أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - الرجل الذي رفع العلم














المزيد.....

الرجل الذي رفع العلم


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 11 - 22:46
المحور: الادب والفن
    


في صباحٍ مدرسيّ باكر إبان عهد الملك فيصل الثاني، يسأل معلم الرياضة تلامذة المدرسة الابتدائية في الأعظمية: من يرفع العلم اليوم؟
يندفع فالح إلى الأمام قبل بقية التلاميذ، يرفع يده عاليًا بعينين لامعتين وحركةٍ سريعة واثقة... طفل وسيم، مشدود القامة على صغر سنّه، وفي ملامحه ذكاءٌ وحيوية تلفتان الانتباه. وبعد انتهاء المراسيم، يتأمله المعلم طويلًا، يربّت على كتفه ويقول: سيكون لك شأن.
يعود إلى البيت مفعمًا بالفخر، وقبل أن يغيّر ملابسه المدرسية، يروي لوالده أكرم فهمي ما جرى بعينين متقدتين بالحماسة. يصغي الأب، الخبير بشؤون الرياضة، بابتسامةٍ أخذت تكبر بهدوء، ثم يضمّه إليه ويقول بصوتٍ بدا كأنه وعدٌ مبكر: كنت أعرف أن شيئًا كبيرًا ينتظرك. ومنذ ذلك اليوم، أخذ الأب يرافقه إلى ملاعب الأعظمية، فيما يدخلها بلهفةٍ تشبه عودة المرء إلى بيته الحقيقي. هناك، بين صفارات المدربين ورائحة التراب المبلل بالعرق، بدأ شيءٌ داخله يكبر سريعًا. وفي كلية بغداد الثانوية، صار حضوره يُعرف قبل أن يُنادى اسمه؛ يركض بخفةٍ تجعل الآخرين يلتفتون إليه، كأن جسده خُلق للحركة وحدها، ومع الأيام صار يتنقل بين المضمار وقاعات التدريب حتى بدت الرياضة الشيء الوحيد الذي يمنحه شعورًا كاملًا بنفسه. استهوتْه الجندية، وكبرت في داخله المشاعر الوطنية، فدخل الكلية العسكرية وهو يرى فيها الوجه الآخر لذلك الشغف الذي تربّى عليه في الملاعب. ومع السنوات، أخذت صوره تملأ جدران القاعات الرياضية، بينما يكبر اسمه في الملاعب بهدوء الواثق: ذهبية العراق والعرب في سباق المئتي متر، حضور أولمبي، ثم سنوات طويلة بين قيادة المنتخب الوطني لكرة السلة واللجنة الأولمبية.
يصفه الأصدقاء بالرجل الذي يحمل المرح أينما جلس. يروي الطرائف كأنه يوزّع الطمأنينة على من حوله. وحين تولّى مديرية التدريب البدني وألعاب الجيش، أدارها بكفاءةٍ جعلت اسمه حاضرًا في الوسطين العسكري والرياضي معًا.
هناك، في الفيلق الأول الخاص، وقبيل انتهاء الحرب مع إيران، تبدأ الأرض بالانسحاب من تحت قدميه.
في مقرّه، حيث كان الضباط يجتمعون ليلًا للسمر هربًا من ضغوط الحرب وثقل أعصابها، يروي في إحدى الجلسات طرفةً عابرة. تتعالى الضحكات سريعًا، من دون أن ينتبه إلى وجهٍ ظلّ جامدًا وسط الجميع، يلتقط كلماته بعنايةٍ باردة، كمن يعثر على دليل إدانة. وفي زمنٍ كانت الوشاية تصل فيه أسرع من أخبار الجبهات، تبلغ الطرفة الرئيس مسجّلةً بصوتٍ واضح. يرسل على إثرها الأمن الخاص مفرزةً تأخذه من مكتبه كما يؤخذ جريح من ساحة خاسرة، وتقتاده إلى الرضوانية؛ ذلك المكان الذي تتلاشى فيه الأسماء، وتصبح النجاة مجرد احتمالٍ بعيد. حتى وجد نفسه في قاعةٍ بدت كأنها حفرةٌ واسعة يُلقى فيها الرجال بأسماءٍ قانونية. يجلس في أعلى طاولاتها عواد البندر، وإلى جواره رجلان بوجوهٍ جامدة، فيما يُعرّف نفسه بصفته رئيس محكمة الثورة. يتلو التهمة ببرود:
- المساس بالذات الرئاسية.
ثم يسأله وهو محمول على نقالة داخل القفص، إن كان مذنبًا.
يحاول الكلام، لكن صوته لا يخرج؛ كانت حنجرته قد أنهكها التعذيب الطويل.
يضرب البندر بمطرقته الخشبية، وينطق الحكم كمن يوقّع معاملةً روتينية:
- الإعدام شنقًا.
لم يكن الحكم بالشنق تفصيلًا عابرًا في نهايته، كان جزءًا من الإذلال المقصود؛ فالعسكري الذي قضى عمره بين السلاح والساحات يُترك عادةً لموتٍ يواجهه واقفًا أمام الرصاص، لا معلقًا بحبلٍ في عتمة السجون. لكن أحدًا لم يكن معنيًا بتاريخٍ امتلأت جدرانه بالميداليات والصور والأعلام. كانت طرفةٌ مرتجفة في جلسةٍ مغلقة أثقل في ميزان الرئيس من سنواتٍ طويلة قضاها فالح أكرم فهمي وهو يعدو في الملاعب باسم العراق، أو يرتدي قيافة القتال العسكرية مدافعًا عن العراق.
وفي الرضوانية، حيث تتآكل الأجساد ببطء، أخذ عباس الوحش على عاتقه إكمال ما تبقّى من تحطيم الروح؛ يجرّه إلى جولاتٍ جديدة من التعذيب، كأن الحكم وحده لم يكن كافيًا. حتى روى السجناء أن فالح سبق حبل المشنقة إلى نهايته، وأن القسوة المرة أنهكت جسده قبل اكتمال تنفيذ الحكم. وهكذا اختفى الرجل الذي بدأ طفلًا يرفع العلم، ثم شابًا يرفع اسم العراق، لينتهي وحيدًا في عتمةٍ لم تكن تتذكّر من البشر سوى خوفهم.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - الرجل الذي رفع العلم