أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي














المزيد.....

سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 23:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في المجتمعات التي تضعف فيها سلطة القانون، أو تتراجع قدرة الدولة على فرض مرجعية واحدة للضبط المجتمعي، تنشأ حالةٌ من استبطان الرهبة السلطوية، تتأسس على مراكز سلطة موازية للسلطة الرسمية، تكتسب هي ورموزها قدرةً على التأثير النفسي في المجتمع تتجاوز ما يحدده القانون. ومع مرور الوقت، يعتاد الناس التعامل معها على أساس ما يُنسب إليها من قدرة على المنح أو المنع، أو إحداث الضرر أو توفير الحماية، أكثر من اعتمادهم على موقعها القانوني أو سلطتها الفعلية في الدولة.
ويُعد المجتمع العراقي نموذجًا واضحًا لهذه الظاهرة؛ إذ شهد، على مدى عقود متواصلة، صورًا متعددة من السلطات الموازية. ففي حقبة سابقة ارتبطت الرهبة السلطوية بالمقاومة الشعبية، ثم الحرس القومي، ثم حزب البعث والجيش الشعبي. وفي مرحلة لاحقة برزت قوى مسلحة ورموز سياسية ودينية اكتسب بعض أفرادها، في نظر شريحة من المجتمع، تأثيرًا تجاوز حدود سلطتهم الرسمية، ليتحول تدريجيًا إلى سلطةٍ رمزية تستند إلى ما استبطنه الناس من رهبة تجاهها.
ان هذه الحالة أي استبطان الرهبة السلطوية لا تنشأ دفعة واحدة، كما لا تنشأ السلطات الموازية مكتملة التأثير منذ البداية، وإنما تبدأ غالبًا من قدرة محدودة على تقديم منفعة، أو توفير حماية، أو تعطيل إجراء. ثم تتسع مكانتها كلما تكررت استجابة الناس لها، وتسامحت الدولة معها أو عجزت عن الحد من نفوذها، لتتحول تدريجيًا من قدرة عملية إلى نفوذ اجتماعي، ومع تكرار هذا الاقتران ينتقل النفوذ من الأشخاص إلى الرموز المرتبطة بهم، لتبدأ الرهبة بالاستقرار في الوعي الجمعي بوصفها استجابة تلقائية أكثر منها حكمًا عقليًا. وعند هذه المرحلة، لا تعود استجابة الناس قائمة على حدود السلطة الفعلية، وإنما على ما استبطنوه عنها؛ فيقترب بعضهم منها طلبًا للحماية أو المنفعة، ويبتعد آخرون خشية الضرر، بينما يبالغ فريق ثالث في تمجيدها وإضفاء صفات استثنائية عليها، بوصف ذلك آلية نفسية تمنحهم شعورًا بالأمان وتخفف من قلقهم في مواجهة القوة التي يمثلها ذلك الرمز.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تضعف مرجعية الدولة فحسب، وإنما تُعلِّم المجتمع الخوف. فمع تكرار اقتران الرمز بالقدرة على المنح أو المنع أو العقاب، تتحول الرهبة إلى استجابة نفسية مستبطنة، تستدعي الحذر والصمت تلقائيًا. ومع الزمن، لا يعود كثير من الناس يقيسون الرمز بحدود سلطته الحقيقية، بل بما استقر في أذهانهم من قدرة متخيَّلة على الإيذاء أو المنفعة، فيترددون في الاعتراض، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى تمجيده، حتى عندما تتعارض ممارساته مع القانون أو القيم الاجتماعية.
ويمكن ملاحظة ذلك في المجتمع العراقي؛ إذ يتجنب كثير من الناس انتقاد بعض الشخصيات السياسية أو الدينية التي اكتسبت رمزية نافذة، بسبب ما استقر في نفوسهم من رهبة تجاهها. ومع الزمن، ترسخت هذه الرهبة حتى دفعت كثيرين إلى الصمت خشية التعرض للأذى، رغم غياب خطر حقيقي في كثير من الحالات. وهنا لم يعد السلوك استجابةً لواقع قائم، بقدر ما أصبح استجابةً لاقتران نفسي ربط الرمز بإمكان العقاب أو الضرر.
إن استبطان الرهبة السلطوية، في ظل وجود الفصائل المسلحة والأحزاب الدينية المؤدلجة، حالة خطرة تستدعي معالجة سريعة، لا بمواجهة الرموز ذاتها، وإنما بإزالة البيئة التي أنتجتها؛ من خلال استعادة القانون مرجعيته الوحيدة في الضبط المجتمعي، وتجريد السلطات الموازية من السلاح ومن قدرتها على المنح أو المنع. ومع تكرار خضوع الجميع للقانون، يتفكك الاقتران النفسي بين الرمز والرهبة، ويعود الرمز إلى حدوده الطبيعية، بوصفه وظيفةً أو صفةً اجتماعية أو منزلةً دينية، لا مصدرًا للخوف أو التقديس.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل
- إمرأة من زمنٍ لن يعود
- رجال على مقاس الفرصة
- آباء على مقاس الحرب
- ما تبقّى من أمل
- وطن في إجازة مفتوحة
- الغموض : هل تدار الأزمة العراقية في الظل


المزيد.....




- إدانات عربية واسعة للضربات الإيرانية.. ودعوات لاستئناف الحوا ...
- تواصل التصعيد بين واشنطن وطهران واستهداف البنية التحتية
- مؤثرة مغربية شهيرة تكشف تعرضها لاعتداء جنسي خلال سنين مراهقت ...
- مشاهد توثق -إصابة دقيقة- لناقلة نفط -مخالفة- في مضيق هرمز بط ...
- انفجارات ضخمة في مستودعات ذخيرة وقواعد عسكرية في أربيل شمال ...
- نظام كييف يوسع منطقة الإخلاء القسري في الأجزاء التي تسيطر عل ...
- تمديد الخدمة العسكرية وأيضا -ما هو جيد لأمريكا-.. جميع القوا ...
- الكولاجين أم الجيلاتين؟ دليلك لاختيار المكملات الأنسب لك
- سوريا.. إحباط تهريب مليون و300 ألف حبة كبتاغون في حمص
- يبحث عن عدو جديد.. اتهامات ترمب للصين باختراق الانتخابات تثي ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد العبيدي - سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي