أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - العراق في زمن الضربات بلا أسماء














المزيد.....

العراق في زمن الضربات بلا أسماء


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 16:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عراق اليوم، لا تأتي الضربات بصوتٍ واحد، ولا تحمل توقيعًا واضحًا. مواقع تُقصف، انفجارات تتكرر، وأخبار تُنقل بعباراتٍ حذرة تكاد تتشابه حتى تفقد معناها: “استهداف مجهول”، “جهة غير معروفة”، “إدانات واستنكار”. وبين هذا كله، يقف المواطن أمام مشهدٍ يعرف فيه أن شيئًا يحدث، لكنه لا يعرف على وجه اليقين من يفعله، ولا لماذا. حالة تعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين تتعرض الدولة لضربات داخل حدودها، يكون أول ما يُنتظر منها تسمية الفاعل وتحديد العدو. غير أن ما يجري عندنا يبدو وكأنه خروجٌ عن هذا البديهي؛ إذ أصبح الصمت، أو شبه الصمت، جزءًا من المشهد وقاعدةً متكررة.
في هذا الفراغ، يبدأ القلق الناتج عن الغموض بالتكاثر، ويتحوّل الخطر الذي لا يُسمّى إلى حالةٍ مستعصية، إلى شعورٍ مبهم يلازم الحياة اليومية دون أن يجد له شكلًا محددًا. لا يعرف المواطن من يخشاه، ولا كيف يفسّر ما يحدث حوله، فيتأرجح بين رواياتٍ متناقضة، أو ينسحب إلى صمتٍ داخلي يوازي صمت الدولة. ومع الوقت، يصبح الغموض نفسه جزءًا من الإيقاع الطبيعي للحياة، لا يثير الدهشة بقدر ما يرسّخ الاعتياد. لكن الغموض لا يبقى في حدود النفس، يتسرّب إلى السياسة، حيث تصبح الدولة في موقعٍ ملتبس: لا هي قادرة على الإعلان، ولا هي قادرة على الإنكار الكامل. تردّدٌ يُفسَّر في الغالب كعجز، أو كدليل على وجود قيودٍ غير مرئية تحدد ما يمكن قوله وما يجب السكوت عنه. وهنا تتعرض فكرة السيادة نفسها للاهتزاز، لأن السيادة لا تقتصر على الرد، بل تشمل أيضًا القدرة على تعريف من يستحق هذا الرد.
في ظل هذا الغموض، تتكاثر الروايات. كل طرف يقدّم تفسيره، وكل جهة ترى في الحدث ما يوافق موقعها أو مصالحها؛ فالبعض يشير إلى أمريكا وإسرائيل، وآخرون إلى المقاومة والحشد، فيما تُنسج سرديات أكثر تعقيدًا. وبين هذه الروايات، لا تعود هناك “حقيقة” واحدة متفق عليها، وانما حقائق متجاورة، متصارعة أحيانًا، تعكس انقسامًا أعمق من مجرد اختلاف في التفسير. ووسطه أي الغموض لم يبقَ المجتمع محايدًا؛ إذ اتجه بعضه نحو التبلّد، يتابع الأخبار المتكررة عن القصف كتفاصيل عابرة في يومٍ مثقل أصلًا، فيما انزلق بعضه الآخر نحو الاستقطاب، يفسّر كل حدث وفق انتماءاته وهوياته. وفي الحالتين، بدأ الخيط الرفيع الذي يربط الأفراد بإحساس المصير المشترك في التآكل.
ما يزيد الصورة تعقيدًا، أن هذا الغموض لا يبدو ناتجًا عن جهل بقدر ما هو ثمرة خشيةٍ ومحاولةٍ دائمةٍ لمسك العصا من الوسط. فالتسمية، في سياق حربٍ مفتوحة وتشابكٍ إقليمي حاد، قد تفتح أبوابًا لا تقوى الحكومة على طرقها، أو تفرض عليها مواقف لا تملك رفاهية اتخاذها. غير أن هذا الحذر، حين يطول، ينقلب إلى عبءٍ داخلي؛ إذ إن المجتمع، مهما تفهّم التعقيدات، يحتاج إلى حدٍّ أدنى من الوضوح ليحافظ على ثقته، وعلى قدرته على فهم ما يجري من حوله. وهنا تكمن المفارقة: الحكومة التي تسعى إلى تجنب التصعيد عبر الصمت، قد تجد نفسها أمام تصعيدٍ من نوعٍ آخر، صامت بدوره، لكنه يتجلى في تآكل الثقة، وتراجع الشعور بالأمان، وتنامي المسافات بين الخطاب الرسمي والوعي الشعبي.
العراق، في هذه اللحظة، لا يواجه تحديات أمنية فحسب، وإنما اختبارًا في المعنى. كيف يمكن لدولة أن تحافظ على تماسكها في ظل واقعٍ تتعدد فيه مصادر التهديد، بينما يظل اسم العدو معلقًا في الهواء؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يبني فهمًا مشتركًا لواقعه، إذا كانت اللغة التي تُنقل بها الأحداث تفتقر إلى التحديد؟
قد لا تكون الإجابات سهلة، وربما لا تكون فورية. لكن ما يبدو واضحًا هو أن الغموض، مهما بدا خيارًا مرحليًا، يترك أثرًا يتجاوز اللحظة. إنه يعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها الناس دولتهم، والطريقة التي يرون بها أنفسهم داخلها. وفي بلدٍ مثل العراق، حيث التاريخ مثقلٌ بالتجارب والانقسامات، يصبح للوضوح قيمةٌ مضاعفة كشرطٍ لإعادة بناء الثقة، واستعادة الإحساس بأن ما يحدث، مهما كان معقدًا، يمكن فهمه… وتسميته.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة


المزيد.....




- متى ستُنهي إسرائيل حربها على إيران؟ نفتالي بينيت يجيب لـCNN ...
- مصر: سوق الدواء تواجه ضغوط الإمدادات العالمية بسبب حرب إيران ...
- بين الغموض العسكري وتحريك المارينز.. ما الذي تخطط له واشنطن ...
- إيران تشن سلسة هجمات انتقامية جديدة على منشآت طاقة خليجية
- رجال يشعرون بآلام الحمل… ظاهرة حقيقية أم وهم؟
- إيران قدمت -الكثير من التنازلات- في المفاوضات لواشنطن... هل ...
- كوربن: ترمب دخل حربا إقليمية مفتوحة قد تستمر لسنوات
- ماذا تعرف عن سر التدنيس الإسرائيلي الذي قد يغير مسار الأقصى؟ ...
- الكرملين يندد باغتيال لاريجاني ويستنكر الغارات الأمريكية على ...
- ترمب يلوح بترك قضية هرمز للحلفاء والناتو يبحث عن -أفضل الحلو ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - العراق في زمن الضربات بلا أسماء