أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - آباء على مقاس الحرب














المزيد.....

آباء على مقاس الحرب


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 01:33
المحور: الادب والفن
    


يعيش حامد في بغداد، في حيّ شعبي تكثر فيه البطالة، تضيق أزقته بالهموم، وتثقل أيامه بفراغٍ قاسٍ يدفع الشباب المنخرطين في الخدمة العسكرية إلى قضاء إجازاتهم في السهر هربًا من ضغوط الحرب. يملّ السهر والحرب معًا. يقرر عدم الالتحاق بوحدته. يمضي أسبوعه الأول في البيت، جلّ وقته أمام التلفاز الذي لا يكفّ عن بث صور من المعركة، وخطب الرئيس المكلّلة بالنصر. يسأله والده، والقلق بادٍ على ملامحه: لمَ التأخر عن الالتحاق؟ فيجيبه بأن لديه موافقة من الآمر.
وفي مساءٍ عادي، تنتهي نشرة الثامنة، ليبدأ بعدها مشهد تكريمٍ استثنائي: يبتسم الرئيس وهو يعلّق وسام الشجاعة على صدر أبٍ وشى بابنه الهارب من الحرب، وتسبّب في إعدامه. يربت على كتفه، وينعته بـ"العراقي الجديد، بطل القادسية".
ينهض حامد محتدًا، يهاجم فعل الأب . يصفه بخيانة الأبوة، ويدافع عن الابن الهارب؛ فالحرب في نظره لم تعد سوى طاحونة عبث تبتلع الأرواح بلا معنى. يعلن لأول مرة أنه هو أيضًا هارب منها، حرب لعينة لا تخلّف سوى الموت والفراغ. يتمتم الأب بكلمات مقتضبة، ثم ينسحب إلى غرفته، تاركًا حامد مع والدته التي تحاول تهدئته، وتطلب منه المغادرة إلى خواله في ريف السماوة البعيد.
يصحُو الأب متأخرًا على غير عادته، يعلّل ذلك بأرقٍ أثقلته حسابات ليلية. يرتدي ملابس لا يلبسها إلا في الفصول العشائرية، كأنه ماضٍ إلى طقسٍ رسمي. تسأله الأم عن وجهته، فيجيب بحدّة: مشوار قريب.
يشكّ حامد، فيرتدي ملابسه العسكرية، يحشو حاجياته في حقيبة صغيرة، ويتسلل خلفه. يراقبه وهو يسلك الشارع المحاذي. يدخل مقرّ الفرقة الحزبية، ليخرج بعد قليل برفقة رفيقين مسلحين، متجهين نحو البيت.
هنا يتيقّن: أبٌ يساوم، يبيع الابن طمعًا بوسامٍ على الصدر ومكافأةٍ من الرئيس. يسقط في نظره، وتسقط معه الأبوة. يحسم أمره، يغيّر وجهته فورًا نحو مرآب النهضة. يصل أربيل عصرًا، وبدلا من الالتحاق بوحدته في جبل "گرده مند"، يقصد بيت صديقه كاكا خليل في حيّ المعلمين.
المهرّبون من أربيل إلى تركيا كُثر، يلبّون رغبات الساعين الى ترك الوطن والخلاص، على شكل وجبات متتابعة. يحالف الحظ حامد، فتكون وجبته التالية جاهزة. ينطلقون ليلًا عبر طرقٍ وعرة، يتكدسون في سيارة متهالكة، وقبل بلوغ الحدود بقليل يفاجئهم حاجز تفتيش. تتسارع الأنفاس، يهمس المهرّب بصرامة: "لا صوت". يطفئون الأنوار، يغيّر السائق المسار عبر طريق ترابي ضيق، تتعثر السيارة، فيترجلون ويمشون مسافة طويلة بين الحقول حتى يعبروا الخطر. بعدها تتوالى الرحلة: إلى تركيا، ثم إلى اليونان، حتى يصل أخيرًا إلى هولندا.
يتقدم إلى شرطة الهجرة، يسلّم أوراقه العراقية. يبدأ الموظف بتسجيل بياناته، يسأله بهدوء:
لماذا غادرت بلدك؟
لقد هربت من حربٍ تأكل أبناءها، ومن بيتٍ لم يعد يحمي.
يتوقف الموظف عند خانة الأب: اسم الأب؟
لا أريد تسجيله… من باع ابنه لا يُذكر أبًا. يصمت لحظة، ثم يضيف: وشى بي طمعًا بمكافأة… عند هذه اللحظة مات أبي، ولم يبقَ منه ما يستحق أن يُحمل في اسمي.
ينظر الموظف في أوراقه، كأنه يهرب من ثقل ما سمع، ثم يسأل: وما الاسم الذي تريد تسجيله؟
زهرة… هي أمي، الوحيدة التي بقيت لي؛ لم تساوم على حبها، ولم تستبدلني بوسام.
يدوّن الموظف الاسم بصمت، بينما يحدّق حامد في الفراغ. يطوي صفحة بلد أنهكته الحرب، وأفرغته الخيانة من معناه. ما تركه خلفه خرابٌ يُشبه وجوه الناس حين تخذل نفسها. ينهض باسمه الجديد، خفيفًا من إرثٍ مثقل، ويمضي نحو مجهولٍ بارد… أقلّ قسوةً من يقينٍ عاشه، حيث يُكافأ الأب على بيع ابنه، وتُرفع الخيانة إلى مقام الشجاعة.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت


المزيد.....




- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...
- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - آباء على مقاس الحرب