أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - فصل عشائري مزور














المزيد.....

فصل عشائري مزور


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


حين أعلنت العشيرة التبرؤ من حليم، بعد سنواتٍ من المشاكل والخصومات التي أثقلت اسمها، لم يغضب كما كان متوقعًا. جلس في فناء البيت ينفث دخان سيجارته إلى السماء، ويتأمل الورقة التي حملها إليه الأخ الأصغر، كما لو كانت فاتورةً قديمة لا تخصه. أمسكها بأطراف أصابعه، وقرأ سطورها الأولى على عجل، ثم مزقها إلى أنصافٍ وألقى بها نثرًا في الفناء.
ضحكت انتصار المرأة التي تزوجها دون موافقة الأهل، ضحكة امرأة اعتادت أن تجد مخرجًا لكل مأزق، اقتربت منه وربتت على كتفه بدلالٍ مبالغ فيه، وهمست: إذا أغلقت العشيرة بابها، فهناك عشرات الأبواب المفتوحة.
تناولت هاتفها النقال، وبدأت تبحث بين الأسماء. وبعد أقل من ساعة، توقفت أربع سيارات دفعٍ رباعي. نزل منها رجال بجلابيب بيضاء وعُقُل سوداء، يتبادلون نظراتٍ واثقة، وكأنهم يوحون للمارة بأن التاريخ العراقي للقبائل يسير على أقدامهم.
– لا تقف هكذا... اذهب واشترِ ما يلزم. قالتها انتصار بصيغةٍ لا تحتمل النقاش.
لم يسألها ماذا تقصد، فقد أدرك أن الليلة ليست زيارةً عابرة.
خرج مسرعًا، وعاد محملًا بأكياس الطعام والمشروبات، وما يكفي لإبقاء الجالسين منتشين حتى الفجر. ومع دوران الكؤوس ارتفعت الأصوات، ودخلت السهرة طورها الحقيقي. راحت انتصار تتنقل بين الحاضرين بخفةٍ لافتة، فيما واصل الشيخ جاسم التذكير بأمجاد العشيرة ومآثرها. وقبيل الانفضاض، أخرج ورقةً مطوية، سلّمها إلى حليم، معلنًا أن الرجل الذي لفظته عشيرته صباحًا، أصبح قبل الفجر واحدًا من أبناء العشيرةٍ الأخرى.
في صباحٍ عادي، يتشاجر ابن سليم البكر مع محمد ابن الجيران، ثم يعودان إلى اللعب بعد دقائق كأن شيئًا لم يكن. تراقبهما انتصار من نافذة غرفتها، فتضيق ملامحها وهي ترى المشكلة تموت قبل أن تكبر. تنتظر حتى يبتعد الطفلان، ثم تنزل إلى الشارع، تترصد أبا محمد عند باب بيته. وما إن يهمّ بالذهاب إلى المدرسة التي يديرها حتى تمسك ربطة عنقه أمام الزقاق المكتظ بالتلاميذ.
– ابنك دفع ابني أمام الناس.
حاول التملص، وازدادت محاولاته كلما ازداد عدد المتفرجين.
- ست انتصار، نحن جيران، والمسألة بين أطفال تصالحوا أصلًا، فلماذا نعيدها من جديد؟
لكنها تتشبث برباطه أكثر وبازدراء تقول: وفر حكمتك لتلامذتك. هنا العشيرة هي التي تتكلم.
وما إن تجمع بضعةٌ من أفراد عشيرتها، وتباطأ بعض تلاميذ المدرسة لمتابعة المشهد، حتى أطلق زفرةً طويلة وقال: حاضر... كل ما تريدينه يحصل، وأنا الممنون.
نصبَ سليم السرادق عصرًا. جلس الشيخ جاسم في الصدارة، وعن يمينه سيدٌ بعمامةٍ كبيرة، وعن يساره عشرون شابًا مسلحًا، فيما انتشر مثلهم حول السرادق. بدا المجلس مهيأً لكل شيء إلا الاعتراض. تحدث جاسم طويلًا عن مكانة العشيرة ودورها في إرساء القيم. وتحدث صاحب العمامة عن الحق والوفاء. ثم جاء الدور على المهم: عشرة ملايين دينار.
رفع أبو محمد رأسه: مقابل ماذا، والطفلان بعمر السبع سنوات، وهم يلعبان معا الآن؟
هز الشيخ رأسه بثقة: عرف العشائر لا يسأل عن العمر.
التفت أبو محمد إلى المعلمين الذين استأذنهم الجلوس إلى جانبه، ثم أدار بصره نحو البنادق المحيطة بالمجلس، فهزّ رأسه موافقًا. وقبل أن يغادر، همس له رجل إلى جواره بأن جاسم ليس شيخًا، وأن صاحب العمامة منتسب لإحدى المليشيات مستأجر بخمسين ألف دينار.
ظل صامتًا لبرهة، كأن شيئًا انكسر في داخله. ثم التفت إلى معلميه: غدًا أقدم طلب نقلي من هذه المدرسة، وأعرض بيتي للبيع. سكت قليلًا وأضاف: أمضيت عمري أعلّم أن الاحترام يُكتسب، والحق لا يحتاج إلى حراسة. يبدو أنني كنت أدرّس زمنًا غير هذا الزمن. وغادر مطأطئ الرأس، فيما بقي شيءٌ ثقيل يرافقه، أثقل من المبلغ الذي دفعه، وأبقى أثرًا منه.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة
- من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة
- بغداد...وعد مؤجل بالنجاة
- بغداد بوجهها المنقب


المزيد.....




- -7 دوجز-.. فيلم استثنائي أم نسخة معربة من هوليوود؟
- رحلة سلمان بونعمان لفهم النهضة اليابانية.. مصالحة الهوية وال ...
- هيلين ميرين.. مسيرة سينمائية في خدمة السردية الإسرائيلية من ...
- -مدينة من ورق-.. مكتبة في نيويورك تضم 3.5 ملايين صفحة من ملف ...
- فنانة أمريكية تواجه بلوحاتها إقصاء الأمريكيين السود
- 6 شهداء و4 جرحى جراء غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية جنوب ل ...
- تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات -جيرالد فورد-: دمار واس ...
- تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: -حنظلة- تزعم اغتيال ضابط ...
- بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25 ...
- السينما الفلسطينية في شيفيلد.. مشاريع جديدة وأفلام تنافس على ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - فصل عشائري مزور