أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - رجال على مقاس الفرصة














المزيد.....

رجال على مقاس الفرصة


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 00:20
المحور: الادب والفن
    


لا يهدأ العميد الركن عبد الواحد ليلة العاشر من نيسان 2003. يستشعر سقوط النظام كما تُستشعر رائحة المطر قبل هطوله. يدركُ أن أبوابًا تُفتح، يعرف مفاتيحها جيدًا. فقد تعلّم، إبّان خدمته الطويلة سكرتيرًا للوزير، أين توضع المفاتيح، وكيف تُشمّ الفرص، وسبل الدخول منها دون أن يُرى.
يقود سيارته البرازيلية العتيقة بلا توقف. يصل إلى مقرٍّ حزبي مرتجل في الزيونة، كان حتى الأمس دائرة عسكرية، استولى عليها ضباط عائدون يتحدثون عن بناء الجيش الجديد، وإعلاء شأن الديمقراطية. يندفع فور وصوله نحو العميد الركن مجيد، أمين سر التنظيم، يعانقه بحرارة تتجاوز المألوف، يبارك عودته، يهلّل، ويرفع الدعاء. وفي داخله جملة واحدة: هذا بابي الجديد.
يعود في الصباح التالي مرتديًا بدلته الأنيقة، يتبعه خمسة ضباط متقاعدين ساقهم معه بعناية. يسير بهم إلى المقر، ويقدّمهم واحدًا تلو الآخر للعميد مجيد. يتحدث بثقة ملساء، يعلن ولاءه التام، ويعرض نفسه جسرًا يعبر عليه الآخرون. يستحضر سجنه أيام النظام الساقط، كوسامٍ صالحٍ للاستثمار.
لسانٌ معسول يستهوي العائدين المتعطشين لكل ما هو معسول، فيقرّبونه سريعًا، ويمنحونه مقعدًا في مكتبهم السياسي، قريبًا من العميد مجيد، لا يفارقه إلا قليلًا. وقبل أن ينتصف النهار، تلتقط أذنه مكالمة عن الشروع في إعادة تشكيل الجيش الجديد؛ يلتقطها كما تُلتقط الفرص، يقنع مجيد بأن يقدّمه أول المرشحين، حجر الأساس لتنظيمٍ يبحث عن موطئ قدم في جيشٍ قيد الولادة.
يصل إلى لجنة المقابلة في القصر الحكومي. يعترض أحد أعضائها، ضابط عراقي عائد مع القوات المحتلة، قائلاً: أعرفه جيدًا… انتهازي، كان على صلة وثيقة بالوزير السابق والعائلة الحاكمة، ولا يصلح لتوجهات الجيش الجديد.
يلتقط العضو الأمريكي المعنى بنظرة خاطفة، توحي بأنه النموذج المطلوب. يفهمها البريطاني والأسترالي، ويتبادلون صمتًا دالًا. عند التصويت، يُقبل بالأغلبية. يبتسم الأمريكي لحظتها، قائلاً ببرود: هكذا هي الديمقراطية التي نريدها في العراق.
يلتحق بالخدمة في اليوم التالي، مشروعًا صاعدًا. رتبة تجرّ أخرى: لواء، ثم فريق. يقترب أكثر، فيزداد طواعية، ويتقن فنّ السير مع الأمريكان حيث يميلون. يحضر مجالسهم الخاصة، يشاركهم سهراتهم، يبتسم في الوقت المناسب، ويصمت حين يُراد له الصمت. كل خطوة محسوبة، كل ولاء مُعلن، وكل حضور مدفوع بترقية أسرع من الأقران، ومنصبٍ أقرب مما يستحق. رضاهم هو السُلّم المعهود، وطاعتهم طريقه إلى الصعود، حتى صار ينفّذ ما يُطلب منه بلا تردد.
يرن الهاتف في مكتبه قائدا. يؤكد الصوت أن ستة ملايين دولار قد دُفعت لضمان ترشيحه لمنصب الوزير.
بابٌ جديد يُفتح على مصراعيه لمزيد من الاستثمار: عقود تُمرَّر، وأموال تعود مضاعفة.
يقهقه بأعلى صوته، فيسأله المرافق مجاملةً عن السبب، فيجيب: لقد فُتح آخر الأبواب.

يقف تحت قبة البرلمان لنيل الثقة، يتحدث عن سجنه ومعارضته لغزو الكويت، وعن ظلمٍ يزعم قد قاومه طوال خدمته العسكرية… كذبٌ، يهمس رفيق له في الحزب، ويضيف: مجرد محاولة لإزالة الصدأ. لن يقدّم ذلك شيئًا ولن يؤخّر؛ فالثقة مشتراة سلفًا.
جمع العميد مجيد أعضاء مكتبه السياسي، واتجهوا إلى مكتب الوزير لتهنئته وإعلان الاستعداد للمشاركة في بناء الجيش الجديد. جلسوا ينتظرون الرد، خرج اليهم مدير المكتب معتذرًا: الوزير مشغول.
رشّح للانتخابات؛ فسقط في أول اختبار. يعقب السقوط لغطٌ خافت يتصاعد عن عقودٍ فاسدة وعلاقاتٍ مشبوهة. وقبل أن يتماسك الكلام، يختفي فجأة. ليظهر لاحقًا في أمريكا، يعيش بهدوءٍ آمن، ينعم بما جمعه من ملايين. هناك تنتهي حكايته… وهنا يبدأ غيره الطريق ذاته، في وطنٍ تُترك أبوابه مفتوحة لنسخٍ تتناسل من جيناته المعطوبة.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - رجال على مقاس الفرصة