أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بغداد ....نصف الحكاية














المزيد.....

بغداد ....نصف الحكاية


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 11:59
المحور: الادب والفن
    


حطّت الطائرة القادمة من بلاد الضباب والصقيع والبرد في مطار بغداد عند تخوم العصر، كأنها تهبط على صفحةٍ من زمنٍ اختبأ طويلًا في الذاكرة. كان الهواء يومئذٍ يحمل رهافة الربيع الصادق؛ نسمةً يتخللها خيطُ برودةٍ شفيف، وشمسًا مائلةً إلى الأفق خفَّ وهجُها، كأنها تستريح من عناء النهار، فاتحةً للمدينة فسحةَ تأمل، وما إن لامست أقدامه أرضَ الرافدين حتى انفرج في القلب بابٌ قديم، تدفّقت منه صورٌ دفينة عن بغداد التي خبرها الحنين يومًا: بغداد النخيل والكتب، بغداد الأزقة التي تحفظ خطى العابرين، وبغداد التي لا تشبه إلا نفسها.
في صبيحة اليوم التالي، بدت الجمعة كأنها نسمةُ هدوءٍ تعمُّ المدينة، اتجهت الخطى طوالها إلى شارع المتنبي؛ ذلك الشريان الثقافي الذي لا يزال يقاوم النسيان بعناد العارفين بقيمة الحرف. هناك، بدت الكتب كأنها كائناتٌ حيّة تتنفس بين الأكشاك، تتبادل الأسرار مع القرّاء، وتغري المارّة بوعود الاكتشاف.
ومن المتنبي إلى القشلة، حيث يتجاور التاريخ والحاضر في صمتٍ مهيب. المبنى العتيق يقف بثباتٍ يشبه وقار الشيوخ، جدرانه تستعيد حكايات الحكومات الأولى، وساعته الشهيرة ترقب الزمن كما لو كانت شاهدةً لا تنام. في الساحة، ينهض تمثال نازك الملائكة كقصيدةٍ متجسدة، يذكّر العابرين بأن الشعر في بغداد هوية.... شبابٌ وفتياتٌ يتوزعون المكان، بعضهم غارقٌ في حديثٍ عابر، وآخرون يستندون إلى أرائك وضعتها المقاهي التي وُلدت داخل بيوتٍ بغدادية أعيد ترميمها بعناية؛ كانت ذات يوم مسكونةً بأسرٍ وأحلام، فأصبحت اليوم مأوى للقاءات والذكريات.
بغداد تتبدّى، في أحد وجوهها المضيئة مدينةً لا تهدأ، تعيد تشكيل ملامحها بلا توقف. مبانٍ حديثة تنتصب على نواصي الشوارع، وفنادقُ شاهقة تلمع واجهاتها بالضوء، كأن نجومها لا تُحصى. وأماكنُ ترفيهٍ تنبض بالحياة، تتجاور فيها الأناقة والضجيج، وتتعانق فيها الموسيقى مع سهرٍ طويل لا يعرف العجلة. كأنها تعلن عن زمنٍ آخر يسعى إلى الحضور. ومجسّراتٌ تتشابك فوق الطرقات، تُربك القادم لأول مرة، لكنها تحكي عن مدينةٍ تكافح ازدحامها وتبحث عن انسيابها.
في كل زاويةٍ مطعم، وفي كل شارعٍ مقهى، حتى ليخال المرء أن بغداد مدينةٌ تُقاس بروائحها كما تُقاس بتاريخها. غير أن الليل فيها حكايةٌ أخرى؛ حين تخفت ضوضاء النهار، تمضي الخطى إلى نوادٍ عريقة استعادت بهاءها، تستقبل العوائل وطلاب السكينة، حيث تتوارى الهموم قليلًا، ويصفو المزاج، في فضاءاتٍ أُتيح لها هامشٌ من الخصوصية. أما دجلة الخير، فظلَّ على عادته سيد المشهد وذاكرة المكان، ينساب على مهلٍ وقد خفَّ بعض اندفاعه، على ضفافه يتناثر العابرون بين متأملٍ وصامتٍ وحالم، كأن النهر يمنح كلَّ واحدٍ مرآته الخاصة.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، يلوح وجهُ بغدادَ المتحوّل. جيلٌ شابٌ، يتطلّع بعضه إلى التحضّر بثقةٍ ورغبةٍ في الانفتاح، يملأ الأمكنةَ والمساحاتِ العامة، ينسج صداقاتٍ وأحاديث، ويصوغ إيقاعًا جديدًا للمدينة. وإلى جواره جيلٌ آخر، أنهكته ضروراتُ العيش، اختار مكابدةَ الحياة بدلَ مقاعدِ الدراسة، يمضي في يومه مثقلًا بالسعي، حاضرًا بين صمتِ الأزقّة وضجيجِ العمل، يكتب حكايته على نحوٍ مختلف. وبين هذين المشهدين تتبدّل الأنماط وتتغيّر المظاهر، وتبقى بغداد – رغم كلّ شيء – مدينةَ التناقضِ الساحر؛ تجمع القديمَ والحديث، الوقارَ المقيّد والاندفاع غير المحسوب، الحنينَ والتيه...هكذا بدت بغداد للوهلة الأولى ليست بغداد الأمس تماماً، ولا هي غريبةٌ عن ذاكرتها. مدينةٌ تمضي إلى الأمام، لكنها تحمل قلباً مثقلاً بالقصص، مدينةٌ كلما ظننت أنك أدركتها، فاجأتك بوجهٍ آخر، كأنها تقول لزائرها: فيَّ من الحكايات ما لا ينتهي.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار
- من دفاتر الحرب: صولة رجل واحد
- عبد الرزاق النايف: رحلة من القصر الى القبر
- امرأة في حضرة الظل


المزيد.....




- عراقجي: بالتوازي مع المسار السياسي ستجتمع الفرق الفنية في ا ...
- العاشر من رمضان.. مكة بين الحزن والفتح والجيش الإسرائيلي يُق ...
- فرنسا: من هي كاترين بيغار خليفة رشيدة داتي على رأس وزارة الث ...
- فوز فيلم -The Ties That Bind Us- للمخرجة كارين تاركيه بجائزة ...
- شطرنج تحت الخيمة
- مخالب القرش الأبيض
- سِفْرُ الشَّتَاتِ
- عراقجي: أحرزنا تقدّمًا جيدًا في المفاوضات والمرحلة الفنية تن ...
- حكاية مسجد.. -شمس منتصف الليل- أول مسجد في القطب الشمالي
- ليلةُ -سيمفونية الملكة- في رويال ألبرت هول


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بغداد ....نصف الحكاية