أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب














المزيد.....

الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 13:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عراقنا الحالي، لم تعد أخبار السرقات الكبرى تثير الدهشة. مليارات تختفي، وعقود تُنهب، ومشاريع تتعثر، ومال عام يُعامل كأنه مجهول المالك. تتكرر الفضائح حتى تكاد تفقد صفتها كفضائح، ويصبح السؤال عن حجم السرقة أقل حضورًا من السؤال عن الجهة السياسية التي حظيت بنصيبها منها.
والأشد إيلامًا أن هذه الفضائح لا يقابلها غضب اجتماعي يوازي حجمها. يسمع الناس الخبر، يتداولونه قليلًا، يطلقون نكتة مريرة، ثم تمضي الحياة من دون احتجاج واسع، ولا شعور يومي بالمهانة أمام الأهل والعالم. كأن ما يجري صار جزءًا من المشهد، أو قدرًا يدفع إلى التكيّف لا إلى الرفض.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ مشكلةٌ لا تقتصر على الفساد أو السارقين، وإنما تمتد إلى خلل يصيب شعور المجتمع بذاته. فعندما يضعف إحساس الإنسان بأن وطنه جزء من كرامته وهويته، يصبح تدهور سمعته خبرًا لا جرحًا، وتتكرر الإهانات العامة من دون أن توقظ شعورًا بالخجل أو الرفض. عندئذ نكون أمام حالة يمكن تسميتها فقدان الحياء الوطني.
والحياء الوطني ليس خجلًا فرديًا، ولا انكماشًا أو صمتًا أمام الآخرين، وإنما هو حس أخلاقي جمعي يجعل الإنسان يرى كرامة وطنه جزءًا من كرامته الشخصية، ويشعر بالإساءة إليه كما يشعر بالإساءة إلى بيته وأسرته. لذلك، حين يشيع أن بلده غارق في الفساد، وأن مسؤوليه ينهبون المال العام، فإن الإنسان الذي ما زال يحتفظ بهذا الحياء يشعر بأن شيئًا من كرامته قد مُسّ أيضًا.
أما حين يتآكل هذا الشعور، فإن الفساد يغدو علامة على ضمور العلاقة النفسية بين الإنسان ووطنه، ويتحول الوطن من بيت تُصان كرامته إلى مساحة للعيش أو مورد للرزق. عندئذ يتغير السؤال من: لماذا يسرق المسؤول؟ إلى: لماذا لا يخجل المجتمع من أن تكون السرقة عنوانًا لبلده؟ وتكون المشكلة ليس في كثرة السراق، وإنما في قلة الخجل من السرقة، وفي أن يكف أبناء الوطن عن الشعور بأن سمعته جزء من كرامتهم... حالة إذا شاعت "وهي في العراق قد شاعت" كان ذلك دليلًا على أن الوعي بدأ يتعفن. والتعفن لا يظهر في قبول الخطأ وحده، وإنما في فقدان الإحساس بأن الخطأ خطأ، ولا في انتشار الفساد فحسب، وإنما في اعتياده، واستبدال الغضب بالنكتة، والرفض بالتبرير، والاحتجاج بالصمت، حتى يتخدر الضمير الوطني شيئًا فشيئًا، ويغدو الانحدار أمرًا مألوفًا.
إن الحياء الوطني هو ذلك الوجع النبيل الذي يشعر به الإنسان حين يُهان وطنه، وتُسرق ثروته، وتُكسر كرامة فقرائه، وتُحوَّل مؤسساته إلى أسواق للغنائم. فإذا غاب هذا الوجع، لم نعد أمام أزمة إدارة أو سياسة فحسب، وإنما أمام تعفن في الوعي الجمعي؛ تعفن يجعل المجتمع يرى الخراب ولا يرتجف، ويسمع الإهانة ولا يخجل، ويعتاد ما كان ينبغي أن يرفضه، حتى يغدو الانحدار حالة طبيعية، ويصبح الدفاع عن الوطن استثناءً بعد أن كان فطرة.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟


المزيد.....




- تشارليز ثيرون تتألق بالمخمل الأسود في العرض الأول لفيلمها ال ...
- الاتفاق مع طهران وغرينلاند ومقاتلات إف-35.. ما الذي يمكن توق ...
- ماذا كشف تتبع تصريحات ترامب عن بوتين والحرب الروسية الأوكران ...
- مصادر لـCNN: معلومات استخباراتية عمرها 10 سنوات وراء قصف مدر ...
- -حثالة ولا أريد التعامل معهم-.. شاهد ما قاله ترامب عن إيران ...
- بعد التصعيد مع إيران.. وزير الدفاع الأمريكي يلغي زيارته إلى ...
- ترامب: انتهى أمر مذكرة التفاهم مع إيران وقادتهم -مجانين-
- جامعات غزة بعد الحرب: التعليم يتحدى الرماد ويصطدم بجدار الفق ...
- نعش خامنئي يصل إلى النجف.. مشاركة حاشدة لنحو مليوني عراقي في ...
- أردوغان يستقبل قادة العالم في مراسم ترحيب قبيل قمة الناتو


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب