أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد كوره جي - هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟














المزيد.....

هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 16:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


على مر التاريخ، أشار العديد من الفلاسفة إلى الجوانب المظلمة في الطبيعة البشرية، مثل الأنانية، الحسد، الرغبة في السيطرة، والخوف من الآخر. هذه الدوافع والمشاعر قد تؤدي إلى استغلال الآخرين وإلحاق الأذى بهم، كما لمست من خلال ما عايشته في تجربتي الشخصية.

مع ذلك، هناك فلاسفة آخرون تبنوا رؤية أكثر تفاؤلًا تجاه الإنسان، مبرزين قدرته على التعاون، التعاطف، وممارسة الإيثار. ولكن حتى هؤلاء لم يغفلوا عن الاعتراف بوجود الجانب المظلم في الذات البشرية، وأكدوا أهمية وجود آليات اجتماعية وأخلاقية تسهم في ضبطه والتخفيف من تأثيراته السلبية.

يمكن التأكيد إذًا أن المقولة الشهيرة "الإنسان ذئب لأخيه" تحمل أصداء فلسفية عميقة تمتد جذورها إلى الماضي. فقد تناولها العديد من المفكرين والمحللين على اختلاف مدارسهم الفكرية ووجهات نظرهم. وما اختبرته من تجارب شخصية يضفي بُعدًا واقعيًا ملموسًا لهذه القضايا التي طالما كانت محور النقاش.

من بين أبرز الفلاسفة الذين تبنوا وأسسوا لهذه الرؤى، نجد توماس هوبز الذي عرض نظرة صارمة للطبيعة البشرية في كتابه "الليفياثان". رأى هوبز أن حياة الإنسان في حالتها الأصلية تتسم بالفوضى و"حرب الكل ضد الكل"، حيث تتحكم فيها الأنانية ورغبة البقاء والسيطرة. لذلك، دعا إلى ضرورة تأسيس سلطة قوية (الدولة) لضمان الأمن والنظام والحيلولة دون الانزلاق نحو الفوضى.

أما نيكولو مكيافيلي، وإن لم يصرح بنفس المقولة حرفيًا، فإن فلسفته السياسية التي عرضها في كتابه "الأمير" تعكس رؤية مشابهة للطبيعة البشرية بنبرة أكثر براغماتية وتشاؤمًا. كان يعتقد أن الناس في جوهرهم أنانيون وغير موثوق بهم، لذا نصح الحكام باستخدام القوة والخداع متى ما تطلب الأمر لضمان استقرار سلطاتهم وتحقيق أهدافهم.

وفي مجال علم النفس، طرح سيغموند فرويد مفهوم "غريزة الموت"، التي تمثل نزعة داخلية متأصلة في الإنسان تدفعه نحو العدوان والدمار، سواء كان موجهًا نحو الآخرين أو ضد الذات. هذه الفكرة تعزز الرؤية التي تصف الإنسان بامتلاكه دوافع ظلامية قد تجعل منه "ذئبًا" لشبيهه.

من خلال تجاربي في الحياة، عرفت العديد من الأشخاص الذين كنت أظنهم مثالاً للطيبة والإنسانية. كنت أراهم في قمة النقاء الأخلاقي، لكن مع مرور الزمن وزيادة وعيي الثقافي والمعرفي والنفسي، بدأت أسترجع ذكريات بعضهم وأدرك كم كانوا أقرب إلى الذئاب التي تستغل الضعفاء دون رحمة.

أذكر أن هناك أحد أقاربي، كان يعمل أسطى بناء ومعروفًا في مهارة "اللبخ". بدا لي في ذلك الوقت لطيفًا وطيب القلب. كان لديه عامل مسكين يعاني من إعاقة جسدية، وكان يشغله بنقل الجص لمساعدته في تغطية الجدران. العامل كان يعمل معه يوميًا لمدة عشر ساعات دون انقطاع. وذات يوم فوجئنا بخبر وفاة هذا الرجل المسكين. علّق والدي رحمه الله حينها قائلًا: "لقد قتله عبد الحسين (اسم مستعار) بسبب إرهاقه الشديد في العمل دون رأفة." الحقيقة أن عبد الحسين لم يكن ليستخدم المزيد من العمال لتوفير الأجور، واكتفى باستغلال هذا الشخص لوحده ضمن ظروف شاقة تفوق طاقته.

أما الحادثة الأخرى، فكانت مع رجل يمتلك عربة لتوزيع النفط يحرّكها حصان. كان يعمل لديه شاب يعاني من إعاقة في النطق، يُجبره على التنقل بين الأزقة لتوزيع النفط على المنازل، بينما صاحب العربة جالس مستريح، مشغول بتناول المكسرات والبقوليات واحتساء المشروبات في الظل.

في ذلك الوقت، كنا نعتبر هذه الأمور اعتيادية ولا نرى فيها مشكلة. لكن بعد أن عشت لسنوات طويلة في الغرب وتعلّمت عن حقوق العمال وضماناتهم، أدركت كم كان ذلك الوضع ظالمًا وجائرًا. للأسف، نحن أنفسنا كنا جزءًا من هذا الظلم، سواء بسكوتنا أو تقبّلنا لما يحدث كأمر طبيعي.
ميزان النفس.. حين تتصالح مع الذاكرة
قد تعتصرُ قلبَك الذكريات، وتوقظ فيك غُصّة الألم حين تستحضرُ لحظاتٍ كُسرت فيها إرادتك، أو نال منك التنمر، أو طالتك يدُ الظلمِ فصمتَّ ولم تنتقم. قد يبدو الأمر جرحاً لا يندمل، لكن لتبرُد لوعتُك وتستكين روحك، انظر إلى المرآة بصدقٍ كامل.
تذكر -في لحظة صدقٍ مع الذات- تلك الأوقات التي كنت فيها أنت الجلاد، حين زلَّت قدَمك لتجرح أحداً بكلمة، أو مارستَ سطوةً على من هو أضعف منك. حين تدرك أنَّ الحياة "دَينٌ وكِفاء"، وأن ميزان العدلِ لا يغفلُ عن خطاياك كما لم يغفل عن حقوقك، سيهون عليك وقعُ الأذى، وتتعلم كيف تعفو لتُعفى.
فما أنت إلا بشرٌ يتقلبُ بين النور والظلمة؛ مهما بلغتَ من نُبلِ القصد وسموِّ الأخلاق، ستظلُّ فيك بقيةٌ من طينٍ تجعلك بعيداً عن كمال الملائكة. فالعفو عن الآخرين هو في حقيقته تصالحٌ مع بشريتك الناقصة.
مالمو
2026-05-27



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...
- عقارب في موجة مشلولة
- كريم كابان يغنّي وصية العاشق الهائم
- عن التنمّر الثقافي ومحاولات التجهيل الجبانة
- أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
- المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد
- من -المقص- إلى -الخوارزمية-
- قمة غوادلوب 1979
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
- سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه ...
- في حضرة التراب
- من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-
- مفارقة الحصار والتحول
- خندق الشعوب المشترك ضد -مقصلة- الدين وتوحش -الامبراطور-
- تشريح العقل السياسي لليسار الإيراني
- تركيا واستراتيجية -الاحتواء المرن- تجاه الحرب على ايران
- وباء الإنتاج المفرط - الصين نموذجاً


المزيد.....




- حلبة قتال قادمة إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض
- الصين في الشرق الأوسط: حضور لوجستي أم توسّع استراتيجي؟ - مقا ...
- هل خسر ترامب مفاوضات إيران؟ حديثه المفاجئ عن التطبيع يثير تس ...
- إسرائيل تمنع دخول 40 ناشطًا من -المرصد الأورومتوسطي- وتتهمهم ...
- في غزة المدمرة: الفلسطينيون يحيون عيد الأضحى بين الركام
- بعد 960 يوماً من الحرب.. تقديرات إسرائيلية: نجحنا في قتل الق ...
- الحرس الثوري يحذر ساحل إيران سيتحول إلى -مقبرة- إذا استؤنفت ...
- السعودية: أكثر من 1 مليون و500 ألف حاج يؤدون رمي الجمرات في ...
- دبلوماسية الردع.. لماذا تخلت طهران عن الصبر الإستراتيجي بمفا ...
- خبير عسكري.. الاحتلال يسعى لتطويق النبطية شرقا لعزلها عن عمق ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد كوره جي - هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟