أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حين تأكل الحرب رجالها














المزيد.....

حين تأكل الحرب رجالها


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 22:14
المحور: الادب والفن
    


يسقط أعلى راقمٍ يقطع طريق مندلي بيد الإيرانيين منتصف السنة الثالثة للحرب معهم، فيتحوّل خلال ساعات إلى تهديدٍ مفتوح قد يبتلع خطوط الدفاع، ويمهّد لهجماتٍ أوسع. تزجّ الفرقة الثانية عشرة ألويتها تباعًا لاستعادته، فتعود مثخنة بالخسائر، تاركةً جنود الصولة متفحمين على السفوح، وآلياتٍ ممزقة تتصاعد منها رائحة الحديد المحترق، وخوف يرتفع في غرف القيادة ببطء، كدخانٍ خانق.
بدأوا البحث عن رجلٍ مختلف. قلبّوا الأضابير، وتتبعوا تقارير المعارك وأسماء الناجين من الجبهات الأصعب، حتى استقرّت الأنظار على المقدم الركن برهان خليل؛ الضابط الذي التصقت الشجاعة باسمه وسط أكثر المواقع سوءًا واضطرابًا. فأُسندت إليه قيادة اللواء الثامن والثلاثين، ومعها المهمة التي عجز عنها الآخرون: استعادة الراقم.
يتقدّم نحو المرتفع في أول محاولة، فيما كانت المدفعية تمزّق الأرض من حوله بلا توقف. لم يقد جنوده من الخلف، بل اندفع بينهم كأنه واحدٌ منهم، يعرف خوفهم ويشدّهم بصوته وحضوره. وقبل انبلاج الصباح، كان العلم العراقي قد عاد يرفرف فوق الراقم من جديد.
لم يتأخر الخبر في الوصول إلى القيادة. جاء أمر الرئيس سريعًا: تكريم برهان في موقعه، رتبتين أعلى دفعةً واحدة. واسمٌ أخذ يتردد في نشرات الحرب بوصفه الضابط الذي استعاد ما استعصى على الآخرين.
لكن إدارة الحرب لا تحفظ أمجاد الأمس. يسقط الموضع الدفاعي في سد كنجان، الموقع الأهم في المنطقة، فتتحول أرضه إلى مقبرة لمحاولات الاستعادة. ألوية كاملة تدخل المعركة دون تهيئة ولا تعود إلا بخسائرها. عندها يستدعي الرئيس، الموجود قرب الجبهة، برهان على عجل، ويكلّفه بالمهمة التي ابتلعت من سبقه.
يحدّق برهان طويلًا في الخريطة، ثم يقول لقائد فرقته السابعة قبل مغادرته القاطع للتنفيذ:
- أعرف قائد الفرقة الذي سأعمل بإمرته جيدًا؛ يتدخل في أدق التفاصيل، ثم يترك غيره يتحمل نتائج فشله… هذا الواجب سيقتلني.
يندفع في المحاولة الأولى مقيّدًا بتوجيهاتٍ لا يقتنع بها، فيتحطم الهجوم تحت نيرانٍ كثيفة حشد لها الإيرانيون آلاف المدافع. ويعاود الهجوم ثانيةً بتوجيهاتٍ أخرى، فتتبعثر قواته بين السواتر وحقول الألغام.
يطلب دعمًا، فيأتيه الرد: لا احتياط لدينا. يلحّ بطلب الإسناد الجوي، فيُقال إن الطقس لا يسمح بالطيران.
وقبل أن ينطفئ زخم الهجوم، يرجو حضور القائد إلى الميدان ليرى بنفسه استحالة تنفيذ تلك التوجيهات، لكن الأخير يعتذر بانشغاله، ويرفع إلى الرئيس تقريرًا يحمّل برهان وحده مسؤولية الفشل.
عاد برهان إلى فرقته السابعة مغضوبًا عليه، لكن قائدها اللواء نزار لا يتعامل معه كرجلٍ مهزوم. يجلس معه طويلًا يستمع إلى تسجيلات إدارة المعركة، فيقتنع أنه لم يكن مقصّرًا؛ فالتوجيهات لا تتلاءم وساحة المعركة، ومدفعية العدو لم تُسكت، والجبهة ضيقة تخنق أي مناورة، فيما ظل الإسناد المدفعي ضعيفًا، وغاب الطيران تمامًا.
يرسل نزار الأشرطة إلى القيادة العامة، مرفقةً بتوصية عاجلة لعرضها على الرئيس فورًا، لكنّها لا تُعرض؛ قيل إن مزاج الرئيس متعكّر، وليس من الحكمة أن يسمع الآن.
ظلّ نزار يعامل برهان باحترامٍ واضح، فلم يضعه قيد التوقيف، ونفّذ طلبه الأخير بجلب أطفاله إلى المقر.
في ذلك العصر، جلس بينهم بهدوءٍ غريب، يسألهم عن المدرسة ودفاترهم الصغيرة، فيما كان نزار يراقبه بصمتٍ ثقيل. وأثناء الجلسة، وصلت برقية سرّية. فتحها نزار ببطء، ثم تجمّد نظره عند السطر الأخير: ينفّذ حكم الإعدام بالمقدم الركن برهان قبل شروق شمس الغد.
قبل الفجر بقليل، يُبلَّغ بالأمر السرّي. لا يطلب رحمة. يكتفي بترتيب هندامه العسكري كاملًا، كأنه يستعد لاستعراضٍ أخير لا لإعدام. يسير بخطواتٍ ثابتة نحو ميدان الرمي، فيما كان الجنود يتجنبون النظر إليه. وكان القائد قد أوصاهم أن يصوّبوا على القلب… كي لا يطول ألمه. أما هو، فظل واقفًا بصلابةٍ أربكت الجميع، حتى الذين كانوا يخفون خوفهم من مصيرٍ قد يأتيهم بالطريقة نفسها.
يقف برهان مستقيمًا تحت ضوء الفجر الباهت، يرفع رأسه عاليًا، ثم يهتف باسم الجيش والعراق.
تنطلق الطلقات دفعة واحدة. يهبط جسده، بينما يبقى صدى صوته معلقًا في الصباح الرمادي، كأن الحرب نفسها أطلقت النار على أنبل رجالها.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات


المزيد.....




- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حين تأكل الحرب رجالها