أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن














المزيد.....

بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


عام 1978، وما إن انفرط عقد الجبهة بين الحزب الشيوعي وحزب البعث، حتى بدأت أجهزة الأمن تجمع الأسماء كما لو أنها تجمع أوراق الخريف. لم تكن تبحث عن القيادات فقط، بل عن كل من مر اسمه في اجتماع، أو كُتب في منشور، أو عُرف في لجنة تنسيق. وكان بين تلك الأسماء رِهام، الطالبة الجامعية النشطة في محلية الحلة، وخطيبها رسول.
جاءهما الأمر مقتضبًا، لا يحتمل السؤال ولا الاعتراض : اقطعا كل صلة بالعالم... واختفيا.
في مساء اليوم نفسه، دخلا أحد أوكار الحزب، وهما لا يعرفان متى سيخرجان، ولا إن كانا سيخرجان أصلًا.
هناك، بين جدران ضيقة تخشى الصدى، قررا ألا يؤجلا زواجهما. خلع أحد المختفين خاتمه، وفعل آخر مثله، وتكفّل ثالث بعقد القران. لم تكن هناك موسيقى، ولا زغاريد، ولا ثوب أبيض، ولا صور تخلّد المناسبة، كان الاحتفال الوحيد أن العروسين ما زالا على قيد الحياة حتى تلك الليلة.
لم يمض على زواجهما شهر، حتى بدأت الأخبار تتسلل إلى الوكر تباعًا؛ وكرٌ سقط، وأسماءٌ اختفت ثم عُرف أنها وقعت في قبضة الأمن. عندها صدر القرار: تغادر رِهام أولًا. كانت مطلوبة أكثر، والخوف عليها أشد، على أن يلحق بها رسول حين تسنح فرصة أخرى.
في اليوم التالي، استلمت جواز سفر مزورًا وأوراقًا ثبوتية تحمل اسم امرأة لا تعرفها. وفي اليوم الذي تلاه، كانت تجلس بين أفراد مجموعة سياحية متجهة إلى دمشق، تبتسم كلما التقت عينها بعين أحد رجال الشرطة، بينما تحاول ألا تنسى الاسم الجديد الذي صار عليها أن تجيب به إذا نوديت. ولم تنسَ وداع رسول، الذي اقتصر على نظرةٍ قصيرة وضغطة يدٍ خافتة، فقد كان يعلم أن الوداع الطويل امتيازٌ لا يملكه المطاردون.
انقضت أسابيعها الأولى في دمشق بطيئة وثقيلة. كانت تنتظر خبرًا عن رسول أكثر مما تنتظر موعد سفرها، لكن الأخبار انقطعت، كأن الطريق الذي خرجت منه قد أُغلق وراءها إلى الأبد. وبين قلق الانتظار ووحشة الغربة، أخذ جسدها يهمس لها بسرٍ لم تنتبه إليه من قبل. وما إن راجعت الطبيب حتى عرفت أنها تحمل طفلها الأول.
بعد أيام، عاد جوازها يحمل تأشيرة دراسة إلى بلغاريا، ومعه تذكرة سفر وترتيب استقبال في مطار صوفيا. كان كل شيء مهيأً للنجاة، إلا قلبها، فقد ظل واقفًا عند الباب الذي غادرته في الحلة، ينتظر رسولًا لا تأتي عنه أخبار.
في بلغاريا، أتقنت اللغة، وتنقلت بين فروع الدراسة حتى استقرت على الفلسفة. ومع مرور السنوات، ظل اسم رسول حاضرًا في ذاكرتها، لكن أخباره بقيت منقطعة، حتى غدا الانتظار نفسه حياةً أخرى. هناك، تعرّفت إلى حسن، الطالب العراقي في كلية الإعلام. قرّبتهما الغربة وأفكار اليسار التقدمي قبل أي شيء آخر، ثم انتهى ذلك التقارب إلى زواج. سجّل حسن طفلتها باسمه، وأحاطها من حنانه بما جعلها تكبر من غير أن تشعر بنقص الأب. وهناك، اعتاد الثلاثة حضور مهرجان الطفل العالمي كل عام، حتى جاء صيف 1987 فلم يظهروا بين الحضور، فأثار غيابهم استغراب الطلبة الذين عادوا إلى سكنهم يسألون.
في الممر، كان صوت ماءٍ يتسرّب من غرفة رِهام. ظنّوه حنفيةً نسيتها أو عطلًا عابرًا، لكن الصوت استمر حتى اليوم التالي. حضرت الشرطة، وفُتح الباب، فوجدوا رِهام في الحمّام، مطعونةً في صدرها عدة طعنات، والماء ينساب فوق جسدها من حنفيةٍ تُركت مفتوحة، ولم يكن في الغرفة أثرٌ لحسن ولا للطفلة.
بدأ التحقيق من تلك اللحظة. تذكّر بعض الطلبة أنهم رأوا حسن يوم الاحتفال ويده اليمنى ملفوفة بضماد، ويده اليسرى تمسك بالطفلة. قالوا إنه خرج بها من السكن في هدوء، كأن الأمر لا يتعدى نزهة قصيرة. لكن الخيط اتسع سريعًا. فقد تبيّن، من مجريات التحقيق وما تسرب لاحقًا، أن حسن حاول إجبار رِهام على العودة إلى العراق. وحين رفضت، طعنها، ثم نقل جسدها إلى البانيو، وفتح الماء، وغادر ومعه الطفلة، متجها إلى محطة المخابرات في السفارة، حيث جرى تأمين خروجهما الى العراق بجواز دبلوماسي، ضمن الوفد الذي حضر المهرجان برئاسة زوجة الرئيس.
في بغداد، عاد حسن بطلاً، كوفئ على خدماته جاسوسًا على الطلبة بإكمال دراسة الدكتوراه، ثم عُيّن أستاذًا جامعيًا ومديرًا للفرقة المسرحية. أما رِهام، فكان نصيبها قبرًا بعيدًا وملفًا طُوي كما لو أن الدم لم يُسفك يومًا.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء
- الدين السياسي ومأزق الدولة
- ارتباك السلطة وتآكل فكرة الدولة


المزيد.....




- منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ يبحث تأثير الذكاء الاصطن ...
- من الهيمالايا إلى موسكو.. 700 قطعة تروي رحلة البوذية في روسي ...
- سجال الهوية واللغة في الجزائر: مواجهة مفتوحة بين مقري ومعزوز ...
- شهدت أفول إمبراطورية المطر.. -آيانيس- قلعة تكشف أسرار العرش ...
- مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد ...
- على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل ...
- هل ينقذك الماضي من الحاضر؟ فيلم -إذما- يبحث عن إجابة عمرها 1 ...
- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن