أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة














المزيد.....

من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


لم تكن مدينةُ الحِلّةِ محطةً عابرةً في طواف الشهر؛ فهي أصلَ الحكاية ومركزَها المشعّ. منها بدأت الخيوط الأولى للذاكرة، ومنها تشكّلت الطبقات الأعمق في الوعي. كأنّ الطفولة في ربوعها تربةً دافئةً ما تزال تخبّئ بذورها في الداخل. إنها ابنةُ بابل، سارت بمحاذاتها ظلالُ الملوك، ولوّحت في أفقها أطيافُ الجنائن المعلّقة، وصعد من طينها الأول همسٌ عتيق يشبه نداءً لا ينقطع. إلى شمالها تقيم قريةُ الجمجمة، موطنُ الأجداد الذي لم يتغيّر في الذاكرة. شارعُها الوحيد، أو ما يسمّيه الأهل «العجد»، بدا للوهلة الأولى أضيقَ ممّا كان؛ غير أنّه لم يكن كذلك، فالمسافاتُ في داخل العائدين بعد الفراق هي التي تتّسع. على امتداده يلتقي زمنان: زمنُ الذهاب إلى مدرسة عمران الابتدائية في خمسينيات القرن الماضي، حين كان الحفاءُ علامةَ جيلٍ يمضي بأيامه في بساطةٍ صافية قبل عصر الكهرباء وإسالة الماء والتلفاز، وزمنُ الألفيّة الثانية، حيث تبدّلت العلاماتُ وتغيّرت الموازين.
في ذلك الزمن، لم يكن الحفاءُ عيبًا يُوارى، ولا الفقرُ مثلبة. كان الرغيفُ يُقسم نصفين، وكانت السعادةُ تولد من نسمة هواء باردة، وتنمو الطمأنينةُ خفيّةً كنبات الخباز البري في بستان الرهيمية الشهير، فتمنح الحياةَ بساطتها المعهودة. ومن صوتِ عباس الجاسم حين يعلو بأذان الفجر، كان النهارُ يتفتّح بسيطًا، راضيًا بما هو متاح. أمّا زمنُ الألفيّة الثانية، فقد تبدّلت ملامحه؛ لم يعد الحفاءُ ظاهرًا، حلّ محلَّه قلقٌ مكشوف. كثرت الأحذية وتفرّعت الطرق، وتضخّمت صورة الفقر في مرايا المادّة ولهوها العابر، وفي السعي الدائب إلى امتلاك المزيد، حتى غدت السعادةُ كأنّها تُشترى وتُدَّخر في خزائن الوهم.
على امتداد هذا «العجد»، حيث ما يزال الهمسُ القديم يتردّد، يأخذنا الطريقُ من بعيد إلى مجازِ الوزون، إلى بيتِ العائلة العتيق؛ بيتٍ لم يبقَ منه غيرُ صوتِ الأمّ الحبيبة، ابنةِ داوود، يملأ الفراغ. صوتٌ ما يزال ينساب في الأركان كضوءٍ خافت، يوقظ في الجدران دفءَها القديم. هو الصوتُ ذاته الذي كان يسبق المساء إلى سطح الدار، فيهدأ به صخبُ الأشياء، وتلين حدّةُ التعب، ويغدو البيتُ أكثر اتّساعًا ممّا يحتمل. غاب كلُّ شيءٍ في هذا البيت، وبقي صوتُها وحده، كأنّه روحُ المكان؛ لا يشيخ ولا ينطفئ، يحرس الذاكرة ويقيم فيها، ويعلّم القلبَ أنّ الحضور قد يسكن في نبرة، وأنّ الأمّ، حين ترحل، تترك صوتها وطنًا.
انتهى الطريق عند الشطّ الذي ترسو الجمجمة على ضفّته كسفينةٍ مطمئنّة. غير أنّه لم يعد كما كان؛ فقد اختفت الشريعة، ملتقى الشباب، وتلاشى الجرف، مسبحهم الصيفي المفتوح وموضع ضحكاتهم، وجُرفت البساتين التي كانت تعانقه، فنهضت مكانها بيوتٌ متلاصقة قرّبت القرية من صخب المدينة وأبعدتها عن صفائها الأوّل. منها بدأ الطريق ممتدًّا إلى مركز المدينة، الحِلّة؛ كأن الانتقال إليها خروجٌ من ظلٍّ وادعٍ إلى ضوءٍ لا يستقرّ. والمشي بمحاذاة النهر، قريبًا من أطلال حديقة النساء التي أُنشئت في الثلاثينات لإكرام النساء، يوقظ ذكرى زمنٍ عامرٍ بالضحكات والمقاعد البيضاء. لقد اختفت الحديقة، وغاب المشي المعهود للنساء، وفتر الحنين؛ حتى الخطى لم تستعد نشوتها الأولى، إذ حلَّ في القدمين ثقلٌ خفيّ بعد هذا التغيير واحتجاب الوجوه الجميلة التي كان التطلّع إليها يمنح الخفّة لمواصلة المشي ساعاتٍ طويلة، فآثرت الاستراحة. وعلى الطريق يقوم مول (BDC)، أوّل ما بُني من نوعه في المدينة، صُمّم مقصدًا لأهل الحِلّة. أراده سليم الجمجماوي الذي بدأ من الصفر، مكانًا أنيقًا تتوزّع فيه مقاعد الراحة والمقاهي، ويرتاده الناس من مختلف الأعمار. وهناك، على إحدى طاولاته الهادئة، تيسّر الجلوس مع شخصيّات حلّيّة، كان الحديث وإياها امتدادًا لذاكرة المدينة، إختلط فيه ذكر الأمس بنبض الحاضر. ومع ميل المساء إلى هدوئه، اقترح أحمد، رفيق الطفولة والصبا، مواصلة الحديث في تعلولةٍ جمجماويّة؛ يطول فيها السمر، فكانت ڤيلّا أبو سرحان التي بناها ناجح على الطراز البابلي فوق أرضٍ آلت إليه حصةً من جدّه شهاب في منطقة البازول، تلك البقعة التي كانت يومًا بستانًا، أو مجموعة بساتين، قبل أن تزحف إليها البيوت. هناك فوق عشبها الندي دار الحديث عائليًا، وتفرّعت الحكايات، حتى مضى الليل قريبًا من منتصفه، وتفرّقت الحكايات في طرقٍ يعرف كلٌّ منها وجهته.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار


المزيد.....




- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...
- هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل ...
- تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان
- محيي الدين سعدية.. صدى المآذن القديمة ونبض البيوت بصيدا وجنو ...
- 16 رمضان.. يوم التخطيط العبقري في بدر وانكسار أحلام نابليون ...
- ظلام وأزمة وقود.. 5 أفلام سينمائية تخيلت العالم بلا طاقة


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة