أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد العبيدي - الدين السياسي ومأزق الدولة














المزيد.....

الدين السياسي ومأزق الدولة


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 23:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لجأ غالب الساسة في العراق بعد عام 2003 إلى الخطاب الديني كلما شعروا بالعجز عن بناء الثقة مع المجتمع أو تقديم برامج قادرة على إقناع الناس بأهليتهم لإدارة الدولة. ولم يقتصر الأمر على توظيف الخطاب وحده، بل امتد إلى تكوين قوى وتنظيمات مسلحة بوصفها وسيلة لحماية التجربة السياسية المتعثرة، وكأن الرمزية الدينية قادرة على منحهم قوة الدفع اللازمة لمدّ النفوذ وترسيخ السيطرة. لكنهم، ومع كل إخفاق في كسب الثقة وتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية، زادوا من توظيف المقدّس غطاءً للفشل، وكأن القداسة قادرة على تعويض ضعف الأداء أو غياب المشروع الحقيقي للدولة. وهكذا استثمرت السياسة الدين تدريجيًا، فحوّلته من مجالٍ للإلهام الأخلاقي إلى أداة للضبط والتخويف، ووسيلة لإعادة إنتاج الأدلجة حين عجزت عن إنتاج شرعيتها من الواقع.
غير أن هذا الاستغلال للدين لا يمرّ بلا أثر. فعندما يُستعمل المقدّس لتحقيق غايات فئوية أو مصالح آنية، يبدأ تدريجيًا بفقدان معناه الروحي في وعي الناس. فالقيمة التي تمنح الدين مكانته في الضمير الجمعي تقوم أساسًا على الشعور بأنه مجال للسمو الأخلاقي والطمأنينة الوجودية، وإطار يتيح للناس المشاركة العامة في اتخاذ القرارات المصيرية، لا أداة لفرضها والأفكار بالقوة. وحين تُفرض على المجتمع قرارات كبرى، كالحرب باسم المقدّس ومن دون توافق وطني كما يحدث في العراق اليوم، يتولد في الوعي الاجتماعي شعور بالإكراه، يقود مع الوقت إلى تآكل الثقة واتساع الشكوك في دوافع هذا الخطاب. ومع تكرار هذه المفارقة يتعزز الانقسام داخل المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى يبدأ المقدّس نفسه بالتصدّع في الوعي العام؛ فما كان مصدرًا للإلهام والسكينة يتحول شيئًا فشيئًا إلى أداة قسرية، ويغدو الشعار الديني جزءًا من لغة النزاع أكثر مما هو تعبير عن معنى روحي يُعاش في حياة الناس. هذا وقد أسهم احتكار الخطاب الديني واتخاذ قرار الحرب باسم المقدّس في تسريع هذا الانقسام. ففي الوقت الذي واصلت فيه جماعات مسلحة خوض الحرب من دون امتثال فعلي لسلطة الدولة، مالت فئات أوسع من المجتمع إلى الابتعاد عن صلب هذا الصراع، فيما عبّرت جماعات أخرى عن رغبة قاسية في الخلاص من تبعاته بأي ثمن. مشهد يكشف عن حالة من التنافر النفسي، إذ يجد المجتمع نفسه منقسمًا بين خطاب تعبوي مفروض وواقع لا يرى كثيرون فيه مصلحة وطنية واضحة. ومع استمرار هذا التناقض تتسع الفجوة بين المجتمع وتلك الجماعات، بما ينذر بانقسام أشد خطورة إذا ما تطور الموقف العسكري في غير صالح القوى التي تبدو في الوقت نفسه، محسوبة على الدولة وخارجة عن سلطتها.
وهنا تكمن مأساة الدين حين يُستعمل سياسيًا: فهو لا يخسر صفاءه الروحي فحسب، بل يُدفع أيضًا إلى ساحة لا يمكنه الانتصار فيها. فعندما يُقرَن المقدّس بالسياسات الخاطئة، وبالاقتصاد المتعثر، وبفشل الدولة في ضبط قرار الحرب، يتحول تدريجيًا إلى شعارٍ بلا روح. وعندها لا تتضرر السياسة وحدها، بل يختلّ الوعي الاجتماعي نفسه، لأن ما يُطلب من الناس الإيمان به لم يعد منسجمًا مع ما يعيشونه في واقعهم اليومي. ولهذا قد تنجذب المجتمعات إلى وهج الرموز لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع التعايش طويلًا مع اختلال الوعي والتنافر بين الخطاب والواقع. ومع اتساع هذه الفجوة يتزايد عدد الناس الذين يبحثون عن شيء أكثر صدقًا: دولة تضبط السلاح وتحمي حياتهم ومصالحهم، لا شعارات تُبقيهم أسرى صراع لا يملكون قراره.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج


المزيد.....




- مغلق منذ 28 شباط: إغلاق المسجد الأقصى في ليلة القدر
- مفكر يهودي: إسرائيل تطمح لتكون إمبراطورية وأمريكا باتت لعبة ...
- بعد أسبوعين من الضربات.. بابا الفاتيكان يطلق نداءًا لوقف الح ...
- بابا الفاتيكان يطالب بوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط
- خلال قداس.. مسيحيون بجنوب لبنان يجددون رفضهم مغادرة قراهم
- حرس الثورة الاسلامية: أطلقنا الموجة 54 من عملية -وعد صادق 4- ...
- حرس الثورة الاسلامية: سنقتل نتنياهو إذا كان لا يزال حياً
- المقاومة الاسلامية في العراق: سرايا اولياء الدم استهدفت مواق ...
- حرس الثورة الاسلامية: لا علاقة لايران بالهجوم بطائرات مسيرة ...
- حرس الثورة الإسلامية: ايران لا علاقة لها بالمسيرات التي استه ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد العبيدي - الدين السياسي ومأزق الدولة