أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حدث فعلا














المزيد.....

حدث فعلا


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 22:16
المحور: الادب والفن
    


يهبط الضباب اللندني ببطء، كأنه ستارةُ مسرحٍ تُسدل على مدينةٍ لا تنتهي حكاياتُها. عند باب بيت الدكتور فالح يقف السيد عبد الأمير، العراقي المقيم في لندن منذ أوائل التسعينات، موجوعًا؛ كأن الألم يسحب منه ما تبقّى من صبر. يسترجع شريطًا قديمًا يعود إلى أكثر من خمس سنوات، حين بدأ الشكوى من آلام في الكتف ومحدوديّة في حركة اليد اليمين، حين أجرى له فالحُ عمليةً أعادت إليه العافية بامتياز.
يتردد في الدخول، متذرّعًا بالعجلة من أمره، وبأنه جاء من غير موعد. إذ لم يجده في عيادته المعهودة في مستشفى همرسمث، غير أن الدكتور يستقبله بحفاوة الضيف، ويخبره أنه قد تقاعد منذ العام الماضي، ثم يُلحّ عليه بالدخول إلى البيت؛ فالجو باردٌ لا يُحتمل.
يدخل عبد الأمير متوجسًا. يختار كرسيًا قرب النافذة المطلة على الحديقة، كأنه يفتّش عن لحظةِ سكونٍ تُخفّف عنه الألم.
يدخل في الموضوع مباشرةً، ويقول إن الألم في كتفه الأيسر هذه المرة لم يعد يُحتمل، وإن استعمال ساعده صار عسيرًا. يشخّص الأطباء الحالة، تلف المفصل والعضلات المحيطة به، ويؤكدون الحاجة الى عملية عاجلة. يناول صور الأشعة، فيطيل الدكتور النظر إليها قليلًا، ثم يؤكد من أول وهلة أن الجراحة لا تحتمل التأخير نظرا لشدة الأعراض والاعاقة التي يخشى من تفاقمها، ويضيف: لكنني لا أستطيع إجراءها… لقد تقاعدت.
ترتسم الصدمة على وجه عبد الأمير، ويسأل بلهفة:
- وهل تعرف طبيبًا موثوقًا يجريها؟
يرد الدكتور بثقة:
- نعم… الدكتور عبد القادر الأمين. أعرفه واحد من أفضل الاستشاريين المختصين بمشاكل الكتف، معروف بمستواه العلمي ومهارته الجراحية، وبمساعدته السخية لعموم العراقيين.
يصمت عبد الأمير لحظة… ثم يتردد، كمن يقف على حافةٍ لا يرى قعرها، يخشى أن يسلّم نفسه ليدٍ لا يعرفها. يبتلع ريقه، ويقول بصوتٍ خفيض كأنه يهمس بسرّ:
- يبدو من الاسم أن الدكتور ليس من أتباع أهل البيت… وأنا لا أطمئن إلا لطبيبٍ من السائرين على طريقهم. فهل تعرف غيره؟
تصمت الغرفة لحظة. لا يُسمع سوى تنفّس عبد الأمير المتقطع، ووقع عقارب الساعة على الجدار. يرفع فالح رأسه. ينظر إليه بدهشةٍ ممزوجةٍ بشفقةٍ محبّة، ثم يقول بحزمٍ هادئ:
- مستشفيات بريطانيا تعجّ بأطباء من كل الأديان… والناس تثق بأيديهم دون سؤالٍ عن دينٍ أو مذهب. كم من مسلمٍ خرج من غرفة العمليات حيًّا بفضل طبيبٍ مسيحي، وكم من مسيحيٍ نهض من فراشه على يد طبيبٍ مسلم… فالطبّ هنا لا يسأل المريض من أيِّ طريقٍ جاء؛ يسأله عن موضع الألم… والألم عند جميع الأقوام واحد، كما إن اليد التي تُداويه لا تقف عند دينٍ أو مذهب، ولا تعرف إلا الرحمة.
يخفض عبد الأمير عينيه، يبرّر خوفه كاحتياط واجب. يقترب منه فالح. يضع يده اليمنى على كتفه، ثم يقول بصوتٍ إنساني فيه عطفٌ وعتب:
- لم نعد في بدايات الغربة… نحن في بلادٍ علّمتنا كيف يُوزن الإنسان بعمله، لا باسمِه ولا بلقبِه، وعلّمنا الدينُ أن الله ينظر إلى القلوب والنوايا… لا إلى البطاقات الشخصية.
يرفع عبد الأمير نظره، وفي عينيه صراعٌ بين قناعةٍ تتجدد في الغربة، وواقعٍ يفرض نفسه، فيقول :
- سأستخير الليلة وأعلمك قراري في الغد.
ابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة، ورد بهدوء:
- خذ قرارك وحدك… لا حاجة أن تعلمني. أنا أثق بالمشرط… وبقسم أبقراط.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار
- من دفاتر الحرب: صولة رجل واحد
- عبد الرزاق النايف: رحلة من القصر الى القبر
- امرأة في حضرة الظل
- من غزة إلى قطر… سقوط خطاب الإبراهيمية
- حين يضحك الوزير
- سجن يبيع الحياة


المزيد.....




- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- الإخوان المسلمون في سوريا.. الجذور الفكرية والخلافات العقائد ...
- هل مات الخيال: كيف تحولت الرواية إلى سيرة ذاتية؟
- فيلم -غرينلاند 2: الهجرة-.. السؤال المؤلم عن معنى الوطن
- الزهرة رميج للجزيرة نت: العلم هو -كوة النور- التي تهزم الاست ...
- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- لماذا يلجأ اللاعبون إلى التمثيل داخل الملعب؟
- فيلم -الوحشي-.. المهاجر الذي نحت أحلامه على الحجر
- ماكرون غاضب بسبب كتاب فرنسي تحدث عن طوفان الأقصى.. ما القصة؟ ...
- مصطفى محمد غريب: هرطقة الرنين الى الحنين


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حدث فعلا