلاثة أيام، ينهار جسدها فجأة. تُنقل إلى المستشفى. شعرها يبدأ بالتساقط، جسدها يتآكل من الداخل. الأطباء يعجزون عن التدخل: السم يعمل بصمت.
في سكرات الموت، تطلب رؤية ولديها. يدخلان مذعورَين. تمد ذراعيها الهزيلتين نحوهما، فتراهما بنصف بصرها، في ضوء غريب كأنه يخرج من عمق الزمن. وجه الصغيرين يتداخل مع صورتهما في طفولتهما الأولى، تسمع أصوات بكائهما الأولى من غرفة الولادة، وضحكاتهما في حضنها، تختلط الأصوات بالصفير في أذنها.
تشعر أنها تطفو بين عالمين: يداها تحتضنهما، لكنهما يبتعدان في ضباب أبيض. تنادي بصوت متهدج:
- لا تغادروني، ابقوا معي.
ينهمر الدمع من عينيها، وتضع قبلة مرتجفة على جبين كلٍّ منهما، ثم يتلاشى صوتها الأخير:
- سامحوني… أحبكم.
وهكذا تسقط سهى في صمت الموت، تاركة خلفها وجعا بلا صوت، كأنها لم تكن.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من غزة إلى قطر… سقوط خطاب الإبراهيمية
- حين يضحك الوزير
- سجن يبيع الحياة
- في بريد الوزير
- عروس التاسعة
- الانتخابات العراقية: حين تتحول صناديق الاقتراع إلى أداة مقاو ...
- عندما يرفع القبو
- من الأديرة إلى المصانع… حكاية شراب مثير للجدل
- من أطلال الحرب إلى أيقونة السياحة… حكاية قلعة بامبرة
- بين إنجلترا واسكتلندا: قرية تزهر بالحب والهروب
- مدينتان على ضفتي التاريخ: ليدز ويورك
- رحلة في أزقة الزمن وذاكرة الحجر
- حين تنطق لندن....
- حين يصاب الوطن بالتبلد
- تداعي الدولة العراقية: حين تنهار البُنى من داخلها
- مسرح الحريق: العراق بين لهب المأساة وقيد البندقية
- حين يسير العراق إلى حتفه: مرآة النفس الجمعيّة المعطوبة
- ڤرّنا... حيث تتكلّم الغابة بلغة الهدوء
- في حضرة التاريخ: بين أوربرو وبابل
- بطء بطعم الشرق


المزيد.....




- -ذهبية- برليناله تذهب لفيلم سياسي عن تركيا وجائزتان لفيلمين ...
- ليلة سقوط -دين العظيم- في فخ إهانة أساطير الفنون القتالية
- حكاية مسجد.. جامع -صاحب الطابع- في تونس أسسه وزير وشارك في ب ...
- باريس في السينما.. المدينة التي تولد كل يوم
- فيلم -رسائل صفراء- يفوز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين ا ...
- خيمة تتحول إلى سينما متنقلة تمنح أطفال غزة متنفسا في رمضان
- غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا ...
- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - امرأة في حضرة الظل