أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل














المزيد.....

الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 00:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يقف كثيرون منا اليوم أمام ما يبدو “غموضًا” في مواقف الدولة العراقية، في لحظة إقليمية محتدمة تتشابك فيها خطوط النفوذ بين طهران وواشنطن وإسرائيل، وتتقاطع فيها حسابات “المقاومة” مع ضرورات الدولة. غير أن هذا الغموض، الذي يُفترض أن يكون نتاج تعقيد المشهد، يبدو من زاوية الحرب النفسية أقرب إلى نمطٍ مُدار لا عارضًا طارئًا؛ سمةً بنيوية في إدارة الأزمة، وربما أداةً مقصودة تتجاوز حدود الداخل العراقي إلى دوائر تأثير أوسع.
وإذا أخذنا بالاعتبار أن الغموض، كإحدى تقنيات الحرب النفسية، لا يقوم على نقص المعلومات بقدر ما يقوم على توجيه طريقة فهمها، والاكتفاء بترك الوقائع القائمة “ناقصة المعنى” كما هي؛ بما يفتح المجال لتعدد القراءات وتشتتها، ويُوسّع هامش الغموض ويعيد إنتاجه. وفي هذا الإطار، لا تبدو مواقف الدولة العراقية أو ما يُفهم منها ثابتة، وإنما مفتوحة على تأويلات متباينة: خطاب يفشل في طمأنة الخارج، وإشارات تُبقي الداخل في حالة ترقّب؛ إجراءات لا توحي بالضبط، وأخرى تترك الباب مواربًا. هذا التعدد في القراءات يصعب عدّه خللًا، وهو أقرب إلى كونه نتيجةً مقصودة تُبقي الذهن العام معلّقًا بين أكثر من تفسير، عاجزًا عن الحسم، وغير قادر في الوقت نفسه على الانسحاب من متابعة المشهد. ولا يمكن عدّه كذبًا صريحًا؛ فالكذبة تُستفَز وتُفحَص وتُفَنَّد، أما الغموض فيتسلّل إلى مناطق أقل يقظة في الوعي. وحين يعجز الفرد عن الفهم، يبدأ في ملء الفراغات: يستدعي تجاربه السابقة ومخاوفه وصوره الذهنية عن “المؤامرة” أو “التواطؤ” أو "المظلومية”. وهنا يتحوّل المتلقي من متابع إلى شريك في إنتاج المعنى دون أن يشعر.
وبهذا الحال، يتحول الغموض إلى عامل يمنع الوصول إلى صورة نهائية لما يجري، وكلما تعددت التأويلات حول المواقف والسلوكيات، اتّسعت مساحة التأثير على الوعي العام. فالذهن المربك يميل إلى تضخيم الإشارات، وقراءة العادي بوصفه استثنائيًا، والمصادفة كأنها خطة، والاحتمال كأنه تهديد قائم، وبذا تتشكّل حالة من “القلق التأويلي” تستدرج الجمهور ليكون طرفًا فيما قد يحدث، لا مجرد متلقٍ لما يحدث.
وفي امتداد ذلك، يمكن قراءة حالتنا العراقية بوصفها مثالًا عمليًا على هذا النمط؛ إذ يظهر الغموض كأداة لإدارة البيئة السياسية. الحفاظ على تعدد القراءات يمنح صانع القرار هامش مناورة أوسع: يوازن بين أطراف متناقضة دون التزام حاسم، ويؤجّل الحسم دون تحمّل كلفته المباشرة، مع إبقاء القدرة على التراجع أو التقدّم تبعًا لتحوّل الظروف. غير ان لهذه الاستراتيجية ثمن. فالغموض، وإن بدا أداة نافعة في إدارة التوازنات على المدى القصير، يفتح على المدى الأبعد بابًا لتآكل الثقة. فالجمهور الذي يُترك في مساحة اللايقين لا يظل معلّقًا طويلًا بين التفسيرات، سيميل تدريجيًا إلى افتراض الأسوأ. وعند تلك النقطة، ينقلب الغموض من وسيلة للضبط إلى عامل يُضعف القدرة عليه. وهنا يبرز سؤال يتصل بالاستمرار أكثر مما يتصل بالتفسير: إلى أي حد يمكن لهذا النمط أن يستمر؟ وهل تبقى نتائجه قابلة للضبط، أم تنتهي بتشكيل صور ذهنية تتجاوز قدرة من أنتجها على التحكم بها؟ وفي المحصلة، يبدو ما يجري أقرب إلى إدارة تقوم على “تأجيل المعنى”؛ تأجيل يمنح هامش حركة، ويفتح في الوقت نفسه مسارًا لاحتمالات يصعب احتواؤها مع تسارع الأحداث واتساع هوامش الخطأ.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل


المزيد.....




- بسبب موجة الحر.. جسر روماني عمره ألفا عام يظهر من جديد في نه ...
- إسرائيل تعلن مقتل قيادي بارز في حزب الله بغارة على جنوب لبنا ...
- السعودية تدفع الثمن الأغلى وحسابات المنطقة تتبدل.. هل يخسر ت ...
- المغرب يحبط محاولة عبور جماعية نحو قرب سبتة
- القرم الروسية: مطالبات كييف بهدنة بحرية استغاثة متأخرة
- -فايننشال تايمز-: تدهور الوضع المالي لـ53% من الناخبين الأمر ...
- الدفاع الروسية: ضربات ليلية للصناعة العسكرية وقطاع الوقود وا ...
- عاصفة -لالا- تتحول لإعصار يتجه نحو جزيرة هاواي الكبرى
- الخرطوم: خطاب البرهان يجمع بين الحوار الوطني والحسم الميداني ...
- -حاجز طيّار- إسرائيلي بعد توغل جنوب سوريا وتفتيش المارة


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل