أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - مخيّم الآمال العظمى















المزيد.....

مخيّم الآمال العظمى


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 22:15
المحور: الادب والفن
    


مع بزوغ فجر الصباح، غمرت الأمطار الخيام المنتشرة في أنحاء مخيّم الآمال العظمى، مزيلة بقايا الثلوج المتراكمة ككتل على التلال المحيطة بالمخيم. بدأت القطرات تتسرب عبر الفجوات في الخيام، مشكّلة بقعاً داكنة على البطانيات الرطبة. وقد ارتفع مستوى الطين حتى وصل إلى الكاحل، بينما امتزجت في الجو روائح الوقود المحترق والقماش المبتل والخبز المتعفن.

في الساحة المحاطة بأسلاك شائكة، كان الأطفال يلعبون باسطوانات المقذوفات الفارغة بعدما كانوا يلهون بكريات الثلج الذي لم تبق منه سوى بقع تذيبها الأمطار المتساقطة، حيث كانوا يتنافسون في رمي كرات الثلج على بعضهم البعض أو في مسابقات لقياس مدى استطاعتهم على قذفها لأبعاد بعيدة. وكانت الأصداف تنزلق بين برك الماء والطين، لامعة تحت أشعة الشمس المسائية الخافتة. وعند ارتطام الاسطوانة بالأرض، كانت المياه والطين تتطاير حول المكان، متبوعة بضحكات الأطفال التي تتلاشى بين أرجاء الخيام.

جلس مراد على صندوق ذخيرة مقلوب، يراقب طابور توزيع المياه. كان يوماً ما مدرساً للأدب، لكنه الآن يضع رقماً معلقاً على جيب قميصه. وبينما كانت عيناه تتنقل بين المشاهد، عاد إلى ذاكرته رائحة البارود القديمة وثقل الخوذة العسكرية التي ارتداها في السابق.

عاد بذاكرته إلى سنوات مضت حين كان جنديًا في الجيش العراقي على الجبهة الشرقية المليئة بالغبار في مواجهة إيران، تحت ثقل الحديد الملتهب وسماء ملبدة بدخان القنابل. تذكر كيف فرّ لينضم إلى صفوف الأنصار الشيوعيين العراقيين، بحثًا عن عدالة متخيلة وخلاص إنساني يشبع عطش روحه. وتردد في ذهنه حينها السؤال المؤلم ذاته: لماذا القتل؟ ألا يمكن للإنسان أن يتفاهم مع أخيه الإنسان دون اللجوء إلى العنف؟

إلى جواره جلست تلك المرأة المسنة التي اعتادت التأمل في السماء عند الغروب، كأنما تترك هناك أحداً بعيدًا خلف السحاب. سألها مراد محاولاً التخلص من أصداء الماضي: «هل تنتظرين أحداً اليوم أيضاً؟»
ابتسمت المرأة قائلة: "نعم."

"من سيأتي؟"

رفعت رأسها نحو السماء قائلة: "لا أعلم."

لم يَرُد مراد بشيء. راح ينظر إلى طابور المياه؛ ورأى الطفل النحيل الذي يجرّ دلوًا أكبر من حجمه على الأرض، والرجل الذي ربط حذاءه بقطعة من السلك، وبرج المراقبة الذي بدا كالوتد الأسود المخترق لسماء المخيم.

بعد لحظات قليلة، قال ببطء: غريب.

ماذا؟ أشار مراد بذقنه نحو المخيم قائلاً: الحياة... أن تكون على قيد الحياة.

هبت رياح باردة ومزقت الصفائح البلاستيكية الممتدة على الخيام، فجمعتها مثل أشرعة السفن في عاصفة. انفصل ركن إحدى الخيام عن الطوب واستمر في ضرب العمود المعدني بعنف. اهتزت مياه الأمطار المتجمعة في منخفض سقف الخيمة، ثم تجعدت وانسكبت على الأرض.

لم ترد المرأة العجوز.

في تلك اللحظة، صاح رجل عبر مكبرات الصوت في المخيم: انتبهوا، انتبهوا، المساعدات الإنسانية متأخرة. يرجى الالتزام بالنظام.

ابتسم الحاضرون بسخرية؛ فقد عرف الجميع أن "المساعدات الإنسانية" تعني بعض الشاحنات المحملة بالمعلبات والخبز الجاف وبعض الأغراض المستهلكة التي أرسلها نفس الأشخاص الذين أمطرت طائراتهم المخيم الشهر الماضي.

همس مراد: أليس هذا غريبًا؟ أولًا يشعلون النار في المنزل، ثم يأتون إليك بالبطانيات.

وجهت المرأة العجوز نظرها إلى السماء.

مع حلول الليل، انقطعت الكهرباء عن المخيم. اجتاح الظلام كالسيول السوداء الأزقة الضيقة بين الخيام. كانت النيران الصغيرة هي المصدر الوحيد للضوء، تلقي بظلال متراقصة على وجوه المتجمعين.

احتشد الناس حول النار. في الظلام قربها، كان مراد يحمل جريدة قديمة، وهي آخر عدد جلبه من العاصمة. بدت الجريدة مهترئة بفعل الرطوبة وأطرافها محروقة. فتح مراد الجريدة وبدأ يقرأ بصوت مسموع:

"رئيس الوزراء: البلاد على مشارف مستقبل مشرق. الأمة تقف أمام بداية جديدة من السلطة والازدهار والاستقرار."

ساد الصمت.

قلب مراد الصفحة وتابع: "وزير الصحة: النظام الصحي في البلاد وصل إلى ذروته التاريخية. البنية التحتية الطبية تلبي بشكل فعال احتياجات المواطنين."

استمر الصمت.

"وزير الاقتصاد: مؤشرات النمو الواعدة تتواصل."

ساد الصمت من جديد.

"المتحدث باسم الحكومة: الحكومة تستمع إلى نبض الشعب. عملية التعامل مع أوضاع المتضررين تسير بسلاسة حسب الجدول الزمني دون أي انقطاع."

غمر المكان سكون عميق والصمت.

وزير الدفاع يعلن: الحرب ضرورية لتحقيق السلام.

ضحك عدد قليل. أجاب أحدهم بمزاح: "الجوع ضروري للشبع!"

علق رجل آخر كان يرتدي بطانية عسكرية قديمة على كتفيه: "التشرد هو السبيل الوحيد لإيجاد منزل!"

ابتسم البعض بسخرية خفيفة.

اقترب الرجل العجوز الجالس قرب النار بيديه من اللهب وقال: "لإنقاذ المريض، يجب أن نحرق سيارة الإسعاف أولاً."

قالت امرأة في منتصف العمر، تحمل علبة طعام فارغة على ركبتيها: "سمعت أيضًا أنه لإطفاء النار، يجب إضافة المزيد من الخشب إليها أولاً."

هذه المرة، ارتفعت الضحكات ثم خمدت بسرعة. طوى مراد الصحيفة.

"هل تعرفون ما هو أول مبنى تم إصلاحه في مدينتنا بعد القصف؟"

لم يجب أحد.

"كان البنك. نعم، البنك يا سادة."

ضحك بعضهم؛ ضحكات تخرج من القلب عندما يكون الأمر حقيقيًا جدًا.

تابع مراد: "المدرسة لا تزال بلا سقف. نصف المستشفى ما زال مدمرًا. لكن البنك أعيد افتتاحه بعد ثلاثة أسابيع؛ بأبهى حلة."

رمى مراد بعض العصي في النار، فارتفعت الشرارات واختفت في الظلام.

"المال يعود إلى منزله أسرع من الناس دائمًا."

قال رجل من الجانب الآخر للنار: "هؤلاء يحاربون من أجل كل شيء؛ النفط، الحدود، التقنيات، الطاقة النووية وآلاف اللعنات الأخرى، لكنهم لا يقاتلون أبدًا من أجل البشر."

هز مراد كتفيه بلا مبالاة. ثم توقف قليلاً وأكمل: "لأن هذه الأشياء هي الأهم."

لم يكن يُسمع سوى صوت احتراق الحطب. تشققت قطعة خشب شبه محترقة وتدحرجت قطعة فحم حمراء من بين الرماد. على الجانب الآخر من حلقة الضوء، كانت الوجوه تغيب في الظلام؛ إلا أن وميض العيون يظهر في ضوء النار الخافت بين الحين والآخر.

قال مراد: "كان عَمّي جنديا."

"هل قُتل؟"

"لا."

"وماذا في ذلك؟"

حدق مراد في النار. "في يوم من الأيام استولوا على بلدة."

"حسنا."

"قال إنه عندما دخل منزلا، أول ما رآه هو الملابس المبللة المعلقة من حبل الغسيل."

اندلعت شرارة وسقطت على الأرض، وتم إخمادها.

"حسنا؟"

"قال إن هناك ملابس طفولية صغيرة بينهم."

"إذا؟"

"ثم لم يعد يستطيع إطلاق النار."

في منتصف الليل، توقف المطر. تلاشت الغيوم ببطء، كستار ثقيل سحب من مسرح مهجور، وظهرت النجوم واحدة تلو الأخرى. نظرت المرأة المسنة إلى السماء مرة أخرى. وقف مراد بجانبها، مدّ يده في الظلام ليلامس ببطء آثار السكك الحديدية القديمة المقلوعة التي اختفت قضبانها منذ أمد، ولم يبق منها سوى حفر وأخاديد عميقة متناثرة في الأرض كأنها جروح غائرة في جسد السهل.

تردد في الأفق صوت غريب يشبه صفارة القطار، لكنه لم يكن سوى صدى بعيد لقطار الشرق الذي كانت له سكك حديد تمر من هذه الأرض يوماً.

تنهدت المرأة. "حسنا."

حدق مراد في السماء. مليارات النقاط المضيئة تلمع هناك، متجاهلة المخيم، الحرب، الحفر الممتدة على الأرض، والقبور الطازجة.

"ربما لن يأتي أبدا."

سألت المرأة المسنة: "ماذا سيحدث حينها؟"

نظر مراد إلى المخيم، إلى ابنة العجوز، المرأة التي كانت تقسم آخر قطعة خبز بين أطفالها الثلاثة؛ أولئك الصغار الذين يحمل كل واحد منهم وزراً لا يطيقه، كل واحد منهم بأب من عناصر "داعش" الذين تورطوا في دمار البلاد، لتظل دائرة النفوس ترفض تسجيلهم بعد أن رفضت الأم ذكر أسماء آبائهم، مصممةً على أن تكون لهم الأب والأم معاً في وجه قسوة العالم.

ولم يكن مراد يفكر بالتبني التقليدي؛ بل راقت له فكرة تلك الأم الشجاعة وموقفها الفريد، وتمنى لو أنه يستطيع حقاً أن يكون لهم الأب والأم، وأن يُسجل رسمياً في قيد النفوس كجزء من هذه العائلة المتمردة على جراحها.

قال مراد بصوت خافت: "لا أعرف. كل ما أعرفه أن القنابل والصواريخ وقذائف الهاون وحدها ما كانت تهبط من هناك."

لم يكن هناك سوى ذلك الصوت الشبيه بصفارة القطار وهو يهب عبر الأسلاك الشائكة، وكأن السماء، بعد أن غسلت وجهها بالدموع، تركت خيطاً باهتاً من طيف قوس قزح يرتجف في العتمة؛ قبل أن تعود لسكينة أزلية — كما هي دائماً — لا تكترث بما يجري تحتها.
‏الأربعاء‏، 29‏ تموز‏، 2026



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من طبقة النومنكلاتورا إلى الأوليغارشية
- قانون الإصلاح الزراعي وتدمير الزراعة
- مرايا الغبار المتمرد
- ما وراء هرمز
- من -الزمهرير- إلى -القيظ-
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...
- من فخ الأوهام إلى غرناطة الحديثة
- في محراب العبث
- هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...
- عقارب في موجة مشلولة
- كريم كابان يغنّي وصية العاشق الهائم
- عن التنمّر الثقافي ومحاولات التجهيل الجبانة
- أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
- المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد


المزيد.....




-  محافظ القليوبية يهنئ هاتفيًا أوائل الجمهورية بالشعبة الأدبي ...
- هل بدأت هوليوود تستسلم؟ أفلام الذكاء الاصطناعي تدخل سباق الم ...
- صانعة محتوى تفجر مفاجأة: -الشامي حبيبي-.. ولا تعليق من الفنا ...
- -هآرتس- تستعرض تضارب الروايات حول سبب رفض نتنياهو لقاء زيلين ...
- وزيرة الثقافة الروسية: أكثر من 60 دولة تشارك في -ليلة السينم ...
- متحف الدفاع عن سيفاستوبول يتلقى نحو 200 قطعة أثرية جديدة
- بعد ترميم دام عامين ونصف.. إعادة افتتاح كنيسة الصعود التاريخ ...
- -بوكر- 2026: القائمة الطويلة تضم فائزين سابقين وثلاثة روائيي ...
- قصر كاترين يفتتح أبوابه مجانا لحاملات اسمي -كاترين- و-إليزاب ...
- الألعاب النارية تلتهم موقع تصوير فيلم في منطقة تفير الروسية ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - مخيّم الآمال العظمى