أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ما تبقّى من أمل














المزيد.....

ما تبقّى من أمل


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


في اللحظة التي تطرق فيها القابلة المأذونة الباب، تلهث فرحًا، يفتح سلمان بعينين جامدتين.
تقول: مبارك… بنتٌ جميلة، وأمٌّ أضحت بخير. تتلبد لحظة الصمت، ثم يضيق وجهه كنافذةٍ تُغلق على عتمةٍ قديمة. يطرد بشارتها كما لو كانت خطيئة، ويتركها واقفةً بين دهشتها وانكسارها.
يدخل إلى الغرفة، حيث تستلقي الزوجة، وتعب الولادة ما يزال عالقًا بأنفاسها، وابتسامةٌ باهتة ترتجف على شفتيها. لا يرى التعب، ولا الولادة، ولا النجاة؛ يمضي ببصره كمن يفتّش عن ولدٍ غائب.
بنت؟ يقولها كأنها تهمة.
تخفض عينيها. يتقدّم خطوةً، ثم أخرى، كأنه يحمّلها وزر ما لم تختره: أردتُ ولدًا… بكرًا يحمل اسمي. تبتلع دموعها. يلقي إليها الاسم كما يُلقى عبء: سمّيها أنتِ. تتمتم بصوتٍ مكسور: أمل، كأنها تستدعي ما لا يريده.
تكبر أمل، حاملةً اسمًا لا يشبه عيشها. تلمع في المدرسة؛ عيناها السوداوان تلتقطان الحروف كأنها نجوم، وذهنها يسبق المعلمات بخطوة. تعود بشهادة إتمامها الابتدائية، الأولى على المدرسة، تمدّها نحوه، فلا تجد عينًا تستقبلها. فالمدرسة عنده ليست مكانًا للبنات.
يقول: اجلسي… كفى تعليمًا. تنظر إليه، لا تفهم... ستتزوجين. ترتجف: ما زلتُ صغيرة. يردّ ببرود:
لقد تجاوزتِ الثانية عشرة، وأنتِ، بحسب الشرع، جاهزة منذ ثلاث سنين. والسيد جاسم رجلٌ ثري، وهو من أرحامنا.
تهمس، كأنها تدافع عن آخر ما تبقّى منها: لكنه متزوج… وابنته تكبرني بسنة. تهزّ رأسها بالرفض؛ كآخر ما تبقّى لها.
تلمع عيناه. تمتدّ يده إلى شعرها، تقبضه بعنف، وتجرّها إلى الأرض. تهوي العصا الخيزرانية… ضربةً، ثم أخرى، ثم تتلاحق كأنها تصبّ غضبًا أعمى لا ينتهي. ينكمش جسدها تحت الضرب، ويتقلّص العالم من حولها إلى ألمٍ خالص، لا صوت فيه إلا وقع العصا وأنفاسٍ تتقطّع. ثم يتركها على الفراش، كشيءٍ انكسر ولم يعد يعنيه.
تصعد إلى السطح، تمضي الساعات هناك صامتة، منفصلة عن البيت- عن الأم، وعن نفسها أحيانًا.
يظهر حازم، ابن الجيران؛ ظلٌّ من الماضي، طفلٌ كان يشاركها اللعب قبل أن يسرقهم الكبار من طفولتهم. يسألها: لماذا لا تذهبين إلى المدرسة؟ فتنهار الكلمات من داخلها. تبكي، تتكلم، وتفتح جروحها دفعةً واحدة.
يقترب. ويصير القرب عادةً تتكرّر، حتى في الليل والأهل نيام. تنمو بينهما علاقة لا تفهمها اللغة، تجد طريقها في الصمت والحرمان. يألف هو السطح، وهي تتشبّث به كما يتشبّث الغريق بأيّ شيء.
تتأخر عن الظهور. يقف حازم عند باب السلم، يصغي. صوت العصا. أزيزها يشقّ الهواء… ثم يرتطم بالجسد. صرخات مكتومة. وجملة تتكرّر، كأنها آخر ما تبقّى من إرادة: لا أتزوجه، مهما حصل.
يغلي الدم في عروق الفتى. يندفع لحمايتها. يراها ممزّقة الثياب، منكمشة، والضرب ما يزال ينهال عليها كالمطر الأسود. يحاول إيقافه، لكن العصا تنقلب نحوه. ضربةٌ وأخرى. يتراجع، يقبض غضبه.
يعود بقوة، يدفعه بعنف، فيسقط الرجل على حافة الطاولة الحديدية دون حراك…
صمتٌ خاطف. ينفجر كلّ شيء. ينظران إلى بعضهما، بلا كلام، يسحبانه إلى الحمّام. يصبّان عليه النفط، ويشعلان النار. ينتظران حتى تخفت. يجمعان ما تبقّى من الجسد المتفحّم في كيسٍ من قماشٍ مشمّع.
يحمله حازم إلى نهاية الشارع، إلى مكبّ النفايات، حيث تختلط الأشياء المنسيّة بما لا يُراد له أن يُذكر.
يعودان إلى السطح، يعلنان زواجهما. ترفع بصرها إلى السماء، لتقول بأعلى الصوت: يا رب هل بقيَّ من الأمل شيء.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ما تبقّى من أمل