أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بغداد...وعد مؤجل بالنجاة














المزيد.....

بغداد...وعد مؤجل بالنجاة


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


تمهّل الوقت كمن يطيل المهادنة قبل الرحيل؛ وحين فرغ من رزم حوائجه مضى نحو المطار بقلبٍ لم يحسم وداعه بعد. خلوّ الشوارع قبيل أذان المغرب للإفطار أسبغ على بغداد سكينةً عابرة؛ بدت الطرقات وقد خفَتَ ضجيجها، فمضى فيها مرور المتأمّل حتى بلغ جسر الجادرية. هناك انبسطت المدينة أمامه، تحمل تناقضاتها كما يحمل دجلة صفاءه وكدره معًا: قبابٌ تلوح في الأفق، وبيوتٌ متعبة تتكئ على بعضها، وفي القلب عماراتٌ حديثة ومجمّعاتٌ سكنية ترتفع بخطوطٍ مستقيمة وواثقة. بدت تلك الأبنية كأنها وعدٌ مؤجّل بالنجاة، أو محاولةٌ لإعادة ترتيب الفوضى في هيئة هندسةٍ أنيقة؛ واجهاتٌ زجاجية تعكس وهج المغيب، ومرافق توحي برفاهٍ طال انتظاره. ومن هذا المشهد تحديدًا تولّد السؤال:
أهي قطيعةٌ مع رثاثةٍ تراكمت طويلًا، أم رقعةٌ جديدة في ثوبٍ أنهكته السنوات؟ أهي حاجةٌ إلى سدّ فجوةٍ سكنيةٍ تتّسع كل عام، أم رغبةٌ في ترميم صورةٍ حضريةٍ متعبة، أم استغلالٌ لا يبتغي سوى كسب المال؟ وفيما تظلّ هذه الأسئلة معلّقة، تتكاثر الأبراج كمرايا تعكس طموح العاصمة وقلقها في آنٍ واحد.
وفيما تظلّ هذه الأسئلة معلّقة، وتتوالد الأبراج، تكشف النظرةُ المتأنية لها طبقةً أخرى من الحكاية؛ أقلَّ لمعانًا وأكثر قسوة. فليس كلّ ما ارتفع انسجم، ولا كلّ ما أضاء اتّسق. إذ لم يأتِ بعضُ هذه المجمّعات ثمرةَ رؤيةٍ عمرانيةٍ شاملة أو تخطيطٍ منسجم، بعد أن توزّع على جسد المدينة كما تتوزّع الندوب؛ علاماتٍ ظاهرة على تحوّلاتٍ متعجلة، واختلالاتٍ عمرانيةٍ وبصريةٍ لا تخطئها العين. أراضٍ كان يُفترض أن تكون رئاتٍ خضراء، وحدائقَ ومتنزهاتٍ ومساحاتِ تنفسٍ جماعي، تحولت إلى كتلٍ إسمنتيةٍ مغلقة. اختفى الأخضر تدريجياً بفعل قراراتٍ نفعيةٍ ملتبسة وشبكاتِ مصالحَ معقدة. كما لا يخلو المشهد البصري الناتج من ارتباك: حيٌّ سكنيٌّ هادئ تطوقه عماراتٌ شاهقة تنتهك الخصوصية. مجمعٌ صُممت بناياته على علوٍّ متقارب، تتوسطه عمارةٌ تنفلت صعودًا يكسر الإيقاع. نشازٌ عموديٌّ يخلخل التوازن ويخدش صفاء الأفق. لا علاقة واضحة بين الارتفاعات، ولا حوار بين الكتل، ولا احترام لخط السماء الذي يشكل ذاكرة المدن وروحها، بسببها أصبحت العمارة في بعض جوانبها لا تؤدي دورها الثقافي والجمالي بقدر ما تحولت إلى استعراضٍ استثماري، غاب فيه النسيج الحضري وفقدت المدينة وحدتها البصرية. خلل امتد إلى انقطاع المباني عن محيطها، واختلال المقياس الإنساني، حيث تبدو الفراغات إما قاحلةً أو مختنقةً. كذلك يتراجع الحوار مع المناخ والذاكرة المحلية؛ موادٌ وواجهاتٌ تُفرض على بيئةٍ قاسية، فغدت العمارة أو قسم منها عبئاً بدلاً من أن تكون استجابةً ذكية. ومع تغليب الربحية المفرطة، بدت بعض المجمعات كجزرٍ معزولةٍ عن الشارع وحياة المدينة، لا يقتصر أثرها على تشويه المشهد البصري، وإنما يكشف خللاً أعمق في تصور وظيفة العمارة؛ فحين تنفصل عن سياقها العمراني والإنساني، تتحول إلى تراكمِ كتلٍ لا إلى نسيجٍ حي. والمفارقة الأشد إيلاماً أن الاستثمار في المجمعات، الذي يُفترض أن يكون أداةً لحل أزمة السكن وتحسين نوعية الحياة، قد يتحول إلى عامل تشويهٍ بصريٍّ ووظيفي، يضيف طبقاتٍ جديدةً من الفوضى والازدحام والقصور في الخدمات، وانقطاع العلاقة بين الناس ومحيطهم. خاصةً وان بغداد، في واقعها الحالي، لا تحتاج إلى عماراتٍ أعلى فحسب، وإنما إلى فكرةٍ أعمق عن المدينة: إلى تخطيطٍ يحترم التاريخ والمناخ والهوية، وإلى عمارةٍ تنمو من المكان لا تُفرض عليه، وإلى مساحاتٍ عامةٍ لا تُبتلع باسم التطوير. فصورةُ العاصمة، أيِّ عاصمة، هي انعكاسٌ مباشرٌ لنوعية الحياة، وذاكرة الأجيال، وإحساس الناس بانتمائهم.
ولعل الصورة الأصدق لأهلها، وهم يقفون على هذا الجسر، أنهم يقفون بين الإسمنت والأحلام المعلَّقة، يتساءلون: أيُّ مدينةٍ نريد؟ وأيُّ عمارةٍ تليق بمدينةٍ كانت يوماً معياراً للحضارة، لا مجردَ سوقٍ مفتوحٍ للارتفاعات المتنافسة؟
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار
- من دفاتر الحرب: صولة رجل واحد


المزيد.....




- وثائق إسرائيلية رسمية تعزز الرواية الفلسطينية حول مجازر النك ...
- هل أصبح العالمُ بلا روحانيَّةٍ؟
- بين الشعار والقرار: كيف نفتخر بالعربية وجامعاتنا تقلّصها؟
- -من منصة عرض إلى بيت للنازحين-.. كيف استجابت مسارح لبنان للو ...
- الشاعرة هدى عزالدين بعدإعلان ترشحها السبت الماضى,رسالة لأعضا ...
- رسالة الشاعرة هدى عزالدين بعدإعلان ترشحها السبت الماضى,لأعضا ...
- حذف صفحة الفنانة روان الغابة من -ويكيبيديا- بعد تجسيدها شخصي ...
- بيتر ميمي يعلن عن فيلم تسجيلي يلي الحلقة الأخيرة من -صحاب ال ...
- رمضان في البحرين.. -النقصة- و-المجالس- جسور تصل الماضي بالحا ...
- محمد سعيد الحسيني.. حين توشحت ليالي رمضان في البحرين بصوت من ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بغداد...وعد مؤجل بالنجاة