أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حين دلنا القصر على العراق














المزيد.....

حين دلنا القصر على العراق


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 22:34
المحور: الادب والفن
    


ويستمر التجوال في أرجاء الضيعة والقصر. ومن بعيد يلفت النظر شاب ذو بشرة حنطية، يتحرك داخل مبنى صغير إلى جانب القصر، يضم مرسمًا وورشة عمل مفتوحة، تحيط به مجموعة من الأطفال وعائلاتهم. بعضهم يغمس فرشاته في الألوان، وآخرون يشكلون بأيديهم قطعًا من الطين الصناعي، أو ينسجون منها أشكالًا صغيرة تفيض بخيالهم. يتنقل بينهم في هدوء، يوجه هذا، ويشجع تلك، ويشارك ثالثًا فرحته بما أنجز، حتى يبدو كأن المكان احتفظ له بمكانه منذ زمن. في هيئته وحركته ودفء ابتسامته ما يوقظ إحساسًا مألوفًا؛ لا يخطئه العراقيون، وكأن بينهم علامة خفية تسبق الأسماء والكلمات.
عند الاقتراب من مكانه داخل الورشة، يرفع رأسه عن عمله، وتتعلق عيناه بالوجوه القادمة لحظة قصيرة، تتسع ابتسامته، ثم يبادر: من أين أنتم؟
ما إن تقع كلمة «العراق» على مسامعه، حتى يتبدل وجهه في لحظة. يترك ما بين يديه من غير تردد، ويقبل سريعًا، فاتحًا ذراعيه، كأن الغربة اختصرت المسافة بين غرباء لم يعودوا غرباء. يضمهم مبتسمًا، ثم يقول بصوت امتزجت فيه الدهشة بالفرح: وأنا أيضًا عراقي.
تنتهي لحظة الدهشة الأولى، ويجلس أشرف إلى جوار طاولة امتلأت بألوان الأطفال وقطع الطين التي لم تكتمل بعد. يتحدث بهدوء واثق، ويبدأ بتقديم نفسه. يقول إنه من الموصل، وإنه غادر العراق إلى السويد ضمن برنامج لحماية الفنانين، بعدما أصبحت ملاحقته على يد داعش خطرًا حقيقيًا خلال سيطرتها على المدينة عام 2015. حمل معه بعض الذكريات، ووخزة عتاب لم تفارقه، وترك وراءه مدينة كانت تفقد، يومًا بعد آخر، تلك الملامح التي أحبها.
في السويد لم يضع الفرشاة جانبًا. مضى يرسم، ويعرض أعماله، ويشق طريقه بين المعارض الفنية، حتى امتدت مشاركاته إلى ألمانيا واليابان، وأصبح اسمه معروفًا في أوساط الفنانين الشباب.
وخلال حديثه، لا يتوقف عن متابعة الصغار. ينحني إلى طفلة تكاد تفقد قطعتها الطينية توازنها، فيعيد تشكيلها معها من غير أن ينتزعها من يديها. يربت على كتف صبي أنهى لوحته، ويقوده إلى زاوية الضوء ليرى ألوانها من جديد. كان واضحًا أن الأطفال لا يرون فيه معلمًا فحسب، وإنما رفيقًا يشاركهم اللعب، ويترك لكل واحد منهم أن يعثر على فنانه الصغير بطريقته.
ومع أشرف، يتسع الحديث عن فنان شاب إلى حكاية وطن بأكمله، فتأخذ الذاكرة إلى سؤال لا يهدأ: كم من أشرف غادر العراق، بعدما ضاق الوطن بأبنائه، واتسعت لهم أوطان أخرى؟
تكاد الحكاية تتكرر بأسماء مختلفة. فنان يكتشفه الآخرون قبل أن يكتشفه بلده. باحث يجد مختبره في جامعة بعيدة. طبيب يُطمئن المرضى بلغة غير لغته، ويُسهم في بناء نظام صحي لم يولد فيه. وعالم يضع خبرته في خدمة مجتمع لم يعرف طفولته. يرحلون حاملين معهم أثمن ما تملكه الأمم؛ عقولها وخبراتها وطاقتها على الإبداع. والمفارقة أن هذا النزف لا يبدأ عند بوابات الحدود؛ فالوطن قد فقد أبناءه قبل ذلك بوقت طويل، يوم عجز عن احتضانهم، وعن أن يجعل البقاء فيه مشروعًا للحياة. منذ أن بدأ الأمن يتجسس على النوايا، وتعاقبت الحروب، وفرض التطرف منطقه، أخذت أبواب المستقبل تضيق، حتى انتهى الأمر إلى ساسة كلما استعصت عليهم الأزمات، ازدادوا براعة في إغلاق تلك الأبواب.
يمضي الوقت أسرع مما ينبغي. يعود الأطفال إلى لوحاتهم، وتعود الورشة إلى ضجيجها الهادئ، ويستعد الجميع للمغادرة. يرافقنا أشرف حتى باب المبنى الصغير، وكأن دقائق الحديث لم تكن كافية لاختصار سنوات الغياب. تتبادل الأيدي مصافحة أخيرة، ثم تتحول، من غير اتفاق، إلى عناق طويل. لا يقال فيه الكثير، لأن بعض المشاعر لا تحتاج إلى كلمات. وحين تتراجع الخطوات، يبقى كل واحد ينظر إلى الآخر لحظة أطول مما تقتضيه المجاملة، كأن شيئًا من العراق كان حاضرًا، ثم أخذ يستعد للرحيل من جديد.
يلوح أشرف بيده، ويعود إلى حياته التي صنعها هنا، وتبقى الموصل تمشي معه، لا في حقيبة، ولا في وثيقة، وإنما في نبرة صوته، وفي لهفته كلما سمع اسم العراق. تمضي السيارة مبتعدة، ويظل هو واقفًا عند باب الورشة، حتى يغيب عن النظر. عندها فقط يخطر في البال أن الغربة ليست أن يعيش الإنسان بعيدًا عن وطنه، وإنما أن يظل الوطن يسكنه، كلما ظن أنه ابتعد عنه.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل
- الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج
- بين المقدس والعنف: من يملك الحق في تمثيل الله؟
- العراق في زمن الضربات بلا أسماء


المزيد.....




- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...
- فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
- في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حين دلنا القصر على العراق