أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - وكر الشياطين














المزيد.....

وكر الشياطين


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


حين كان عادل صبيًا في النجف، لم تشغله المدرسة بقدر ما شغلته المقبرة. يتجول بين قبورها المتهدمة، يجمع العظام الصغيرة، ينظفها بعناية، ثم يخطّ عليها طلاسم ينقلها من كتاب قديم قبل إعادتها إلى مواضعها، مؤمنًا بأن الموتى يهمسون لمن يجيد الإصغاء إليهم. يحاول والده الوقور أن يرده إلى طريق العلم، غير أن الفتى يجد متعته في استثمار الخوف في نفوس الناس، لا في قراءة الكتب.
يبدأ طريقه بامرأة شابة تتداول نساء الحي حكاية هجرها من قبل الزوج. يقترب منها، ويخبرها بسحرٍ قد حصل يحول بين زوجها والفراش. تصدقه، لأن كلماته تلامس خوفًا ظل حبيس صدرها طويلًا. يناولها مسحوقًا لا قيمة له. يرشدها، من حيث لا تشعر، إلى ما يعيد الدفء؛ قليلٌ من العطر، وكلمةٌ حانية، ولمسةٌ تعيد الى الجسد ذاكرة الشوق.
يعود الزوج إلى فراشه، فتزداد يقينًا بأن الكرامة هزمت السحر، بينما يتعلم عادل درسه الأول: الناس تشتري الوهم الذي يمنحهم ما تعجز الحقيقة على منحه.
منذ ذلك اليوم، يكبر الوهم داخله بقدر ما تكبر ثروته. وبعد سقوط بغداد، يفتح بيتًا يتحول سريعًا إلى قبلة للعاقر، والمطلقة، والتاجر، والموظف، والسياسي. يبيع خواتم للحظ، وأحجارًا للحماية، وطلاسم للمحبة، ووصفاتٍ لإسقاط الخصوم. ومع اتساع رقعة الجهل، تزدهر تجارته حتى يغدو اسمه على كل لسان، يتردد في المجالس أكثر مما تتردد أسماء العلماء.
يأتيه سياسي يطلب هزيمة منافسه في الانتخابات، وتقصده زوجة مسؤول تخشى امرأةً قد تخطف قلب زوجها. يناولهما مسحوقًا من عظام جماجم الموتى، وأحجارًا يدّعي قدرتها على جلب النفوذ وصدّ الأذى. فيغادرون مطمئنين، وقد اشتروا ما جاؤوا يبحثون عنه: وهمًا يخفف قسوة الحقيقة.
في مساء هادئ، يقف والده على باب البيت. تنوء قامته بثمانين عامًا من العمر، يدخل متكئًا على عصاه، بخطوات بطيئة، كأنه يمضي إلى آخر واجب يؤديه في حياته. يرفع بصره، وبصوتٍ خافت يقول:
– جئت أبرئ ذمتي أمام الله. لعلها آخر مرة أراك فيها.
يصمت لحظة، ثم يثبت نظره في عيني عادل.
– ارجع إلينا. اترك بيع الأوهام. الناس مثقلة بما يكفي، فلا تكن ممن يزيدونها تيهًا.
ترتسم على شفتي عادل ابتسامة باهتة.
- هم يأتون بإرادتهم، يبحثون عن بصيص أمل، ولو كان مغلفًا بالوهم.
- وهل يُبنى الأمل على الكذب؟
– لا أبيع الكذب... أبيع ما يعجز الواقع عن منحه للضعفاء.
يهز الشيخ رأسه بأسى.
– وكيف وصلت إلى هذا؟
يتنهد الابن.
– كلما هممتُ بالتوبة، وجدتُ طابورًا جديدًا عند الباب. كل واحد منهم يبحث عن معجزة تعفيه من مواجهة الحقيقة.
يتقدم ليقبل يد أبيه.
يسحب الشيخ يده، ويتراجع خطوة.
– أنت غريب عني... شيطان يقتات على خوف الناس.
يصمت عادل لحظة، ثم يرفع رأسه بهدوء.
– لا يا أبي... لستُ الشيطان. الشيطان هو الجهل. لو حورب يوم وُلد، لما تحول هذا الوطن الى وكرٍ للشياطين... ولما صرت واحدا منهم.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة


المزيد.....




- إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن ...
- بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
- -الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل ...
- وزير الثقافة الليبي الأسبق: صفقة واشنطن قد تبقي ليبيا بلا ان ...
- متحف زيلارت بموسكو يستضيف روائع الفن العالمي من مجموعة المتح ...
- -ملائكة لادوغا- يحصد جائزة في مهرجان منظمة شنغهاي للتعاون ال ...
- الفروسية في تونس.. إرث ثقافي يواجه تحديات مالية تهدد استمرار ...
- انطلاق مهرجان إيغور بوتمن الدولي للجاز في بطرسبورغ
- -مجنونة أحمد العوضي- تثير الجدل مجددا وتوجه رسالة للفنان الم ...
- المتحف البحري العسكري المركزي ينظم سلسلة معارض في مناطق روسي ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - وكر الشياطين