أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ذاكرة الظل














المزيد.....

ذاكرة الظل


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 23:40
المحور: الادب والفن
    


مع سقوط الدولة في نيسان 2003، وتصاعد موجات السفر خارج العراق، وقف محمود بين أصدقائه، يضحك ضحكةً حادّة أقرب إلى الهستيريا، ويعلن بصوت خش: لن أبقى هنا… في أرضٍ يسكنها أبي.
مرّت عبارته على مسامعهم كثرثرة سكرٍ عابر، لكن القرار لم يكن طارئًا؛ كان يتكوّن فيه منذ زمن بعيد، منذ طفولةٍ مثقلة بعداوةٍ قاسية مع الأب، ظلّت آثارها تنمو في داخله بصمت.
في اليوم التالي، يتخلّى عن حياته دفعة واحدة، كما تُنزع قشرة يابسة: يطلّق زوجته، يُخفي المال في جيبٍ سرّي، ويغادر دون أن يلتفت.
عمّان كانت محطته الأولى، معبرًا لا أكثر. ضاقت به سريعًا، فاختار المغرب؛ بلدًا بعيدًا بما يكفي ليبدأ بلا ماضٍ يلاحقه. وحين وصلها، استقبلته بوجهٍ لم يعتده: دفءٌ بسيط، وثقةٌ تُمنح بلا حذر.
في إحدى مدارسها، وجد فرصته مدرسًا للغة العربية؛ عالمٌ جديد بملامح هادئة. لم ينشغل به، ولا بشرح المادة المقررة، بقدر انشغاله بمراقبة الطالبات المراهقات، كأن عينيه تبحثان عن شيءٍ آخر، أعمق من المعرفة وأشدّ التباسًا. فتح شقته للدروس الخصوصية، ووضع قواعده الخاصة للتسديد: تقرّبٌ أكثر، واستجابةٌ رخيصة لرغباتٍ أخذت تتشكّل في داخله بصمت.
خديجة إحدى الطالبات، إبنة الخامسة عشرة، حادة، ترفض الانكسار. يختارها بعناية، كأنها اختبار. يغريها بالدرجات، ثم يمسك ذراعها. تقاوم، فيضيق صدره، وكأن شيئا بدائيا قد استيقظ في داخله، لا يعرف التراجع. يقيدها، يسكت صوتها، ويشاهدها كما لو كانت صورة. حين ينتهي، يشعر بفراغ بارد. يضع الدفتر الامتحاني فوق جسدها، كأن الفعل صفقة، لا جريمة.
ارتمت الفتاة في حضن أمها، تبكي وتصرخ، فيما كانت الشرطة تدوّن أقوالها ببرودٍ. لكن محمود كان قد سبق الجميع؛ غادر البلاد دون أثر، بارعًا في تبديل الأمكنة كما تبدّل الأفاعي جلودها.
تنقّل بين أمريكا وكندا، حتى استقر في إسبانيا، حيث وجد زوجة تكبره بعشر سنوات، وهويةً جديدة باسم أوروبي: ديڤد، ووظيفة في شركة مرموقة. تتبدّل أسماؤه وتتغيّر وجوهه، وهو باق كما هو، يحمل طفولته الرثة معه أينما مضى.
مرّت السنوات في إسبانيا ، لكن المغرب ظلّ عالقًا في ذاكرته كفراغٍ لم يُملأ؛ وشعور في العبث والانفلات. ومع الوقت، تحوّل ذلك الشعور إلى رغبةٍ ملحّة في العودة، كإدمانٍ قديم لا يهدأ. عاد كمن يعود إلى مسرحٍ يعرف زواياه جيدًا. يحمل معه أرشيفًا خفيًا من صورٍ التقطها لأطفال بوضعيات شاذة في رحلاته السابقة، احتفظ بها كما يحتفظ المرء بأسراره الأكثر ظلمة. استوقفته الشرطة عند الحدود، فاختلق رواية لتلك الصور، مرّرت الحكاية بحكمٍ خفيف لم يمسّ جوهره.


في القنيطرة، عاش بهدوءٍ مصطنع يتقنه كما يتقن أدواره الأخرى. نسج علاقة مع جارٍ وقور، غرس فيه الطمأنينة كما يغرس نباتاته في أوعية مرتّبة. ترك لديه مفاتيح شقته، وشاركه سهراتٍ عابرة، مؤديًا دور الرجل الموثوق بإتقان. ويوم ضاق عليه الخناق واقتربت يد القانون، اتصل به طالبًا إتلاف أقراصٍ مخبأة في درج المكتب.
راود الشكُّ ذاك الجارَ، فاستسلم لفضولٍ ثقيل. أخذ يفتح الأقراص واحدًا تلو الآخر؛ فهاله ما رأى: صورٌ منفرة، ومشاهد تقشعرّ لها الروح. ثم تجمّد في مكانه حين لمح بينها وجه ابنه. داهمه دوارٌ حاد، كاد يُفقده وعيه، تماسك أخيرًا، وجمع الأقراص، ومضى بها إلى الشرطة.
في المحكمة، انهار القناع سريعًا؛ تكاثرت الأدلة، وتوالت الشهادات، فصدر الحكم: ثلاثون عامًا من السجن الثقيل. لم يثنه ذلك عن المراوغة والبحث عن منفذ، حتى التقط فرصته عبر عفوٍ شمل الإسبان المحكومين في المغرب بطلبٍ من الملك الإسباني. وقبل أن يستقرّ العفو واقعًا، خرج الأب المنكوب إلى الشارع، يصرخ بما رأى وما انكسر فيه. التقطت الأصوات صرخته، وتكاثرت من حوله حتى تحوّلت إلى موجةٍ لا يمكن تجاهلها،
فأُلغِي العفو قبل أن يكتمل.
يدخل عليه السجّان ليبلّغه بإلغاء العفو، فيضحك ضحكةً باهتة، لا تمتّ لدهشةٍ أو خيبة. يرفع عينيه ببرودٍ غريب، كأن الخبر لا يعنيه، أو كأنه توقّعه منذ البداية يتركه الشرطي وفي داخله قناعة من إنه لا يُشبه البشر؛ كائنٌ يتقن ارتداء الوجوه، ويعيش بين الناس وحشٍ تعلّم أن يسير على قدمين.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة


المزيد.....




- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...
- بوتين يكرّم شخصيات ومؤسسات بارزة في الثقافة والفنون الروسية ...
- مهرجان البندقية: فيلم عن غزة لمخرجين إسرائيليين ضمن الاختيار ...
- -الله الله الله.. محمد صلاح-.. مطربة تركية تفاجئ النجم المصر ...
- -نازا- فيلم وثائقي ينافس في مهرجان -البندقية- ويحاكم آليات ا ...
- بين الوفاء للفن والخوف من النسيان.. متى يعتزل الفنان؟
- كاتب إيطالي يعتزم كتابة رواية عن تولستوي
- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ذاكرة الظل