|
|
من دفتر اليوميات/ محمود شقير69
محمود شقير
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 16:43
المحور:
الادب والفن
الخميس 1 / 5 / 2008 غادرت البيت في الحادية عشرة صباحاً، وكان الطقس ربيعياً منعشاً، وثمة غيوم بيضاء تتمطى في حضن السماء. أوقفت سيارتي في الساحة المحاذية لمكتبة بلدية القدس، ثم ذهبت ماشياً إلى المجلس الثقافي البريطاني في شارع نابلس. التقيت هناك كارولين خلف وميرنا قسيس. حدثتهما عن رحلة لندن التي كانت ممتعة ومفيدة ثم عبأت نموذجاً خاصاً حول الرحلة ومستوى التنظيم فيها. قلت: كان البرنامج مكتظاً، وليت المنظمين تركوا يوماً للضيوف لكي يتجولوا في المدينة! غادرت المجلس الثقافي واتجهت إلى فندق الأمريكان كولوني. هناك انتظرت ستيفاني حيث اتفقنا على اللقاء في الثانية عشرة والنصف ظهراً. جلست وانتظرت وبعد عشر دقائق هاتفتني ستيفاني وقالت إنها سوف تتأخر عشر أو خمس عشرة دقيقة. انتظرت ولم أشعر بملل، لأنني أحب الجلوس في صالات الفنادق مثلما أحب الجلوس في صالات المطارات، حيث أتأمل الناس في ذهابهم وإيابهم. كانت امرأة أجنبية في الأربعينيات من عمرها، وهي رشيقة ونحيلة، يبدو أنها موظفة في الفندق، تصب الماء على النباتات الموزعة في أنحاء الصالة. بعد ساعة، جاءت ستيفاني واعتذرت مني وقالت إنها كانت عند فرانسوا أبو سالم، وقد استغرقت معه في حديث حول إقامته في القدس، حيث لا توافق سلطات الاحتلال الإسرائيلي على بقائه فيها بسبب عدم وجود إقامة لديه في المدينة. المشكلة نفسها تواجه ستيفاني حيث لم تمنحها سلطات الاحتلال إلا شهرين وعليها مغادرة فلسطين بعد ذلك. قلت لها مازحاً: في هذه الحالة عليك أن تتزوجي فلسطينياً من القدس لكي تحصلي على إقامة. قالت جادة: فرانسوا جرب هذه المسألة وتزوج امرأة إسرائيلية بناء على نصيحة من المحامية، ولم ينفع هذا الإجراء، لأنه لا بد من إحضار أوراق ثبوتية وفواتير كهرباء وماء عن فترة سابقة. ذهبنا إلى مطعم الدولفين في حي الشيخ جراح لتناول طعام الغداء. لم يكن في المطعم سوى القليل من الزبائن. تحدثنا عن مختاراتي القصصية التي تقوم ستيفاني بترجمتها منذ أشهر. اعترفت ستيفاني بأنها ما زالت في أول المشوار ولم تترجم سوى القليل من القصص. لكنها طمأنتني إلى أنها ستنجز عملها في الموعد المحدد وهو نهاية شهر حزيران القادم. أصابني قلق جراء ذلك، لكنني لم أظهر أي شيء لاستيفاني. أصابني القلق لأن لدى ستيفاني مشكلة مزعجة الآن تتعلق بإقامتها في فلسطين وبعملها في جامعة النجاح. خفت ألا تنجز ستيفاني مهمتها على نحو متقن بسبب ضغط الوقت وبسبب ما تتعرض له من ضغوط نفسية ناتجة عن إحساسها بعدم الاستقرار. غادرنا المطعم، ومشينا في طريق نابلس نحو موقف الحافلات الذاهبة إلى رام الله. كانت تجمعات من الجنود الإسرائيليين تتجمهر هنا وهناك على امتداد الطريق. وأمام كل تجمع يقف قائد يتحدث مع الجنود ويشرح لهم أشياء ربما كانت حول الحرب وحول استخدام السلاح! كنت أنا وستيفاني نمر من أمام بعض هذه التجمعات ونحن أعزلان من السلاح. وكنت أشعر بأننا متفوقون أخلاقياً على هؤلاء البرابرة المدججين بالسلاح في هذا اليوم الربيعي الممتع الذي ينحاز إلى السلم والفرح والأمن والأمان. ودعت ستيفاني قريباً من الحافلة المتجهة إلى رام الله. عدت ماشياً في الشارع نفسه وركبت سيارتي وانطلقت عائداً إلى البيت. كانت الساعة تقترب من السادسة مساء.
الأحد 4 / 5 / 2008 دعاني الأستاذ سامي السرخي للقاء طالباته في كلية هند الحسيني التابعة لجامعة القدس. ذهبت إلى الكلية في العاشرة والنصف من صباح هذه اليوم. تعرفت إلى مديرة الكلية السيدة ماري خيو. شربت الشاي في مكتبها. جاء الأستاذ سامي واصطحبني إلى الطابق الثالث من مبنى الكلية للقاء طالبات السنة الرابعة في الكلية. قبل الدخول إلى المحاضرة، جلست في غرفة الأساتذة بعض الوقت. كان هناك الأستاذ زيدان أبو زياد مسؤول دائرة اللغة العربية والدكتور يوسف الريماوي والدكتور ابراهيم أبو غالية، بالإضافة إلى الأستاذ السرخي. تبادلنا مجاملات مختصرة ثم ذهبنا إلى الصف الذي كان فيه ست عشرة طالبة، كلهن يرتدين ملابس شرعية ما عدا طالبة واحدة. كانت في الصف ثلاث بنات من السواحرة، وبنات من صورباهر أيضاً، وبقية البنات من مناطق مختلفة من القدس. حدثت البنات عن تجربتي في كتابة القصة القصيرة. لاحظت أن إقبالهن على قراءة الأدب العربي الحديث محدود جداً، لكنهن كن قد قرأن عدداً غير قليل من قصصي بسبب أن ثمة مساقاً خاصاً في المنهاج الذي يدرسنه عن قصصي. ولذلك قمن بتوجيه أسئلة عديدة لي حول هذه القصص. بعد انتهاء المحاضرة، كتبت على اللوح عنوان موقعي على الشبكة للبنات، وأهديتهن نسخاً من بعض كتبي، ثم طلبن مني أن أوقع لهن على النسخ، قمت بذلك خلال بضع دقائق، ثم شكرت الزملاء الأساتذة، وغادرت الكلية. كانت مناسبة ممتعة، ويومي هذا كان ممتعاً كذلك.
الأحد 11 / 5 / 2008 وصلت إلى مبنى المسرح الوطني الفلسطيني قبل الموعد المحدد في السادسة والنصف مساء، أي قبل الموعد المحدد بنصف ساعة. اليوم ستكون الندوة الأخيرة لاحتفالية فلسطين للأدب. وسأقوم بتقديم كلمة شكر للكاتبات وللكتاب الذين أتوا من بريطانيا وبلدان أخرى للتضامن مع الشعب الفلسطيني في الذكرى الستين للنكبة. كنت متوتراً بعض الشيء، وهذا الأمر يحدث لي كلما شاركت في ندوة أو مؤتمر. لم يغادرني هذا التوتر رغم مشاركتي في عدد كبير جداً من الندوات والمؤتمرات خلال نصف القرن الماضي، ولم أتخلص من القلق من عدم توفر الماء بالقرب مني أثناء الحديث. امتلأت قاعة المسرح بجمهور محلي وبعدد غير قليل من الأجانب. قدمتني رانيا إلياس ، عريفة الندوة، فألقيت كلمة موجزة باللغة الانجليزية شكرت فيها الكاتبات والكتاب (أهداف سويف، حنان الشيخ، مريد البرغوثي، سهير حماد، نتالي حنضل، جمال محجوب، وعدد من الكتاب الأجانب) وتمنيت عليهم أن يكتبوا عن فلسطين وعن شعبها لكي يتعرف مزيد من الناس في الغرب وفي شتى بقاع العالم على معاناة هذا الشعب الرازح تحت الاحتلال. قرأ الكتاب والكاتبات نصوصاً أدبية مختارة (حنان الشيخ قرأت رسائل كتبها إلى ذويه، والد زوجها الطبيب وهو من آل معلوف، حينما كان مديراً لمستشفى الأمراض العقلية في بيت لحم، ثم قتلته العصابات الصهيونية في العام 1946)، وبين الحين والآخر كانت فرقة ياسمين الفلسطينية تتحفنا ببعض مقطوعاتها الموسيقية. الفرقة مكونة من خمسة شباب وشابة سكوتلندية متزوجة من فلسطيني وهي تتحدث العربية بطلاقة. اثنان من أعضاء الفرقة لم يتمكنا من دخول القدس بسبب الإغلاق المفروض على الضفة الغربية. مع ذلك عزف بقية أفراد الفرقة معزوفات جميلة. بعد الندوة، انتقلنا إلى مطعم أزكى دنيا في حي الشيخ جراح لتناول طعام العشاء. كنت أنا وإلبرت أغازريان ورجا شحادة مدعوين مع وفد الكتاب والكاتبات. الدعوة من مؤسسة يبوس التي تديرها رانيا إلياس، ثم جاء زوجها سهيل إلياس، وكان معنا كذلك خالد الغول الذي يعمل في المؤسسة. تناولنا طعام العشاء وسط أحاديث متشعبة في السياسة والأدب. كان ثمة عازف على العود في المطعم. وكانت حنان الشيخ مندمجة مع عزفه وغنائه، وكنت مسروراً لأنني تعرفت على هذه الكاتبة الموهوبة التي جاءت إلى فلسطين للتضامن مع شعبها. كنت مسروراً كذلك لأنها قالت لي إنها قرأت لي قصصاً في صحيفة الحياة اللندنية (جمال محجوب أيضاً قال إنه قرأ قصصي في الحياة). غادرت المطعم في الحادية عشرة والنصف. كان الطقس ربيعياً منعشاً، وكنت في مزاج جيد.
الأربعاء 21 / 5 / 2008 ذهبت إلى حيفا لإلقاء كلمة في ندوة خاصة بالذكرى الستين للنكبة. ذهبنا أنا وزياد الحموري وعارف ناصر الدين. في الرابعة إلا عشر دقائق كنت أدخل بسيارتي أول شارع صلاح الدين، ثم أنعطف نحو اليمين، حيث محل عارف الذي كان في انتظاري. قدت سيارتي في شوارع القدس متجهاً إلى بيت زياد في أول طريق بير نبالا. خرج زياد من البيت بمجرد أن رأى سيارتي، وخرجت زوجته بعده. سلمنا عليه وعليها، ثم مضينا في سيارة زياد إلى حيفا وكان الطقس حاراً. تحدثنا طوال الطريق في السياسة. تحدثنا عن حل الأزمة اللبنانية الأخيرة بوساطة قطرية. تحدثنا عن مفارقات الوضع العربي: قطر تنجح في إخماد الأزمة في حين أخفق الآخرون. تحدثنا عن والد زياد المرحوم فهمي الحموري الذي مات وهو في السابعة والأربعين. تحدثت عن فترة لقائنا في سجن الدامون في العام 1969 . جلسنا لتناول القهوة والشاي في مطعم مكسيم الواقع في مدخل حيفا. المطعم تعرض في سنوات سابقة لعملية تفجيرية قامت بها فتاة فلسطينية. جلسنا في شرفة مقابلة للبحر. كان البحر مكتفياً بذاته لا يكترث لأحد، وعلى مقربة من الشاطئ خط للترام الذي كان يمر سريعاً بين الحين والآخر. ركبنا السيارة وسرنا نحو مسرح الميدان حيث تقام الندوة هناك. شاهدت حدائق عباس التابعة للبهائيين. إنها معلم حضاري بالغ الجمال. تأملت شوارع المدينة والناس فيها دون تركيز. نحن الآن في حي عربي وأسماء المحلات التجارية مكتوبة باللغتين العربية والعبرية. تذكرت أنني لم أزر حيفا منذ سنوات. تذكرت أنني مقصر بحق نفسي فيما يتعلق بالسياحة الداخلية، إذ قليلاً ما أزور مدن فلسطين هذه الأيام. أعتقد أن للوضع الأمني المضطرب علاقة بذلك. هناك، في مسرح الميدان التقينا عصام مخول، زاهي كركبي، وبعض منتسبي الحزب الشيوعي الإسرائيلي من اليهود، وجمهوراً من فلسطينيي حيفا. ألقت شاعرة فلسطينية شابة بعض قصائدها وغنى شاب آخر وغنت فتاة بعض أغنيات معروفة بصوت جذاب. غادرنا حيفا في التاسعة والنصف ليلاً. كان ثمة هواء عذب يهب علينا ونحن في طريق العودة إلى القدس. يتبع
#محمود_شقير (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير68
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير67
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير66
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير65
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير64
-
محمود شقير/ من دفتر اليوميات63
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير62
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير61
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير60
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير59
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير58
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير57
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير56
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير55
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير54
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير53
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير52
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير51
-
في بعض التجليات الثقافية الفلسطينية لعام 2025
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير50
المزيد.....
-
ماذا تقول الثقافة اليهودية في سلوكه؟.. سيناتور أمريكي يثير
...
-
تتارستان ترمم مسجدا وكنيسة خشبيين من أقدم معالمها المعمارية
...
-
من الأدب إلى السياسة.. هذه الكتب رافقت أوباما في صيفه هذا ال
...
-
فيلم نولان يرفع مبيعات -الأوديسة- لهوميروس في روسيا بنسبة 19
...
-
تريتياكوف يستعيد علاقته التاريخية ببولينوف.. لوحات الجليل وا
...
-
-سوريون أم لبنانيون؟-.. الخارجية اللبنانية تتدخل لتصحيح -خطأ
...
-
بعد حل العقبات القانونية.. الفيلم الروسي -المعلم ومارغريتا-
...
-
نساء يحملن أباريق الشاي..فنانة تحوّل تفاصيل البيوت بالمغرب ل
...
-
32 موقعا روسيا تنتظر إدراجها في قائمة اليونسكو
-
لأول مرة.. مواقع من جزر القمر وجنوب السودان على قائمة التراث
...
المزيد.....
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
المزيد.....
|