أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - على عتبة قصر نيناس














المزيد.....

على عتبة قصر نيناس


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


تقف السيارة في الساحة الصامتة لقصر نيناس، في مقاطعة سودرمانلاند السويدية، كأن القصر اعتاد استقبال الغرباء منذ قرون. لا شيء فيه يصرخ بالعظمة؛ خطوط متزنة، ونوافذ عالية، وسقف يعلوه الزمن. تمتد أمامه مروج خضراء اعتُنيَّ بها كما اعتُنيَّ بالقصر نفسه، فيما تنسحب الغابة والبحيرة بهدوء إلى الخلف، كأنهما الحارسان الأقدمان للمكان.
في اللحظة الأولى، يبدو القصر شاهدًا على الحكاية، لا بطلًا لها. فمنذ أن وُثقت هذه الضيعة في القرن الرابع عشر، تعاقبت عليها عائلات أرستقراطية عدة، حتى شُيّد القصر بصورته الحالية في القرن السابع عشر، وظل قرونًا رمزًا لسلطة ملاك الأرض ونفوذهم. ثم دار الزمن دورته؛ رحلت الأسر التي بنته وسكنته، وتبدلت أسماء المالكين، وبقيَّ هو واقفًا في مكانه، إلى أن انتقلت ملكيته في العقود الأخيرة إلى المقاطعة، لا ليُمحى تاريخه، بل ليصبح جزءًا من الذاكرة العامة. لكن الوقوف أمامه بعين قادمة من الشرق لم يترك مجالًا للتفكير كثيرًا بأسماء النبلاء الذين مروا من هنا، بقدر ما أثار سؤالًا آخر: كيف استطاع هذا المكان أن ينجو من تقلبات السياسة والسلطة، وأن يتحول من ملكية خاصة إلى إرث يشترك الجميع في حمايته؟ كان ذلك السؤال بداية رحلة أخرى في تاريخ المجتمع الذي احتفظ به قصرا لم يكن مقرًا لملك، ولا مركزًا لاتخاذ قرارات الدولة، وإنما مقرًا لطبقة حكمت الأرض أكثر مما حكمت البلاد، عاش فيه النبلاء الذين منحتهم الملكية مساحات واسعة من الغابات والحقول والبحيرات، فأداروها كما تُدار المؤسسات الكبرى؛ يشرفون على الزراعة والغابات والصيد وتربية الماشية، ويقودون شؤون عشرات العاملين من خدم ومزارعين وحرفيين يعيشون في جوار الضيعة، لكل منهم مكانه في نظام اجتماعي يكاد لا يختل.
كان القصر قلب الضيعة، قبل أن يكون رمزًا للمكانة. ففي قاعاته تُقام الولائم، وتُعقد الزيجات، ويولد الأبناء، ويُستقبل الضيوف، وتُناقش المواسم الخاصة بالحصاد أكثر مما تُناقش شؤون السياسة. ومن حوله كانت الغابات مصدرًا للأخشاب والصيد، وكانت الحقول والمراعي والماشية عماد الثروة التي قامت عليها حياة القصر واستمراره. وحين يتجول المرء بين الأثاث الذي بقيَّ في مكانه، والمائدة التي ما زالت تنتظر ضيوفًا لن يعودوا، والمكتبة التي أغلقت صفحاتها على أصحابها، يدرك أن القصر لم يُحفظ لأنه كان مسكنًا لعائلة نبيلة، بل لأنه غدا شاهدًا على نمط حياة انقضى من المجتمع السويدي، ولم يبق منه سوى هذه الجدران وما تختزنه من ذاكرة.
خلف القصر، ينفتح أمام الزائر عالم آخر؛ غابات تمتد حتى تلتبس على العين نهاية الطريق ببداية الأشجار، ومروج واسعة تتنقل فيها الغزلان والأيائل بحرية، وبحيرات ساكنة تعكس السماء الشمالية، ومسارات طويلة للمشي لا يقطع هدوءها إلا صوت الطيور أو حفيف الريح بين الأغصان. عندها تبدو المحمية كأنها لم تُنشأ لاستعراض جمال الطبيعة وحده، وإنما لإعادة الإنسان إليها. ويبدو المكان كأن التاريخ والطبيعة قد اقتسماه برضا صامت؛ فالقصر يحفظ ذاكرة الإنسان، والغابة تحفظ ذاكرة الأرض. ومن يسير بينهما يشعر أنه ينتقل بين كتابين؛ أحدهما كتبه البشر، والآخر كتبته الطبيعة عبر آلاف السنين.
ومن هذا التقاسم الهادئ ينتقل الذهن، من غير استئذان، إلى أرض أخرى؛ أرض العراق، التي لم تكن تنقصها الخضرة ولا التاريخ، وإنما` الصلح بين الإنسان وما يملك. فالأرض التي كانت يومًا عنوانًا للإقطاع لم تحمل محصولها وحده، وإنما حملت معه صراعات السلطة، ثم حملت بعد ذلك صراعات التغيير. تبدلت الأسماء، وتغير المالكون، وبقيت الأرض تدفع ثمن ما دار فوقها. قصور تهدمت، وبساتين تقلصت، وبيوت ريفية غابت معها حكايات أصحابها، حتى أصبح الماضي في كثير من الأحيان عبئًا يسعى كل عهد إلى محوه، لا ذاكرة يسعى الجميع إلى حفظها. وبينما كانت الأرض هناك تدفع ثمن ما دار فوقها، كانت هذه الأرض تسلك طريقًا آخر. انتهت سلطة النبلاء منذ زمن، غير أن المجتمع لم يعلن الحرب على ما خلفوه. خرج القصر من ملكية الأسرة، ودخل في ملكية الذاكرة، وخرجت الغابة من حسابات الثروة الخاصة لتصبح ثروةً يتقاسمها الجميع. وهكذا احتفظ المكان بتاريخه وطبيعته معًا، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. وربما كان يمكن لبابل، والحضر، ونينوى، وأور، وسواها من مدن الذاكرة الأولى، أن تكون اليوم على هذه الصورة، لو استطاع الإنسان عندنا أن يتقاسمها مع الأرض كما تُتقاسم هذه الأرض هنا؛ ذاكرةً مشتركة يحتضنها التاريخ والطبيعة والناس، فالحضارة لا تُقاس بما تُشيّده الأمم من قصور ومعابد، وإنما بقدرتها على تحويل ميراثها إلى جزء من حياة الناس، وحين يغدو الماضي إرثًا للجميع، لا ملكًا لأصحابه الأوائل، يصبح جزءًا من حياة الأحياء، لا صفحةً مطوية في كتب التاريخ.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة


المزيد.....




- وفد من المثقفين والمؤسسات الدينية والشخصيات السياسية والثقاف ...
- الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة مالي ...
- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - على عتبة قصر نيناس