أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - موسم الشاحنات














المزيد.....

موسم الشاحنات


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 22:52
المحور: الادب والفن
    


في صباحٍ شتوي قارس من عام 2006، تقترب شاحنة كبيرة من سيطرة الشعب، المنصوبة على مشارف بغداد الشمالية، تسحب مقطورة محملة ببضاعة تركية في طريقها من أربيل إلى مخازن التاجر في الكرادة. يبتسم السائق لمساعده بعدما ظهرت السيطرة أمامه، ويتمتم بلهجته الجنوبية شاكرًا الله على اجتيازهما ناحية العظيم سالمين، حيث تكثر السيطرات الوهمية ويترصد الموت بالعابرين، بعدما اعتادت العصابات المتطرفة في المنطقة الظهور، كلما وجدت ثغرة يصنعها الإهمال أو التراخي.
يتوقف عند السيطرة بإشارة من حامد، شاب لم يكتمل شعر لحيته. يحمل بندقية أطول من تجربته في الحياة، ويرتدي مزيجًا غير متناسق من الملابس المدنية، والعتاد العسكري، بينما يتدلى حزام الذخيرة على جسده النحيل كأنه أكبر من مقاسه. يقف بثقةٍ مستعارة، ثم يسأل بلهجة الآمر الناهي:
- ماذا تحمل؟
- شحنة مواد مرخَّصة، وهذه تصاريحها الجمركية، أنقلها إلى مخازن التاجر في الكرادة.
يحدق فيه مليًا.
- وما هي؟
يتردد الرجل لحظة، ثم يقول الحقيقة:
- بيرة تركية.
تنتهي المحاكمة قبل أن تبدأ. لا سؤال، ولا تفتيش، ولا نظرة إلى الأوراق الممدودة بين يدي السائق. يرفع حامد بندقيته بوجهٍ خالٍ من التردد، فتتعاقب الطلقات في ومضات خاطفة، ويترنح الرجل قبل أن يهوي إلى الأرض. يقترب منه بخطوات بطيئة، ثم يدفع رأسه بطرف حذائه ليتأكد من موته، وهو يردد ببرود يثير القشعريرة: "السيد يقول حرام". بعدها يستدير نحو المقطورة، ويشعل النار في أحد جوانبها، فلا تلبث سحابة كثيفة من الدخان الأسود أن ترتفع عاليًا، معلنةً بداية مشهد آخر.
تستدرج الطلقات أهل البيوت المجاورة. يخرجون مترددين في البداية، لكنهم ما إن يلمحوا حمولة المقطورة حتى ينطلقوا نحوها كالسيل. تتدافع الأكتاف عند مؤخرها، وتتسابق الأيدي إلى الصناديق، فيقفز بعضهم إلى داخلها، ويطفئ بعضهم النار لإنقاذها، بينما يتولى آخرون تلقف الصناديق وتمريرها من يدٍ إلى يد. يركض الرجال والنساء والأطفال في كل اتجاه، يحملون ما استطاعوا حمله قبل أن يصل الغير للمشاركة في حمله، وتتعالى بينهم عبارات الحمد والشكر، كأن الشاحنة هبطت عليهم رزقًا من السماء. وفي دقائق معدودة، كانت المقطورة قد فرغت إلا من بقايا متناثرة ودخانٍ يتصاعد، أما صناديق البيرة فقد اختف بين الأزقة والبيوت بسرعةٍ تكاد لا تُصدَّق.
يهبط الليل، ويبدأ منع التجوال. تنكمش الشوارع في صمتها، ولا يبقى في البستان المهجور عند صدر القناة سوى خمسة شبان يتحلقون في دائرة صغيرة. يصل حامد بعد انتهاء نوبته، فيفسحون له مكانًا بينهم. يمد أحدهم يده إلى صندوق انتُشل قبل ساعات من المقطورة، يلتقط علبة بيرة، ينزع غطاءها بحركة معتادة، ثم يقدمها إليه باحترام. يأخذها، يرتشف نصفها في هدوء، بينما تتناثر حولهم عشرات العلب الفارغة.
ثم يمضي الحديث بين ضحكاتهم وإشاداتهم بما أنجزوه في النهار، قبل أن يتحول إلى أمنية تتكرر على الألسنة: ليت الطريق يجود كل يوم بشاحنة مماثلة، تنعش أمزجتهم وتحسن مواردهم. وبينما كانت العلب تُفتح الواحدة تلو الأخرى، ارتفعت الأنخاب في البستان احتفاءً بالشحنة التي لم يصل منها إلى أصحابها سوى الدخان.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة


المزيد.....




- راقصة مصرية تكشف لـRT تفاصيل خطيرة عن اتهامها لـ-نخنوخ- وفنا ...
- بوتين يوجه بتحديث أكاديمية موسكو للرقص
- جائزة -جالاك- 2026: كيف يعيد الأدب صياغة الهوية البريطانية م ...
- قراتشاي-تشيركيسيا تُخطط لإنشاء متاحف لثقافة وتاريخ شعوبها
- طقوس الليل السرية.. ألعاب استحضار الأرواح بين أطفال الاتحاد ...
- مونديال 2026.. مزيج الكرة والموسيقى برعاية الفيفا
- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - موسم الشاحنات